5580 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بنُ عبد الله بن يونس التَّميمي اليربوعي الكوفيُّ، وهو شيخ مسلم أيضًا، قال (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ) بإضافة العبد إلى «ربه» ، الحنَّاط _ بالحاء المهملة والنون المشدَّدة _ المدائني (عَنْ يُونُسَ) هو ابنُ عبيد البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) ضدُّ الزَّائل (الْبُنَانِيِّ) هو ابنُ أسلم البصري، أبو محمد، ونسبته إلى بُنَانَة _ بضم الباء الموحدة وتخفيف النونين _، وهي زوجة سعد بن لؤي بن غالب بن فهر، نسب بنوها إليها، وقيل كانت أَمَةً لسعد حضنت بنيه، وقيل كانت حاضنة بنيه.
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ بِالْمَدِينَةِ) أي في المدينة (خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا) أي عامَّة أصل خمرنا؛ أي النَّبيذ الذي سيصير خمرًا (الْبُسْرُ) بضم الموحدة وسكون المهملة (وَالتَّمْرُ) أي أكثر ما كان يتَّخذ من البُسر والتَّمر، والبُسر هي المرتبة الرَّابعة لثمرة النَّخل، أوَّلها طلع، ثمَّ خِلال، ثمَّ بلح، ثمَّ بسر، ثمَّ رطب، والخِلال _ بكسر الخاء المعجمة _ جمع خَلالة _ بالفتح _، وقال ابن الأثير هو البُسر أوَّل إدراكه، وقال الكرمانيُّ فإن قلت الخمر مائعٌ والبُسر جامد فكيف يكون هو إيَّاه؟
قلت هو مجازٌ عن الشَّراب الذي يُؤخذ منه عكس {أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف 36] ، أو ثمَّة إضمار؛ أي عامة أصل خمرنا. فإن قلت تقدَّم أنَّه قال ما بالمدينة منها شيءٌ فكيف قال عامَّة خمرنا؟ قلت المراد بقوله منها خمر العنب، إذ هو المتبادر إلى الذِّهن عند الإطلاق أو المطلق محمول عليها، وقد تقدَّم ذلك آنفًا [خ¦5579 قبل] ، وفي «التوضيح» في هذا الحديث وفي الذي بعده ردٌّ على الكوفيِّين في قولهم إنَّ الخمر من العنب خاصَّة، وأنَّ كل شرابٍ يُتَّخذ من غيره فغير محرَّم، وما دون السُّكر، وقد ذكر فيما تقدَّم ما يرد ما قاله، فراجع إليه تعرف المردود ما هو [خ¦5579 قبل] .
وقال المهلَّب أيضًا ليس لأحد أن يقول إنَّ الخمر من العنب وحدَه،
ج 24 ص 79
فهؤلاء الصَّحابة فصحاء العرب والفُهماء عن الله ورسوله، قد قالوا إنَّ الخمرَ من خمسة أشياء.
وقد أخبر الفاروق رضي الله عنه بذلك حكاية عمَّا نزل من القرآن، وقال (( الخمر ما خامر العقل ) ) [خ¦5581] وخطب بذلك على منبره صلى الله عليه وسلم بحضرة الصَّحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ولم ينكره أحدٌ، فصار كالإجماع، وتعقَّبه العينيُّ فقال من لا يفهم دقَّة ما قاله الكوفيُّون ردَّ عليهم بردٍّ مردود. وقول الكوفيِّين الخمر من العنب وحدَه لا ينافي قول الصَّحابة أنَّ الخمر من خمسة أشياء، ولا يضرُّ فصاحتهم؛ لأنَّهم استعملوا في كلامهم الحقيقة والمجاز، وهو عينُ الفصاحة، ولا يفرق بينهما من كلام الصَّحابة إلَّا من له ذوق من إدراك دقائق الكلام.
وقوله فصار كالإجماع فيه نظر قوي لا يخفى، وقال صاحب «التوضيح» وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنَّه قال في نقيع التَّمر إنَّه خمر. وقال الشَّعبي وابن أبي ليلى والنَّخعي والحسن البصري وعبد الله بن إدريس ومالك والأوزاعيُّ
ج 24 ص 80
والثَّوري وابن المبارك والشَّافعي وأحمد وإسحاق وعامَّة أهل الحديث المسكر الخمر.
وتعقَّبه العينيُّ أيضًا بأنَّ إطلاقهم الخمر على هذه الأشياء ليس من طريق الحقيقة، وإنَّما قالوا خمر؛ لمخامرته العقل، ونحن نقول به أيضًا من هذه الحيثية، وقال صاحب «التوضيح» أيضًا قال أبو حنيفة المحرم عصير العنب النَّيء، فمن شرب منها ولو قطرة حُدُّ، وما عداها لا يحدُّ إلَّا بالسُّكْر، وموضع الردِّ من الحديث عليه أنهم كانوا يشربون بالمدينة الفضيخ، وهو ما يتَّخذ من البُسر والتَّمر، فلمَّا جاءهم منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الخمر قد حرِّمت امتنعوا وكسروا الجرارَ، ولم ينكروا ولا قالوا كنَّا نشربُ الفضيخ، بل امتنعوا، فلولا أنَّه عندهم خمر؛ لما امتنعوا منه.
وتعقَّبه العينيُّ أيضًا بأنَّه لم يحرِّر موضع الرَّد حتَّى رد على الإمام، والفضيخ الذي كانوا يشربونه وقتئذٍ كان مسكرًا، والمُسكر يطلقُ عليه اسم الخمر باعتبار مخامرته العقل؛ لأنَّ حقيقة الخمر من العنب النَّيء المشتد حتَّى يتعلَّق به الحد
ج 24 ص 81
في قليله، وغير ماء العنب من الأشياء المذكورة لا يتعلَّق الحد إلَّا بالمسكر منها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. والحديث من أفراد البُخاري.