فهرس الكتاب

الصفحة 8309 من 11127

5588 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بالجيم، اسمه عبدُ الله بن أيُّوب أبو الوليد الحنفي الهروي، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيد القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية وبالنون، واسمه يحيى بنُ سعيد (التَّيْمِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل في رواية ابن عُليَّة (( عن أبي حيَّان حدَّثنا الشَّعبي ) ). أخرجه النَّسائي (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية ابن إدريس عن أبي حيَّان بسنده (( سمعت عمر يخطبُ ) )وقد تقدَّمت في «التَّفسير» ، وزاد فيه (( أيُّها النَّاس ) ) [خ¦4619] .

(فَقَالَ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ) زاد مسدد عن القطَّان فيه (( أمَّا بعد ) )، وقد تقدَّمت في أوَّل «الأشربة» [خ¦5581] ، وعند البيهقي من وجه آخر عن مسدَّد (( فحمد الله وأثنى عليه ) ) (وَهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ) الجملة حالية؛ أي نزل تحريمُ الخمر حال كونها تصنعُ من خمسة أشياء، ويجوز أن تكون استئنافيَّة أو معطوفة

ج 24 ص 100

على ما قبلها.

والمراد أنَّ الخمر تصنعُ من هذه الأشياء، لا أنَّ ذلك يختصُّ بوقت نزولها، والأوَّل أظهر؛ لأنَّه وقع في رواية مسلم بلفظ (( ألا وإنَّ الخمرَ نزل تحريمها يوم نزلَ، وهي من خمسة أشياء ) )فلا يقتضِي الحصر، ولا ينافي إطلاق الخمر على نبيذِ الذُرة والأرز وغيرهما. نعم، وقع في آخر الباب من وجه آخر «الخمر يصنع من خمسة» [خ¦5589] .

(الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ) وقال الخطَّابي إنَّما عد عُمر رضي الله عنه هذه الأنواع الخمسة؛ لاشتهار أسمائها في زمانه، ولم يكن يوجد بالمدينة الوجود العام، فإنَّ الحنطة كانت عزيزة والعسل مثلها، أو أعز، فعدَّ عمر رضي الله عنه ما عرف منها، وجعل ما في معناها من الأرز وغيره خمرًا بمثابتها إن كان ممَّا يخامرُ العقل، ويسكرُ كإسكارها.

وهذا الحديث أورده أصحاب «المسانيد» والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأنَّ له عندهم حكم الرَّفع؛ لأنَّه خبر صحابي شهد التَّنزيل أخبر عن سبب نزوله، وقد خطبَ به عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة كبار الصَّحابة وغيرهم، فلم ينقلْ عن أحدٍ منهم إنكاره، وأراد عُمر رضي الله عنه بنزول تحريم الخمر الآية المذكورة في أوَّل «كتاب الأشربة» ، وهي آية المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة 90] إلى آخرها [خ¦5575 قبل] .

فأراد عُمر رضي الله عنه التَّنبيه على أنَّ المراد بالخمر في هذه الآية ليست خاصًا بالمتَّخذ من العنب، بل يتناولُ المتخذ من غيرها، ويوافقه حديثُ أنس رضي الله عنه الماضي [خ¦5584] ، فإنَّه يدلُّ على أنَّ الصَّحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كلُّ مُسكر، سواء كان من العنب، أو من غيرها.

وتعقَّبه العيني فقال نعم يتناولُ غير المتخذ من العنب من حيثُ التَّشبيه، لا من حيثُ الحقيقة، وقد جاء هذا الذي قاله عُمر رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم صريحًا، فأخرج أصحاب «السنن الأربعة» ، وصحَّحه ابن حبَّان من وجهين عن الشَّعبي أنَّ النُّعمان بن بشير رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ الخمرَ من العصير والزَّبيب والتَّمر والحِنْطة والشَّعير والذُّرة، وإنِّي أنهاكم عن كلِّ مُسكر ) )، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبَّان، وزاد فيه أنَّ النُّعمان خطب النَّاس بالكوفة.

