5586 - 5587 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف رضي الله عنه (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِتْعِ، وَهْوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ) ومثله لأبي داود من طريق الزُّبيدي عن الزُّهري. وظاهره أنَّ التَّفسير من كلام عائشة رضي الله عنها، ويحتمل أن يكون مِن كلام مَنْ دونها. ووقع في رواية مَعمر عن الزُّهري عند أحمد مثل رواية مالك، لكن قال في آخره والبِتْعُ نبيذُ العسل، وهو أظهرُ في احتمال الإدراج؛ لأنَّه أكثر ما يقعُ في آخر الحديث، وقد أخرجه مسلم من طريق مَعمر، لكن لم يسق لفظه.
وفي رواية أبي داود التَّصريح بأنَّ تفسير البِتْع مرفوع، ولفظه سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب من العسل، قال (( ذاك البِتْع ) )
ج 24 ص 93
قلت ومن الشَّعير والذُّرة؟ قال (( ذلك المِزْر ) )ثمَّ قال (( أخبر قومك أنَّ كلَّ مُسكرٍ حرام ) )، وقد سأل أبو وهب الجيشانيُّ عن شيء ممَّا سأل عنه أبو موسى، فعند الشَّافعي وأبي داود من حديثه أنَّه سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن المِزْر، فأجاب بقوله (( كلُّ مُسكر حرام ) ). قال الحافظُ العسقلانيُّ تأييدًا لمذهبه وهذه الرِّواية تفسِّر المراد بقوله في حديث عائشة رضي الله عنها.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ) وأنَّه لم يُرِدْ تخصيص التَّحريم بحالة الإسكار، بل المراد أنَّه إذا كانت فيه صلاحيَّة الإسكار حرُم تناوله، ولو لم يُسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه، وفيه نظرٌ فإنَّ الظَّاهر أنَّ المراد منه الإسكار بالفعل، وقد تقدَّم مباحثه.
وقال أيضًا ويؤخذ من لفظ السُّؤال أنَّه وقع عن حكم جنسي البِتْع، لا عن القدر المُسكر منه؛ لأنَّه لو أراد ذلك لقال أخبرني عمَّا يحلُّ منه وما يحرمُ، وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجنس، قالوا هل هذا نافع أو ضار مثلًا، وإذا سألوا عن القدر، قالوا كم يؤخذ منه، وهذا أيضًا انتصار لمذهبه، فافهم.
وفي الحديث أنَّ المفتي يجيب السَّائل بزيادة عمَّا سألَ عنه إذا كان ذلك ممَّا يحتاج إليه السَّائل، وفيه تحريم كلِّ مسكر سواء كان متِّخذًا من العنب أو من غيره.
قال المازريُّ أجمعوا على أنَّ عصير العنب قبل أن يشتدَّ حلالٌ، وعلى أنَّه إذا اشتدَّ وغلا وقذف بالزَّبد حرم قليله وكثيره، ثمَّ لو حصل له تخلل بنفسه حلَّ بالإجماع أيضًا، فوقع [1] النَّظر في تبدُّل هذه الأحكام عند هذه التَّجددات، فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعضٍ، ودلَّ على أنَّ التَّحريم علَّته الإسكار، فاقتضى ذلك أنَّ كلَّ شرابٍ وجد فيه الإسكار حرم تناولُ قليله وكثيرهِ. انتهى.
وقال الحافظُ العسقلانيُّ تأييدًا لمذهبه أيضًا وما ذكره استنباطًا ثبت التَّصريح به في بعض طُرق الخبر؛ فعند أبي داود والنَّسائي وصحَّحه ابن حبَّان من حديث جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما أسكرَ كثيرهُ فقليلُه حرامٌ ) ).
ج 24 ص 94
وللنَّسائي من حديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مثله، وسنده إلى عَمرو صحيح.
