فهرس الكتاب

الصفحة 8317 من 11127

- (حَدَّثَنَا) ويروى بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو الجعفي البُخاري المعروف بالمسنَدي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (بِهَذَا) أي بالحديث السَّابق (وَقَالَ) أي سفيان في روايته (نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الأَوْعِيَةِ) أي عن الانتباذ في الأوعية.

أراد بهذا أنَّ قول جابر رضي الله عنه في الحديث الذي ذكر من رواية يوسف بن موسى عن محمد بن عبد الله عن سفيان عن منصور عن سالم عن جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظُّروف [خ¦5592] . وفي رواية عبد الله بن محمد عن سفيان عن منصور عن سالم عن جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأوعية، قال قالت الأنصار إنَّه لا بدَّ لنا، قال (( فلا إذًا ) )، وهذه رواية أبي داود في «سننه» ، أخرجه عن مسدَّد عن يحيى عن سفيان إلى آخره مثل ما ذكر، وهذا وقع في بعض النُّسخ في آخر الباب.

5593 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر (عَنْ أَبِي عِيَاضٍ) بكسر العين المهملة وتخفيف التحتانية وبعد الألف ضاد معجمة، واسمه عَمرو بن الأسود، وقيل قيس بن ثعلبة. وبذلك جزم أبو نصر الكلاباذي في «رجال البخاري» وكأنَّه تبع ما نقله البُخاري عن علي بن المديني. وقال النَّسائي في «الكنى» أبو عياض عَمرو بن الأسود العنسي _ بالنون _، ثمَّ ساق من طريق شرحبيل بن مسلم عن عَمرو بن الأسود الحمصي أبي عياض، ثمَّ روى عن معاوية بن صالح عن يحيى بن معين قال عَمرو بن الأسود العنسي يكنى أبا عياض. ومن طريق البُخاري قال لي علي _ يعني ابن المديني _ إن لم يكن اسم أبي عياض قيس بن ثعلبة فلا أدري، قال البُخاري

ج 24 ص 130

وقال غيره عَمرو بن الأسود. قال النَّسائي ويُقال كنية عَمرو بن الأسود أبو عبد الرَّحمن.

وأورد الحاكمُ أبو أحمد في «الكنى» محصَّل ما أورده النَّسائي إلَّا قول يحيى بن معين، وذكر أنَّه سمع عمر ومعاوية رضي الله عنهما، وأنَّه روى عنه مجاهد وخالد بن معدان وأرطاة بن المنذر وغيرهم، وذكر في رواية شرحبيل بن مسلم عن عَمرو بن الأسود أنَّه مرَّ على مجلس فسلَّم، فقالوا لو جلست إلينا يا أبا عياض. ومن طريق موسى بن أبي كثير عن مجاهد حدَّثنا أبو عياض في خلافة معاوية رضي الله عنه، وروى أحمد في «الزهد» أنَّ عُمر أثنى على أبي عياض، وذكره أبو موسى في «ذيل الصحابة» ، وعزاه لابن أبي عاصم.

قال الحافظُ العسقلانيُّ وأظنُّه ذكره لإدراكه، لكن لم يثبتْ له صحبة، وقال ابنُ سعد كان ثقةً قليلَ الحديث، وقال الذَّهبي في «تجريد الصحابة» عَمرو بن الأسود العنسي أدرك الجاهليَّة. وروى عن عُمر رضي الله عنه سكن داريا، ويُقال له عُمِّير، وقد عمر دهرًا طويلًا، ثمَّ قال عَمرو بن الأسود، ذكره بعضهم في الصحابة، ولعلَّه الذي قبله. وقال ابنُ عبد البر أجمعوا على أنَّه كان من العُلماء الثِّقات.

وقال الحافظُ العسقلاني وإذا تقرَّر ذلك فالرَّاجح في أبي عياض أنَّ الذي يروي عنه مجاهد هو عمرو بن الأسود وأنَّه شامي، وأمَّا قيس بن ثعلبة فهو أبو عياض آخر، وهو كوفي. ذكره ابن حبَّان في ثقات التابعين وقال إنَّه يروي عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم، روى عنه أهل الكوفة. وقال الحافظُ العسقلاني وإنَّما بسطت ترجمته؛ لأنَّ المزي لم يستوعبها، وخلط ترجمته بترجمة، وأنَّه صَغَّر اسمه، فقال عمير بن الأسود الشَّامي العنسي، صاحب عُبادة بن الصَّامت.

