514 - (حَدَّثَنا عُمَرُ) بدون الواو (بنُ حَفْصٍ) بإهمال الحاء والصاد، وفي رواية زيادة (قَالَ حَدَّثَنا أَبِي) حفص، وقد تقدم ذكرهما في باب «المضمضمة والاستنشاق» [خ¦259] .
(قَالَ حَدَّثنا الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران (قَالَ حَدَّثَنا إِبراهيمُ) النخعي، وفي رواية (عَن الأَسودِ) بن يزيد النخعي (عَن عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها.
(قَالَ الأَعْمَشُ) أي قال حفص قال الأعمش، وليس بتعليق كما قاله الكرماني (وحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسلمٌ) هو ابن صبيح؛ أي كما حدثني إبراهيم حدثني مسلم أيضًا.
(عَن مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنه (ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ) أي الذي يقطع الصلاة (الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ) فالموصول مبتدأ، وقوله الكلب. .. إلى آخره. ويمكن أن يكون الموصول مفعول ما لم يُسمَّ فاعله لقوله ذُكِرَ، وقولُه الكلب بدلًا منه، أو التقدير فقالوا يقطعها الكلب. .. إلى آخره كما في رواية علي بن مُسْهِر.
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلاَبِ) وأرادت بخطابها ذلك ابن أختها عروة، وأبا هريرة رضي الله عنهما؛ فعند مسلم من رواية عروة بن الزبير قال قالت عائشة رضي الله عنها ما يقطع الصلاة؟ قال قلت المرأة والحمار، الحديثَ.
وعند ابن عبد البر من رواية القاسم قال بلغ عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة رضي الله عنه يقول إن المرأة تقطع الصلاة.
فإن قيل كيف أنكرت على من ذكر
ج 3 ص 419
المرأة مع الحمار والكلب فيما يقطع الصلاة، وهي قد روت الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما رواه أحمد (( لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة ) ).
فالجواب أنها لم تنكر ورود الحديث، ولم تكن تُكذِّب أبا هريرة وغيره، وإنما أنكرت كون الحكم باقيًا، فلعلها كانت ترى نسخه.
ولذا قالت (وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، وَإِنِّي) وفي رواية (عَلَى السَّرِيرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ) بالرفع خبر إن، أو بالنصب على الحالية.
(فَتَبْدُو) أي تظهر (لِي الْحَاجَةُ) وفي (( مسند السرَّاج ) ) (( فتكون لي حاجة ) ) (فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ) أي مستقبلة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(فَأُوذِيَ) من الإيذاء (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية النسائي (( فأكره أن أقوم فأمُرَّ بين يديه ) ) (فَأَنْسَلُّ) بالرفع عطفًا على قوله فأكره؛ أي فأمضي بتأن وتدريج (مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) وفي رواية الطحاوي (( فأنسل انسلالًا ) )، وكذا في رواية البخاري السابقة [خ¦511] .
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنها إذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس جبلت على الاشتغال بها، فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك، بل أولى.
وقد أخرج مسلم، وأبو داود، عن القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدَعنَّ أحدًا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ) )، وهو بعمومه يتناول بني آدم وغيرهم.
ثم إذا كان اضطجاع عائشة رضي الله عنها على السرير بينه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبين القبلة لا يقطع صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالمرور أولى؛ على أن في الانسلال معنى المرور بين يديه.
واختلف العلماء في ذلك فرأى القطع بالثلاثة قوم؛ لحديث أبي ذر عند مسلم (( يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب الأسود ) )وكذا حديث أبي داود، وابن ماجه، وفيه تقييد المرأة بالحائض.
وقال أحمد يقطعها الكلب الأسود لنصِّ الحديث، وعدم المُعَارض، وفي قلبي من المرأة والحمار شيء لوجود المعارض، وهو صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أزواجه.
ومن رأى القطع بها علل بأن الجميع في معنى الشيطان، أما الكلب فبنص الحديث.
وأما المرأة فمن جهة أنها تُقْبِل في صورة شيطان وتُدْبِر كذلك، وأنها من حبائله.
وأما الحمار فلِمَا جاء من
ج 3 ص 420
اختصاص الشيطان به في قصة نوح في السفينة. والأكثرون على أنه لا يقطع الصلاة شيء، واستدلوا بأحاديث
منها ما أخرجه الطحاوي عن سعيد بن المسيب بإسناد صحيح أن عليًا وعثمان رضي الله عنهما قالا لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرءوا ما استطعتم.
وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )عن ابن المسيب عن علي وعثمان رضي الله عنهما قالا لا يقطع الصلاة شيء، فادرؤوهم عنكم ما استطعتم.
ومنها ما أخرجه الطحاوي أيضًا عن كعب بن عبد الله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول لا يقطع الصلاة شيء. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا.
ومنها ما أخرجه الطبراني من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا (( لا يقطع الصلاة شيء إلا الحَدَث ) ).
ومنها حديث عائشة رضي الله عنها الذي في (( الصحيح ) )في هذا الباب.
ومنها ما أخرجه الطحاوي من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت كان يُفْرَش لي حيال مصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان يصلي وإني حياله.
وأخرجه أحمد في (( مسنده ) )نحوه، غير أن في لفظه حيال مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أي تلقاء وجهه.
ومنها ما أخرجه الطحاوي أيضًا من حديث ميمونة رضي الله عنها قالت كان فراشي حيال مصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فربما وقع ثوبه علي وهو يصلي.
وأخرجه أبو داود، ولفظه كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد وكان يصلي على الخُمرة [1] . وحملوا القطع في حديث أبي ذر وغيره على المبالغة في خوف الافتنان بالشغل بها.
ومال الطحاوي وغيره إلى أن حديث أبي ذر، ومن وافقه منسوخ بحديث عائشة وغيرها.
وتُعُقب بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عُلِم التاريخ، وتعذَّر الجمع، والتاريخ هاهنا لم يتحقق، ولم يتعذر الجمع.
وأجيب بأن ابن عمر رضي الله عنهما بعد ما روى أن المرور يقطع قال لا يقطع صلاة المسلم شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك لم يقل بما قال من عدم القطع.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو أحد رواة القطع أنه حمله على الكراهة.
قال البيهقي روى سِمَاك عن عكرمة قيل لابن عباس رضي الله عنهما أيقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار؟ فقال {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر 10] ، فما يقطع هذا، ولكن يُكره.
وقال الشافعي وغيره إن المراد بالقطع هو قطع الخشوع، ومواطأة القلب اللسان في التلاوة لا قطع أصل الصلاة.
ويؤيد ذلك أن الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالأسود، فأجيب بأنه شيطان، وقد عُلِم أن الشيطان
ج 3 ص 421
لو مر بين يدي المصلي لم تفسد صلاته.
[1] في هامش الأصل الخُمرة _ بضم الخاء المعجمة _ حصير صغير يعمل من سعف النخل، وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك يسمى حصيرًا. منه.