ولأبي داود من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( كلُّ مسكرٍ حرامٌ، وما أسكر منه الفرق فملء الكفِّ منه حرام ) ). ولابن حبَّان والطَّحاوي من حديث عامر بن سعد بن أبي وقَّاص عن أبيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( أنهاكم عن قليلِ ما أسكر كثيره ) ). وقد اعترف الطَّحاوي بصحَّة هذه الأحاديث، لكن قال اختلفوا في تأويل الحديث فقال بعضهم أراد به جنس ما يُسكر، وقال بعضهم أراد به ما يقع السُّكر عنده، ويؤيِّده أنَّ القاتل لا يُسمَّى قاتلًا حتَّى يقتل، ويدلُّ له حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعه (( حُرِّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسُّكر من كلِّ شراب ) ). انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني وهو حديث أخرجه النَّسائي ورجاله ثقاتٌ، إلَّا أنَّه اختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفهِ، وعلى تقدير صحَّته فقد رجَّح الإمام أحمد وغيره أنَّ الرِّواية فيه بلفظ (( والمُسْكر ) )بضم الميم وسكون السين، لا السَّكَر _ بفتحتين _، وعلى تقدير ثبوتها فهو حديث فردٌ، ولفظه محتملٌ، فكيف يعارضُ عموم تلك الأحاديث مع صحَّتها وكثرتها، وجاء أيضًا عن عليٍّ رضي الله عنه عند الدَّارقطني، وعن ابن عُمر رضي الله عنهما عند أبي إسحاق والطَّبراني، وعن خوَّات بن جُبير عند الدَّارقطني والحاكم والطَّبراني، وعن زيد بن ثابت عند الطَّبراني، وفي إسنادها مقالٌ، لكنَّها تزيد الأحاديث قبلها قوَّة وشُهرة.
قال أبو المظفر ابن السَّمعاني _ وكان حنفيًا فتحوَّل شافعيًّا _ ثبتت الأخبار عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المُسكر، ثمَّ ساق كثيرًا منها، ثمَّ قال والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغَ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنَّها حجج قواطع. قال وقد زلَّ الكوفيُّون في هذا الباب فرووا أخبارًا معلولةً لا تعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظنَّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب مُسكرًا فقد دخل في أمرٍ عظيم، وباء بإثمٍ كبير، وإنَّما الذي شربه كان حلوًا، ولم يكن مُسكرًا.
وقد روى ثُمامة بن حزن القُشيري أنَّه سأل عائشة رضي الله عنها
ج 24 ص 95
عن النَّبيذ فدعت جارية حبشية فقالت سلْ هذه فإنَّها كانت تنبذُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الحبشيَّة كنت أنبذ له في سقاء من اللَّيل، وأوكيه وأعلقه، فإذا أصبح شربَ منه. أخرجه مسلم، وروى الحسن البصري عن أمَّه عن عائشة رضي الله عنها نحوه.
ثمَّ قال [2] فقياس النَّبيذ على الخمر بعلَّة الإسكار والإطراب من أجلى الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النَّبيذ، ومن ذلك أنَّ علَّة الإسكار في الخمر؛ لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النَّبيذ؛ لأنَّ السكر مطلوب على العموم، والنَّبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر؛ لأنَّ حصول الفرح والطَّرب موجود في كلِّ منهما، وإن كان في النَّبيذ غِلَظ وكُدرة، وفي الخمر رقَّة وصفاء، لكنَّ الطَّبع يحتمل ذلك في النَّبيذ؛ لحصول السُّكر كما يحتمل المرارة في الخمر لطلب السُّكر.
قال وعلى الجملة فالنُّصوص المصرِّحة بتحريم كلِّ مُسكر قلَّ أو كثر مغنية عن القياس.