ولأبي داود من وجه آخر

ج 24 ص 101

عن الشَّعبي عن النُّعمان بلفظ (( إنَّ من العنب خمرًا، وإنَّ من التَّمر خمرًا، وإنَّ من العسل خمرًا، وإنَّ من البُرِّ خمرًا، وإنَّ من الشَّعير خمرًا ) )، ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب «السنن» والتي قبلها فيها الزَّبيب دون العسل، ولأحمد من حديث أنس رضي الله عنه بسندٍ صحيحٍ عنه قال (( الخمرُ من العنب والتَّمر والعسل والحِنْطة والشَّعير والذُّرة ) ). وأخرجه أبو يَعلى من هذا الوجه بلفظ (( حرِّمت الخمرُ يوم حرِّمت وهي ... ) )، فذكرها، وزاد (( الذُّرة ) ). وأخرج الخلعي في «فوائده» من طريق خلاد بن السَّائب عن أبيه رفعه مثل الرِّواية الثَّانية، لكن ذكر الزَّبيب بدل الشَّعير، وسندُه لا بأس به، ويوافق ذلك ما تقدَّم في «التَّفسير» من حديث ابن عُمر رضي الله عنهما [خ¦4616] نزلَ تحريم الخمر، وإنَّ بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب، والذُّرة _ بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء _ من الحبوب معروف، وقد تقدَّم ذكرها في حديث أبي موسى في الباب قبله [خ¦5585] .

(وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ) أي الخمر الذي حرَّمه الشَّارع، هو ما غطَّى العقل وسترهُ وخالطَه، ولم يتركه على حاله، وهو من مجاز التَّشبيه، والعقل آلة التَّمييز، فلذلك حُرِّم ما غطَّاه أو غيره؛ لأنَّ بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده؛ ليقوموا بحقوقه.

وقال الكرمانيُّ فيه دليلٌ على إحداث الاسم بالقياس، وأخذه من طريق الاشتقاق أخذه من كلام الخطابيُّ. وقال العينيُّ هذا الباب فيه خلاف، وسيأتي ما يتعلَّق به.

وقال الحافظُ العسقلانيُّ قيل هذا تعريف بحسب اللُّغة، وأمَّا بحسب العرف فهو ما يخامر العقل من عصيرِ العنب خاصَّة. وفيه نظر؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه ليس في مقام تعريف اللُّغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشَّرعي، فكأنَّه قال الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشَّرع هو ما خامرَ العقل على أنَّ عند أهل اللُّغة اختلافًا في ذلك، ولو سلَّم أنَّ الخمر في اللُّغة يختصُّ بالمتَّخذ من العِنب، فالاعتبار بالحقيقة الشَّرعيَّة.

وقد تواردت الأحاديث على أنَّ المُسكر المتَّخذ من غير العِنب يُسمَّى خمرًا، والحقيقة الشَّرعيَّة مقدَّمة على اللُّغوية. وقد ثبتَ في «صحيح مسلم» عن أبي هُريرة رضي الله عنه سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الخمرُ من هاتين الشَّجرتين النَّخلة والعنبة ) ).

قال البيهقيُّ ليس المراد الحصر فيهما؛ لأنَّه ثبتَ أنَّ الخمر يتَّخذ من غيرهما في حديث عمر رضي الله عنه وغيره،

ج 24 ص 102

وإنَّما فيه الإشارة إلى أنَّ الخمرَ شرعًا لا يختصُّ بالمتخذ من العِنب. وجعل الطَّحاوي هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هُريرة رضي الله عنه في أنَّ الخمر من شيئين مع حديث عمر رضي الله عنه، ومن وافقَه أنَّ الخمر يتَّخذ من غيرهما أيضًا. وكذا حديث ابن عُمر رضي الله عنهما (( لقد حرِّمت الخمرُ وما بالمدينة منها شيءٌ ) ) [خ¦5579] . وحديث أنس رضي الله عنه يعني المتقدِّم ذكره وبيان اختلاف ألفاظه منها (( أنَّ الخمرَ حرِّمت وشرابهم الفضيخُ ) )، وفي لفظ له (( وإنَّا نعدُّها يومئذٍ خمرًا ) ) [خ¦5600] ، وفي لفظ له (( أنَّ الخمرَ يوم حرِّمت البُسر والتَّمر ) ) [خ¦5580] .

قال فلمَّا اختلف الصَّحابة رضي الله عنهم في ذلك ووجدنا اتِّفاق الأمَّة على أنَّ عصير العنب إذا اشتدَّ وغلا وقذف بالزَّبد فهو خمرٌ، وأنَّ مستحلُّه كافرٌ دلَّ على أنَّهم لم يعملوا بحديث أبي هُريرة رضي الله عنه، إذ لو عملوا به؛ لكفَّروا مستحلَّ نبيذ التَّمر أيضًا، فثبتَ أنَّه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب. انتهى.