والذي يظهرُ لي أنَّه غيره، فإن كان كذلك فما له في البُخاري سوى هذا الحديث، وإن كان كما قال المزي، فإن له عند البُخاري حديثًا تقدَّم ذكره في الجهاد من رواية خالد بن معدان عن عمير بن الأسود عن أمِّ حرام

ج 24 ص 131

بنت ملحان، وكان عمدته في ذلك أنَّ خالد بن معدان روى عن عَمرو بن الأسود أيضًا.

وقد فرَّق ابن حبَّان في «الثقات» بين عُمير بن الأسود الذي يكنى أبا عياض، وبين عمير بن الأسود الذي يروي عن عبادة بن الصَّامت، وقال في كلٍّ منهما عُمير بالتَّصغير، فإن كان ضبطه فلعلَّ أبا عياض كان يُقال له عَمرو وعمير، ولكنَّه آخر غير صاحب عبادة رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين؛ أي ابن العاص رضي الله عنهما، هكذا هو في جميع نسخ البُخاري، ووقع في بعض نسخ مسلم (( عبد الله بن عمر ) )بضم العين، وهو تصحيف، نبه عليه أبو علي الجياني (قَالَ) أي إنَّه قال (لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الأَسْقِيَةِ) أي عن الانتباذ في الأسقية، كذا وقع في هذه الرِّواية، وقد تفطَّن البُخاري لما فيها فقال في بعض الرِّواية بعد سياق هذا الحديث حدَّثني عبد الله بن محمد حدَّثنا سفيان بهذا وقال (( عن الأوعية ) ).

وهذه هي رواية غير أبي ذرٍّ وابن عساكر، وهي الأليق؛ لما فيه من الإشارة إلى ترجيح الأوعية، وهو الذي ذكره أكثره أصحاب ابن عُيينة كأحمد والحميدي في «مسنديهما» ، وأبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر عند مسلم، وأحمد بن عبدة عند الإسماعيلي.

وقال الكرمانيُّ السِّياق يقتضي أن يُقال «إلَّا عن الأسقية» بزيادة (( إلَّا ) )على سبيل الاستثناء؛ أي نهى عن الانتباذ إلَّا عن الانتباذ في الأسقية. ثمَّ قال يحتمل أن يكون معناه لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الأنبذةِ عن الجرار بسبب الأسقية، ومن جهتها كقوله يرمون عن أكل وعن شرب؛ أي يسمنون بسبب الأكل والشُّرب، ويتباهون في السِّمن به.

وقال الزَّمخشري مثله في قوله تعالى {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} [البقرة 36] أي بسببها.

وقال الحُميدي ولعلَّه نقص منه عند الرِّواية، وكأنَّ أصله نهى عن النَّبيذ إلَّا في الأسقية، وكذا في رواية عبد الله بن محمد عن الأوعية. انتهى.

وقال القاضي عياض ذكر الأسقية وهم من الرَّاوي، وإنَّما هو «عن الأوعية» ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم

ج 24 ص 132

لم ينهَ قط عن الأسقية، وإنَّما نهى عن الظُّروف، وأباح الانتباذَ في الأسقية، فقيل له ليس كل النَّاس يجدُ سقاء، فاستثنى ما يسكر.

وكذا قال لوفد عبد القيس لما نهاهُم عن الانتباذ في الدُّباء وغيرها قالوا ففيم نشرب؟ قال (( في أسقية الأُدُم ) ). قال ويحتمل أن تكون الرِّواية في الأصل كانت لما نهى عن النَّبيذ إلَّا في الأسقية، فسقط من الرِّواية شيء. انتهى. وقد سبقه إلى هذا الحُميدي كما سبق.

وقال ابن التِّين معناه لما نهى عن الظُّروف إلَّا الأسقية، وهو عجيبٌ، والَّذي قاله الحميدي أقرب، وإلَّا فحذف أداة الاستثناء مع المستثنى منه، وإثبات المستثنى غيرُ جائز، إلَّا إن ادَّعى ما قال الحميدي إنَّه سقط عن الرَّاوي.