وقد قال عبدُ الله بن المبارك لا يصحُّ في حلِّ النَّبيذ الذي يسكرُ كثيره عن الصَّحابة، ولا عن التَّابعين شيء، إلَّا عن إبراهيم النَّخعي. قال وقد ثبت حديث عائشة رضي الله عنها (( كلُّ شرابٍ أسكرَ فهو حرام ) )، وأمَّا ما أخرج ابنُ أبي شيبة من طريق أبي وائل كنَّا ندخل على ابن مسعود رضي الله عنه فيسقينا نبيذًا شديدًا، ومن طريق علقمة أكلتُ مع ابن مسعود رضي الله عنه فأتينا بنبيذٍ شديد نبذته سيرين، فشربوا منه، فالجوابُ عنه من ثلاثة أوجه
أحدها أنَّه لو حمل على ظاهره لم يكن معارضًا للأحاديث الثَّابتة في تحريم كلِّ مُسكر.
ثانيها أنَّه ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه تحريم المُسكر قليله وكثيره، فإذا اختلف النَّقل عنه كان قوله الموافق لقول إخوانه من الصَّحابة مع موافقة الحديث المرفوع أولى.
ثالثها يحتمل أن يكون المراد بالشِّدَّة شدَّة الحلاوة، أو شدَّة الحموضة، فلا يكون فيه حجَّة أصلًا.
وأسند أبو جعفر النَّحَّاس عن يحيى بن معين أنَّ حديث عائشة رضي الله عنها (( كلُّ شرابٍ أسكر فهو حرام ) )أصحُّ شيء في الباب،
ج 24 ص 96
وفي هذا تعقُّب على من نقلِ عن ابن معين، أنَّه قال لا أصل له.
وقد ذكر الزَّيلعي في «تخريج أحاديث الهداية» ، وهو من أكثرهم اطِّلاعًا أنَّه لم يثبتْ في شيءٍ من كتب الحديث نقل هذا عن ابن معين. انتهى.
وكيف يتأتَّى القول بتضعيفه مع وجود مخارجه الصَّحيحة، ثمَّ مع كثرة طرقه حتَّى قال الإمام أحمد إنَّها جاءت عن عشرين صحابيًا، وأورد الكثير منها في كتاب (( الأشربة ) )المفرد، فمنها ما تقدَّم، ومنها حديث ابن عُمر رضي الله عنهما المقدَّم ذكره في أوَّل الباب [خ¦5575] ، وحديث عُمر رضي الله عنه بلفظ (( كلُّ مُسكر حرام ) )عند أبي يَعلى، وفيه الإفريقيُّ، وحديث عليٍّ رضي الله عنه، بلفظ (( اجتنبوا ما أسكرَ ) )عند أحمد وهو حسنٌ، وحديثُ ابن مسعود رضي الله عنه عند ابن ماجه من طريق لينٍ بلفظ عُمر رضي الله عنه، وأخرجه أحمدُ من وجه آخر لين بلفظ علي رضي الله عنه، وحديث أنس رضي الله عنه أخرجه أحمد بسندٍ صحيحٍ بلفظ (( ما أسكرَ فهو حرامٌ ) )، وحديثُ أبي سعيد رضي الله عنه أخرجه البزَّار بسندٍ صحيحٍ بلفظ عُمر رضي الله عنه، وحديثُ الأشج العصريِّ أخرجه أبو يَعلى كذلك بسند جيدٍ، وصحَّحه ابن حبَّان، وحديثُ ديلم الحميري أخرجه أبو داود بسندٍ حسنٍ في حديث فيه قال هل يسكر؟ قال نعم، قال فاجتنبوه. وحديثُ ميمونة رضي الله عنها أخرجه أحمد بسندٍ حسنٍ بلفظ (( وكلُّ شراب أسكر فهو حرامٌ ) ). وحديثُ ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرجه أبو داود من طريق جيد بلفظ عُمر رضي الله عنه، والبزَّار من طريق لين بلفظ (( واجتنبوا كلَّ مُسكر ) ). وحديثُ قيس بن سعد رضي الله عنه أخرجه الطَّبراني بلفظ حديث ابن عُمر رضي الله عنهما. وأخرجه أحمدُ من وجه آخر بلفظ حديث عُمر رضي الله عنه. وحديثُ النَّعمان بن بشير رضي الله عنه أخرجه أبو داود بسندٍ حسنٍ. وحديثُ معاوية رضي الله عنه أخرجه ابن ماجه بسندٍ حسنٍ بلفظ عُمر رضي الله عنه. وحديثُ وائل بن حجر رضي الله عنه أخرجه ابن أبي عاصم. وحديثُ قرَّة بن إيَّاس المزَني أخرجه البزَّار بلفظ عمر رضي الله عنه بسند لين. وحديثُ عبد الله بن مُغفَّل رضي الله عنه
ج 24 ص 97
أخرجه أحمد بلفظ (( اجتنبوا المُسكر ) ). وحديثُ أمِّ سلمة رضي الله عنها أخرجه أبو داود بسند حسنٍ بلفظ (( نهى عن كلِّ مُسكر ومفتِّر ) )بالفاء. وحديثُ بُرَيدة رضي الله عنه أخرجه مسلم في أثناء حديث، ولفظه مثل لفظ عُمر رضي الله عنه. وحديثُ أبي هُريرة رضي الله عنه أخرجه النَّسائي بسند حسنٍ كذلك.
ذكر أحاديث هؤلاء التِّرمذي في الباب، وفي الباب غير ذلك، فإذا انضمَّت هذه الأحاديث إلى حديثُ ابن عُمر وأبي موسى وعائشة رضي الله عنهم زادت على ثلاثين صحابيًّا، وأكثر الأسانيد عنهم جياد، ومضمونها أنَّ المسكر لا يحلُّ تناوله، بل يجبُ اجتنابه.
وقد ردَّ أنس رضي الله عنه الاحتمال الذي جنحَ إليه الطَّحاوي فقال أحمد حدَّثنا عبد الله بن إدريس سمعتُ المختار بن فُلْفل يقول سألت أنسًا رضي الله عنه، فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزفَّت، وقال (( كلُّ مُسكر حرامٌ ) )قال فقلت له صدقت المُسكر حرام، فالشُّربة والشُّربتين على الطَّعام، فقال (( ما أسكر كثيره، فقليله حرامٌ ) ). وهذا سندٌ صحيحٌ على شرط مسلم، والصَّحابي أعرف بالمراد ممَّن تأخَّر بعده، ولهذا قال عبدُ الله بن المبارك ما قال.
هذا والحاصل أنَّ لكلِّ فرقة من الفرقتين آثارًا تدلُّ لمذهبه، وإنَّ كان لمن ذهب إلى تحريم المسكر قليله وكثيره كثرة آثار، إلَّا أنَّها تقبل التَّأويل، والله تعالى أعلم.
واستدلَّ بمطلق قوله (( كلُّ مُسكر حرامٌ ) )على تحريم ما يُسكر، ولو لم يكن شرابًا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. وقد جزمَ النَّووي وغيره بأنَّها مسكرة، وجزم آخرون بأنَّها مخدَّرة، وهو مكابرة؛ لأنَّها تحدثُ بالمشاهدة ما يحدثُ الخمر من الطَّرب، والنَّشأة والمداومة عليها، والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنَّها ليست بمسكرة؛ فقد ثبت في أبي داود النَّهي عن كلِّ مُسكرٍ ومفتِّرٍ.
قال الإمامُ القسطلاني وفي معنى شرب الخمر أكله بأن كان ثخينًا وأكله بخبزٍ، أو طبخ به لحمًا، وأكلَ مرقه، فخرجَ به أكل اللَّحم المطبوخ به؛ لذهابِ العين منه، وكذا الاحتقانُ والاستعاط.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد مضى في «الطَّهارة» أيضًا [خ¦242] .