وتعقَّبه الحافظُ العسقلاني بأنَّه لا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل نبيذ التَّمر أن يمنعوا تسميته خمرًا فقد يشترك الشَّيئان في التَّسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف مع أنَّه هو يوافق على أنَّ حكم المُسكر من نبيذ التَّمر حكم قليل العنب في التَّحريم، فلم يبقَ المشاحة، إلَّا في التَّسمية. والجمع بين حديث أبي هريرة رضي الله عنه على الغالب؛ أي أكثر ما يتَّخذ الخمر من العنب والتَّمر.

ويُحمل حديث عمر رضي الله عنه ومن وافقه على إرادة استيعاب ذكر ما عُهِد حينئذٍ أنَّه يتَّخذ منه الخمر. وأمَّا قول ابن عمر رضي الله عنهما فعلى إرادةِ تبيين أنَّ الخمر يُطلق على ما لا يتَّخذ من العنب؛ لأنَّ نزولَ تحريم الخمر لم يصادفْ غير من خوطب بالتَّحريم يومئذٍ، إلَّا ما يتَّخذ من غير العنب، أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلَّة، فإنَّ تلك القلَّة بالنِّسبة لكثرة المتخذ ممَّا عداها كالعدم.

وقد قال الرَّاغب في «مفردات القرآن» سُمِّي الخمر؛ لكونه خامرًا للعقل؛ أي ساترًا له، وهو عند بعض النَّاس اسم لكلُّ مسكرٍ، وعند بعضهم للمتخذِ من العِنب خاصَّة،

ج 24 ص 103

وعند بعضهم للمتَّخذ من العِنب والتَّمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجَّح أنَّ كلَّ شيءٍ يستر العقل يسمَّى خمرًا حقيقةً. وكذا قال أبو نصر ابن القشيري في «تفسيره» سُمِّيت الخمر خمرًا لسترها العقل، أو لاختمارها، وكذا قال غيرُ واحد من أهل اللُّغة منهم أبو حنيفة الدِّينوري، وأبو نصر الجوهريُّ.

ونُقِل عن ابن الأعرابي قال سُمِّيت الخمر؛ لأنَّها تركت حتَّى اختمرتْ، واختمارها تغير رائحتها، ويُقال سمِّيت بذلك؛ لمخامرتها العقل. نعم، جزم ابنُ سِيْده في «المحكم» بأنَّ الخمر حقيقة إنَّما هي للعِنب وغيرها من المُسكرات يسمَّى خمرًا مجازًا.

وقال صاحب «الفائق» في حديث (( إيَّاكم والغبيراء فإنَّها خمر العالم ) )هي نبيذُ الحبشة يتَّخذ من الذُّرة، سُمِّيت الغبيراء؛ لما فيها من الغبرة، وقوله «خمر العالم» ؛ أي هي مثل خمر العالَم لا فرق بينها وبينها.

(وَثَلاَثٌ) أي ثلاث مسائل أو قضايا. وقال الحافظُ العسقلانيُّ هي صفةُ موصوف؛ أي أمور أو أحكام ثلاث (وَدِدْتُ) أي تمنَّيت، وإنَّما تمنَّى ذلك؛ لأنَّه أبعد من محذور الاجتهاد، وهو الخطأُ فيه على تقدير وقوعهِ، ولو كان مأجورًا عليه فإنَّه يفوتُ بذلك الأجر الثَّاني، والعمل بالنَّص إصابة محضة.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا) أي يبيِّن لنا، وفي رواية مسلم (( عهدًا ننتهي إليه ) ). وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن عنده عن النَّبي صلى الله عليه وسلم نصٌّ فيها، ويشعر بأنَّه كان عنده عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الخمر ما لم يحتجَّ به إلى شيءٍ غيره حتَّى خطبَ بذلك جازمًا به (الْجَدُّ) أي الأولى من الثَّلاث مسألة الجد في أنَّه يحجب الأخ، أو ينحجبُ به، أو يقاسمه، وفي قدرِ ما يرثه؛ لأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، فروي عن أبي عبيدة، أنَّه قال حفظت عن عُمر رضي الله عنه في الجدِّ سبعين قضية كلُّها يُخالفُ بعضها بعضًا.