قال الحافظُ العسقلانيُّ ويظهر لي أن لا غلط ولا سقط، وإطلاق السِّقاء على كلِّ ما يستقى منه جائز، فقوله «نهى عن الأسقية» بمعنى «عن الأوعية» ؛ لأنَّ المراد بالأوعية الأوعية التي يستقى منها، واختصاص اسم الأسقية بما يتَّخذ من الأدم إنَّما هو بالعرف.

قال ابن السِّكيت السَّقاء يكون للبن والماء، والوَطْب للبن خاصَّة، والنِّحْي للسَّمن، والقِرْبة للماء، وإلَّا فمن يجيزُ القياس في اللُّغة لا يمنع ما صنع سفيان، فكأنَّه كان يرى استواء اللَّفظين أعني الأوعية والأسقية، فحدَّث بأحدهما مرَّة، وبالآخر أخرى، ومن ثمَّة لم يعدَّها البُخاري وهمًا، فافهم.

والفرقُ بين الأسقية من الأدم وبين غيرها أنَّ الأسقية يتخلَّلها الهواء من مسامها، فلا يسرعُ إليها الفساد مثل ما يسرعُ إلى غيرها من الجرار ونحوها ممَّا نهيَ عن الانتباذ فيه، وأيضًا فالسِّقاء إذا نُبِذَ فيه ثمَّ رُبط أمنت مفسدةُ الإسكار بما يُشرب منه؛ لأنَّه متى تغيَّر وصار مسكرًا شقَّ الجلدَ، فما لم يشقُّه فهو غيرُ مسكر، بخلاف الأوعية؛ لأنَّها قد يصير النَّبيذ فيها مسكرًا ولم يعلم به.

(قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً) وفي رواية زياد بن فياض عن أبي عياض أنَّ قائل ذلك أعرابي (فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ) وفي رواية ابن أبي عمر (( فأرخص ) )وهي لغة يقال أرخصَ ورخَّص، وفي رواية ابن أبي شيبة (( فأذن لهم في شيءٍ منه ) ).

والجَرُّ

ج 24 ص 133

_ بفتح الجيم وتشديد الراء _ هو جمع جرَّة، وهي الإناءُ المعمول من الفخَّار، وإنَّما قال غير المزفت؛ لأنَّ المزفت أسرع في الشِّدَّة والتَّخمير، والمزفَّت المطلي بالزِّفت.

وفي الحديث دَلالةٌ على أنَّ الرُّخصة لم تقعْ دفعة واحدةً، بل وقع النَّهي عن الانتباذ إلَّا في سقاء، فلمَّا شكوا أرخص لهم في بعضِ الأوعية دون بعض، ثمَّ وقعت الرُّخصة بعد ذلك عامَّة، لكن يفتقر من قال إنَّ الرُّخصة وقعتْ بعد ذلك إلى أن يثبتَ أنَّ حديث بُريدة الدال على ذلك كان متأخِّرًا عن حديث عبد الله بن عَمرو هذا.

ولكن حديث بُريدة ظاهر في تعميم الإذن بقيد أن لا تشربوا المسكر، فكأنَّ الأمن حصل بالإشارة إلى ترك الشُّرب من الوعاء ابتداء حتَّى يختبرَ حالها هل تغير أو لا، فإنَّه لا يتعين الاختبار بالشرب، بل يقعُ بغير الشُّرب مثل أن يصيرَ شديد الغليان، أو يقذفَ بالزبد ونحو ذلك.

وأمَّا الرُّخصة في بعضِ الأوعية دون بعض فمن جهة المحافظة على صيانةِ المال؛ لثبوت النَّهي عن إضاعته؛ لأنَّ التي نهى عنها يُسرع التَّغير إلى ما يُنبذ فيها، بخلاف ما أذن فيه، فإنَّه لا يُسرع إليه التَّغير، وقد سبق ما يتعلَّق بذلك أيضًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فرخَّص لهم ) ). وقد أخرجهُ مسلمٌ في «الأشربة» أيضًا، وكذا أخرجه أبو داود فيه، وأخرجه النَّسائي فيه، وفي «الوليمة» مختصرًا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أرخصَ في الجر غير المزفت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت