5582 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وكنية عبد الله أبو أويس بن عبد الله بن أبي عامر الأصبحي، حليف عثمان بن عبيد الله أخي طلحة بن عبيد الله التَّميمي القرشي، وهو ابنُ أخت مالك بن أنس الإمام، وصهرُه على ابنته، وقد تكرَّر ذكره (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ) هو ابنُ الجراح، واسمه عامر أحد العشرة المبشرة (وَأَبَا طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريَّ زوج أم أنس، واسم أمِّ أنس أمُّ سُليم (وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) سيِّد القراء وكبير الأنصار، وعالمهم رضي الله عنهم (مِنْ فَضِيخِ) بفتح الفاء وكسر الضاد المعجمة وسكون التحتية وبالخاء المعجمة، وهو اسم للبُسر إذا شُدِخَ؛ أي كُسر ونُبذ، ويُقال الفضيخُ من الفضخ، وهو الشَّدخ والكسر، شرابٌ يتَّخذ من البُسر ويصبُّ عليه الماء، ويترك حتَّى يغلي.
(زَهْوٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وبالواو، وقد تضم الزاي، وهو البُسر الملوَّن الذي ظهر فيه الحمرة أو الصُّفرة قبل أن تترطَّب، وقد يطلق الفضيخُ على خليط البُسر والرُّطب، كما يُطلق على خليط البُسر والتَّمر، وكما يطلقُ على البُسر وحدَه، وعلى التَّمر وحدَه، كما في الرِّواية التي في آخر الباب [خ¦5584] . وعند أحمد من طريق قتادة عن أنس رضي الله عنه وما خْمرتُهم يومئذٍ إلَّا البُسر والتَّمر مخلوطين.
(وَتَمْرٍ) أي من فضيخ كلاهما، وعند مسلم من طريق قتادة عن أنس رضي الله عنه أسقيهم من مزادة فيها خليطُ بسرٍ وتمرٍ. وزاد حُميد عن أنس عند الإمام أحمد بعد قوله «أسقيهم حتَّى كاد الشَّراب يأخذُ فيهم» ، وفي رواية ابن أبي عاصم «حتَّى مالت رؤوسهم» ، وفي رواية ابن مردويه (( حتَّى أَسْرعتْ فيهم ) ).
واقتصر في هذه الرِّواية على هؤلاء الثَّلاثة، فأمَّا أبو طلحة فلكون القصَّة كانت في منزله كما مضى في «التَّفسير» من طريق ثابت عن أنس رضي الله عنه [خ¦4620] «كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة» ، وأمَّا عبيدة فلأن النَّبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين أبي طلحة، كما أخرجه مسلم من وجهٍ آخر عن أنس رضي الله عنه،
ج 24 ص 83
وأمَّا أُبيُّ بن كعب فكان كبير الأنصار وعالمهم، ووقع في رواية عبد العزيز بن صُهيب عن أنس في «تفسير المائدة» «إنِّي لقائم أسقي أبا طلحة وفلانًا وفلانًا» [خ¦4617] . كذا وقع بالإبهام.
وسمى في رواية مسلم منهم أبا أيُّوب، وسيأتي بعد أبواب من رواية هشام عن قتادة عن أنس «إنِّي لأسقي أبا طلحة وأبا دُجانة وسُهيل بن بيضاء» [خ¦5600] . وأبو دُجَانة _ بضم الدال المهملة وتخفيف الجيم _ وبعد الألف نون اسمه سِمَاك بن خَرَشَة _ بمعجمتين بينهما راء مفتوحات _، وفي رواية مسلم من طريق سعيد عن قتادة نحوه، وسُمِّيَ فيهم معاذ بن جبل.
وفي رواية أحمد عن يحيى القطَّان عن حميد عن أنس «كنتُ أسقي أبا عبيدة وأُبي بن كعب وسُهيل بن بيضاء ونفرًا من الصَّحابة عند أبي طلحة» . ووقع عند عبد الرَّزاق عن مَعمر عن ثابت وقتادة وغيرهما عن أنس أنَّ القوم كانوا أحد عشر رجلًا، وقد حصل من الطُّرق التي أوردت تسمية سبعة منهم، وأبهمهم في رواية سُليمان التَّيمي عن أنس، وهي في هذا الباب ولفظه «كنت قائمًا على الحيِّ أسقيهم عمومتي» [خ¦5583] . وقوله «عمومتي» في موضع خفض على البدل من قوله «الحي» ، وأطلق عليهم «عمومتي» ؛ لأنَّهم كانوا أسن منه، ولأنَّ أكثرهم من الأنصار.
ووقع عند ابن مردويه في «تفسيره» من طريق عيسى بن طهمان عن أنس أنَّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا فيهم، وهو منكرٌ جدًا.
قال الحافظُ العسقلانيُّ وما أظنَّه إلَّا غلطًا، وقد أخرج أبو نُعيم في «الحلية» في ترجمة شعبة من حديث عائشة رضي الله عنها قالت حرَّم أبو بكر رضي الله عنه الخمرَ على نفسه فلم يشربها في جاهليَّة ولا إسلام، ويحتمل إن كان محفوظًا أن يكون أبو بكر وعمر رضي الله عنهما زارا أبا طلحة في ذلك اليوم ولم يشربا معهم.