وعن عُمر رضي الله عنه [1] أنَّه جمع الصَّحابة ليجتمعوا في الجدِّ على قول، فسقطت حيَّة من السَّقف فتفرَّقوا، فقال عُمر رضي الله عنه

ج 24 ص 104

أبى الله إلَّا أن يختلفوا في الجدِّ.

وقال عليٌّ رضي الله عنه من أراد أن يفتحَ جراثيم جهنَّم فليقض في الجدِّ، يريد أصولها، والجراثيم جمع جُرثومة، وهي الأصلُ، وقال أبو بكر وابن الزُّبير وابن عبَّاس وعائشة وأبو مُوسى رضي الله عنهم هو يحجبُ الأخوة، وبه قال أبو حنيفة. وقال زيد هو كأحد الأخوة ما لم تنقصُه المقاسمة، فإذا أنقصته أعطي الثُّلث، وقسموا للأخوة ما بقيَ، وبه قال مالك وأبو يوسف والشَّافعي، ورُوِي عن علي رضي الله عنه، هو أخ معهم ما لم تنقص المقاسمة من السُّدس.

(وَالْكَلاَلَةُ) أي الثَّانية من الثَّلاث مسألة الكَلاَلَة، وهي بفتح الكاف وتخفيف اللام، من لا ولد له ولا والد، قاله أبو بكر وعمر وعلي وزيد وابن مسعود رضي الله عنهم، والمدنيُّون والبصريُّون. ويروى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما هو من لا ولد له، وإن كان له والد.

وقال أمين الدِّين في «شرحه للسراجية» الكَلالَة تنطلقُ على ثلاثة؛ على من لم يُخلِّف ولدًا ولا والدًا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلَّفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد.

قال وهي في الأصل مصدر بمعنى الكَلال، وهو ذهابُ القوَّة من الإعياء، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد؛ لأنَّها بالإضافة إلى قرابتهما ضعيفة، وإذا جعل صفة للمورث أو الوارث يكون معناه ذا كلالة، كما يُقال فلان من قرابتي؛ أي ذي قرابتي.

(وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا) أي الثَّالثة من الثَّلاث أبواب من أبواب الرِّبا، وأبواب الرِّبا كثيرة غير محصورة، حتَّى قال بعضُهم لا ربا إلَّا في النَّسيئة، فإنَّه متَّفق عليه بين الصَّحابة رضي الله عنهم، وإنَّما الكلام في ربا الفضل، وقول عُمر رضي الله عنه، وأبواب تدلُّ على أنَّه كان عنده نصَّ في بعض أبوابه دون بعض، ولهذا تمنَّى معرفة البعض.

(قَالَ) أي أبو حيَّان التَّيمي (قُلْتُ يَا بَا عَمْرٍو) وأصله يا أبا عَمرو، حذفت الألف للتَّخفيف، وهو كنية الشَّعبي (فَشَيْءٌ) مبتدأ تخصَّص بالصِّفة، وهي قوله (يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ) وخبره محذوفٌ تقديره ما حكمه، والسِّنْد _ بكسر السين المهملة وسكون النون وبالدال المهملة _، وهي بلادٌ بالقرب من الهند (مِنَ الرُّزِّ) ويروى . قال الجوهريُّ الأرز فيه ستَّ لغات أرز وأرز تتبع الضَّمة الضَّمة، وأَرُز وأُرُز مثل رُسْل ورُسُل، ورز ورنز، وهي لعبد القيس.

ج 24 ص 105

قال العينيُّ وفيه لغة سابعة أَرز _ بفتح الهمزة وتخفيف الزاي _ كعضد، وزاد الإسماعيلي يُقال له الشَّاذبة يُدعى الجاهلُ فيشرب منها الشُّربة فتصرعه.

قال الحافظُ العسقلانيُّ وهذا الاسم لم يذكره صاحب «النهاية» لا في السين المهملة، ولا في الشين المعجمة، ولا رأيته في «صحاح الجوهري» ، وما عرفت ضبطه إلى الآن، ولعلَّه فارسيٌّ، فإن كان عربيًّا فلعلَّه الشَّاذبة _ بشين وذال معجمتين ثمَّ موحدة _. قال في «الصحاح» الشَّاذب المتنحِّي عن وطنه، فلعلَّ الشَّاذبة تأنيثه، وسمِّيت الخمر بذلك؛ لكونها إذا خالطتِ العقل تنحَّت به عن وطنه.