ج 24 ص 98
(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب، وهو من رواية شعيب أيضًا عن الزُّهري، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ) بضم الدال وتشديد الموحدة وبالمد، وهي القرعةُ (وَلاَ فِي الْمُزَفَّتِ) بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المفتوحة، وهو الإناء المزَفَّت بالزِّفت، وهو شيءٌ كالقير (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) أي قال الزُّهري وكان أبو هُريرة رضي الله عنه (يُلْحِقُ) بضم الياء وكسر الحاء، من الإلحاق (مَعْهُمَا) أي مع الدُّبَّاء والمزَفَّت (الْحَنْتَمَ) بفتح الحاء وسكون النون وفتح المثناة الفوقية، وهي الجرَّة الخضراء (وَالنَّقِيرَ) بفتح النون وكسر القاف، وهو الخشبُ المنقور.
وقد أخرجه الطَّبراني في «مسند الشاميين» وأفرده عن أبي زُرعة الدِّمشقي عن أبي اليمان شيخ البُخاري به، وأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» عن الطَّبراني، ووقع ذلك عند شعيب عنه مرسلًا، وأخرجه مسلم والنَّسائي من طريق ابن عُيينة عن الزُّهري عن أبي سلمة عن أبي هُريرة رضي الله عنه بلفظ (( لا تَنْتَبِذُوا في الدُّبَّاء، ولا في المزَفَّت ) )ثمَّ يقول أبو هُريرة واجتنبوا الحناتم، ورفعه كله من طريق سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُريرة رضي الله عنه بلفظ (( نهى عن المزَفَّت والحَنْتَم والنَّقِير ) )، ومثله لابن سعد من طريق محمد بن عَمرو بن علاقة عن أبي سلمة عن أبي هُريرة رضي الله عنه وزاد فيه (( والدُّبَّاء ) ).
وأخرج مسلم من طريق زَاذَان قال سألت ابن عُمر رضي الله عنهما عن الأوعية، فقلت أَخْبِرْنَاهُ بلغتكم، وفسَّره لنا بلغتنا، فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحنتمةِ وهي الجرَّة، وعن الدُّبَّاء وهي القرعةُ، وعن النَّقير، وهي أصل النَّخلة ينقر نقرًا، وعن المزَفَّت وهو المقيَّر.
وأخرج أبو داود الطَّيالسي، وابن أبي عاصم، والطَّبراني من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال نهينا عن الدُّبَّاء والنَّقِير والحَنْتَم والمزَفَّت،
ج 24 ص 99
فأمَّا الدُّبَّاء فإنَّا معشر ثقيفٍ بالطَّائف كنَّا نأخذ الدُّبَّاء، فنخرطُ فيها عناقيدَ العنب، ثمَّ ندفنها، ثمَّ نتركها حتَّى تهدرَ، ثمَّ تموت.
وأمَّا النَّقِير فإنَّ أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النَّخلة، فيشدخون فيه الرَّطب والبُسر، ثمَّ يدعونه حتَّى تهدرَ، ثمَّ تموت. وأمَّا الحَنْتَم فجرار جاءت تحمل إلينا فيها الخمر، وأمَّا المُزَفَّت فهي هذه الأوعية التي فيها هذا الزِّفت.
وخصَّت هذه الظُّروف بالنَّهي؛ لأنَّها ظروف متينة، فإذا انتبذَ صاحبها كان على خطر منها؛ لأنَّ الشَّراب فيها قد يصيرُ مسكرًا، وهو لا يشعرُ بها، وسيأتي بيان نسخ النَّهي عن الأوعيَّة بعد ثلاثة أبواب إن شاء الله تعالى [خ¦5592 قبل] ، وقد تقدَّم ضبط هذه الأشياء في شرح حديث وفد عبدِ القيس في أوائل «الصحيح» في كتاب «الإيمان» [خ¦53] .
[1] في هامش الأصل في نسخة فبقي.
[2] في هامش الأصل أي ابن السمعاني.