قال الحافظُ العسقلانيُّ ثمَّ وجدت عند البزَّار من وجه آخر عن أنس «كنت ساقي القوم، وكان في القوم رجل يُقال له أبو بكر، فلمَّا شرب قال
~تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمَّ بَكْرٍ
الأبيات. فدخل علينا رجلٌ من المسلمين فقال قد نزل تحريم الخمر». الحديث. وأبو بكر هذا يُقال له ابن شعوب فظنَّ بعضهم أنَّه أبو بكر الصِّديق، وليس كذلك.
(فَجَاءَهُمْ آتٍ) قال الحافظُ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه، وفي رواية ابن أبي عاصم (( فدخل داخل ) )، ومضى في «المظالم» من طريق ثابت عن أنس [خ¦2464] «فأمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 24 ص 84
مناديًا فنادى»، وفي رواية مسلم من هذا الوجه (( فإذا مناد ينادي إنَّ الخمرَ قد حرِّمت ) ). وله من رواية سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه نحوه، وزاد (( فقال أبو طلحة اخرجْ فانظر ما هذا الصُّوت ) ).
ومضى في «التَّفسير» من طريق عبد العزيز بن صُهيب عن أنس رضي الله عنه بلفظ [خ¦4617] إذ جاء رجل فقال هل بلغكم الخبر؟ قالوا وما ذاك؟ قال قد حرِّمت الخمر، وهذا الرَّجل يحتمل أن يكون هو المنادي، ويحتمل أن يكون غيره سمع المنادي فدخل إليهم فأخبرهم.
(فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا) بفتح الهمزة وكسر الراء، أمر من الإهراق، وأصله أرقها من الإراقة، ويروى بفتح الهاء وكسر الراء؛ أي أراقها، فأبدلت الهمزة هاء. وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمزة والهاء معًا، وهو نادر، وتقدَّم بسطه في «الطَّهارة» [خ¦221 قبل] ، وكذا قوله
(فَأَهْرَقْتُهَا) ويروى لكن بفتح الراء؛ لأنَّها صيغة المتكلِّم.
ووقع في رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه في «التَّفسير» بلفظ «فأرقها» [خ¦4620] ، ومن رواية عبد العزيز بن صهيب فقالوا «أرق هذه القلال يا أنس» [خ¦4617] ، وهو محمول على أنَّ المخاطب له بذلك أبو طلحة، ورضي الباقون بذلك، فنسب الأمر بالإراقة إليهم جميعًا. ووقع في الرِّواية الثَّانية في الباب (( أكفئها ) ) [خ¦5583] وهو بكسر الفاء مهموز، بمعنى أرقها، ووقع في باب «إجازة خبر الواحد» من رواية أخرى عن مالك في هذا الحديث (( قم إلى هذه الجرار فاكسرها ) )فقمتُ إلى مِهراس لنا فضربتها بأسفله حتَّى انكسرتْ [خ¦7253] ، وهذا لا ينافي الرِّوايات الأخرى، بل يجمع بأنَّه أراقها وكسر أوانيها، أو أراق بعضًا، وكسر بعضًا.
وقد ذكر ابن عبد البر أنَّ إسحاق بن أبي طلحة تفرَّد عن أنس بذكر الكسر، وأنَّ ثابتًا وعبد العزيز بن صهيب وحُميدًا، وعدَّ جماعة من الثِّقات رووا الحديث بتمامه عن أنس رضي الله عنه منهم من طوله، ومنهم من اختصره، فلم يذكروا إلَّا إراقتها.
والمِهْراس _ بكسر الميم وسكون الهاء وآخره مهملة _ إناءٌ يتَّخذ من صخر ويُنقر، وقد يكون كبيرًا كالحوض، وقد يكون صغيرًا بحيث يتأتَّى الكسر به، وكأنَّه لم يحضره
ج 24 ص 85
ما يكسر به غيره، أو كسر بآلة المهراس التي يدقُّ بها فيه كالهاون، فأطلقَ اسمه عليها مجازًا. ووقع في رواية حُميد عن أنس رضي الله عنه عند أحمد «فوالله ما قالوا حتَّى ننظر ونسأل» . وفي رواية عبد العزيز بن صهيب في «التَّفسير» [خ¦4617] «فوالله ما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرَّجل» . وتقدَّم في «المظالم» [خ¦2464] فجرت في سكك المدينة؛ أي طرقها، وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتَّى جرت في الأزقة من كثرتها.
قال القرطبيُّ تمسَّك بهذه الزِّيادة بعض من قال إنَّ الخمرَ المتَّخذة من غير العنب ليست نجسة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن التَّخلي في الطُّرق، فلو كانت نجسة ما أقرَّهم على إراقتها في الطُّرقات حتَّى تجري. والجوابُ أنَّ القصد بالإراقة كان لإشاعة تحريمها، فإذا اشتهرَ ذلك كان أبلغ، فيحتمل أخفَّ المفسدتين؛ لحصول المصلحة العظيمةِ الحاصلة من الاشتهار.
ويحتمل أنَّها إنَّما أُريقت في الطُّرق المنحدرة بحيثُ ينصب إلى الحشوس والأدوية، فيستهلك فيها، ويؤيِّده ما أخرجه ابن مَرْدويه من حديث جابر رضي الله عنه بسندٍ جيِّدٍ في قصَّة صبِّ الخمر قال فانصبت حتَّى استنقعت في بطن الوادي، والتَّمسُّك بعموم الأمر باجتنابها كافٍ في القول بنجاستها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( من فضيخ ) )، وقد عرفت ما هو المراد منه. وقد أخرجه البُخاري في «خبر الواحد» أيضًا [خ¦7253] ، وأخرجه مسلم في «الأشربة» .