(وقَالَ) ويروى أي الشَّعبي (ذَاكَ) أي الَّذي يصنع من الرُّز (لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي لم يكن موجودًا في المدينة، أو معروفًا على زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية الإسماعيلي لم يكن هذا على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان لنهى عنه. ألا ترى أنَّه قد عم الأشربة كلها فقال (( الخمرُ ما خامر العقل ) ). قال الإسماعيليُّ هذا الكلام الأخير فيه دلالةٌ على أنَّ قوله (( الخمر ما خامرَ العقل ) )من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم.

قال الخطابيُّ وفيه دليلٌ على جواز إحداث الاسم بالقياس، وأخذه من الاشتقاق، وردَّ ذلك ابن العربيُّ في جواب مَنْ زعم أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( كلُّ مُسكر خمرٌ ) )معناه مثل الخمر؛ لأنَّ حذفَ مثل ذلك مسموع شائع. قال بل الأصل عدم التَّقدير، ولا يصار إلى التَّقدير إلَّا للحاجة. فإن قيل احتجنا إليه؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يُبعَث لبيان الأسماء. قلنا بل بيان الأسماء من جملة الأحكام لمن لا يعلمها، ولاسيَّما ليقطع تعلَّق القصد بها.

قال وأيضًا لو لم يكن الفضيخ خمرًا، ونادى المنادي (( حرِّمت الخمر ) )لم يبادروا إلى إراقتها لو لم يفهموا أنَّها داخلة في مسمَّى الخمر، وهم الفُصَّح اللُّسْنُ.

فإن قيل هذا إثبات اسم بقياس. قلنا إنَّما هو إثبات اللُّغة عن أهلها، فإنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم عرب فهموا من الشَّرع ما فهموه من اللُّغة، ومن اللُّغة ما فهموه من الشَّرع،

ج 24 ص 106

فافهم.

وذكر ابن حزم أنَّ بعض الكوفيِّين احتجَّ بما أخرجه عبد الرَّزاق عن ابن عُمر رضي الله عنهما بسند جيدٍ، قال (( أمَّا الخمر فحرام لا سبيل إليها، وأمَّا ما عداها من الأشربة فكلُّ مُسكر حرامٌ ) ).

قال وجوابه أنَّه ثبت عن ابن عُمر رضي الله عنهما، أنَّه قال (( كلُّ مُسكر خمرٌ ) )فلا يلزم من تسمية المتخذ من العنب خمرًا انحصار اسم الخمر فيه.

وكذا احتجُّوا بحديث ابن عُمر رضي الله عنهما أيضًا (( حرِّمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء ) )مراده المتَّخذ من العِنب، ولم يُرِد أنَّ غيرها لا يسمَّى خمرًا بدليل حديثه الآخر (( نزل تحريم الخمر، وإنَّ بالمدينة خمسة أشربة كلها تُدعى الخمر ما فيها خمر العنب ) ).

(أَوْ قَالَ) شكَّ من الرَّاوي (عَلَى عَهْدِ عُمَرَ) رضي الله عنه.

وفي الحديث من الفوائد ذكر الأحكام على المنبر ليشتهر بين السَّامعين، وذكر أمَّا بعد فيها، والتَّنبيه بالنِّداء، والتَّنبيه على شرف العقل وفضله، وتمنِّي الخير، وتمنِّي البيان للأحكام، وعدم الاشتباه.

(وَقَالَ حَجَّاجُ) هو ابنُ منهال شيخ البُخاري، وذكره عنه مذاكرة (عَنْ حَمَّادٍ) هو ابنُ سلمة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) المذكور في الحديث (مَكَانَ الْعِنَبِ الزَّبِيبَ) يعني أنَّه روى الحديث عن أبي حيَّان بهذا السَّند والمتن، فذكر الزَّبيب بدل العنب. وقد وصله علي بن عبد العزيز البغوي في «مسنده» عن حجَّاج بن منهالٍ كذلك، وليس فيه سؤال أبي حيَّان الأخير، وجواب الشَّعبي.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( والخمرُ ما خامر العقلُ ) )، وقد مضى في «تفسير سورة المائدة» [خ¦4619] ، وأخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦7337] ، وأخرجه بقية الجماعة غير ابن ماجه.

[1] في هامش الأصل غريبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت