فهرس الكتاب

الصفحة 8429 من 11127

5666 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّا) هو يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرَّحمن، أبو زكريا التَّميمي الحنظلي النِّيسابوريُّ، وهو شيخ مسلم أيضًا، وليس له في البُخاري إلَّا مواضع يسيرة في «الزكاة» [خ¦1441] و «الوكالة» [خ¦2318] و «التَّفسير» [خ¦4554] و «الأحكام» [خ¦7217] ، وأكثر عنه مسلم، ويُقال إنَّه تفرَّد بهذا الإسناد، وأنَّ أحمد كان يتمنَّى لو أمكنه الخروج إلى نيسابور ليسمع منه هذا الحديث، ولكن أخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من وجهين آخرين عن سُليمان بن بلال، وقال الدِّمياطي وكان من العباد الزُّهَّاد الفضلاء، وقال البُخاري مات يوم الأربعاء سلخ صفر سنة ست وعشرين

ج 24 ص 284

ومائتين.

(أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) أبو محمد مولى الصِّديق، الثِّقة الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنهم، أنَّه (قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (وَارَأْسَاهْ) هو تفجُّعٌ على الرَّأس؛ لشدَّة ما وقع به من ألم الصَّداع. وروى الإمام أحمد والنَّسائي وابن ماجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة رضي الله عنها رَجَع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة البقيعِ، فوجدني وأنا أجدُ صداعًا في رأسي وأنا أقول وارأساه. قال الطِّيبي ندبتْ نفسها، وأشارت إلى الموت.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاكِ) بكسر الكاف، إشارة إلى ما يستلزمُ المرض من الموت؛ أي إن حصلَ موتكِ، ويُرشد إليه جواب عائشة رضي الله عنها (وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ) وفي رواية عبيد الله بن عتبة (( ما ضرَّكِ لو متِّ قبلي فكفَّنتُك، ثمَّ صلَّيت عليك ودفنتُك ) ) (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (وَاثُكْلِيَاهْ) بضم المثلثة وسكون الكاف وفتح اللام والتحتانية الخفيفة وبعد الألف هاء للنُّدبة، كذا قال الحافظُ العسقلاني.

وتعقَّبهُ العيني بأنَّه ليس كذلك؛ لأنَّ «ثُكليا» لا يخلو إمَّا أن يكون مصدرًا، أو صفة للمرأة التي فقدت ولدها، فإن كان مصدرًا فالثاء مضمومة واللام مكسورة، وإن كان اسمًا فالثاء مفتوحة واللام كذلك. قال في «القاموس» الثُّكل _ بالضم _ الموت والهلاك وفقدان الولد أو الحبيب. انتهى.

وقيل فقدان الولد ومن يعزُّ على الفاقد، يُقال ثكلتْهُ أمُّه ثُكلًا _ بالضَّم_، وكذلك الثَّكَل _ بفتحتين _، وامرأة ثاكل وثَكْلى وأَثْكَله الله أمَّه، وليست حقيقته مرادة هنا، بل هو كلامٌ كان يجري على لسانهم عند إصابة مصيبةٍ، أو خوف مكروهٍ، ونحو ذلك.

(وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي) كأنَّها أخذتْ ذلك من قوله لها (( لو متِّ قبلي ) ) (وَلَوْ كَانَ ذَاكَ) أي موتي، هكذا في رواية الكُشميهني بغير اللام، وفي رواية غيره باللام (لَظَلِلْتَ) بفتح اللام والظاء المعجمة بعدها لام مكسورة فأخرى ساكنة (آخِرَ يَوْمِكَ) من موتي

ج 24 ص 285

(مُعَرِّسًا) بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الراء المشددة بعدها سين مهملة، اسم فاعل من التَّعريس، ويُروى بسكون العين وكسر الراء المخففة، من أعرس، يُقال عرَّس وأَعْرَس بأهله إذا بنى بها، ثمَّ استعمل في كلِّ جماع (بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ) ونسيتني، ووقع في رواية عبيد الله (( لكأنِّي بك، والله لو قد فعلتَ ذلك لقد رجعتَ إلى بيتي فأعرستَ ببعضِ نسائك، قال فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ) أتى بكلمة إضراب؛ لأنَّ معناه دعي ذكر ما تجدينه من وجعِ رأسك، واشتغلي بي، فإنَّك لا تموتين في هذه الأيَّام، بل تعيشين بعدِي، عرف صلى الله عليه وسلم ذلك بالوحي، وفي الفرع سقط لفظ . وزاد في رواية عبيد الله (( ثمَّ بدئ في وجعه الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم ) ).

ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم (لَقَدْ هَمَمْتُ _ أَوْ أَرَدْتُ _) شكٌّ من الرَّاوي، ووقع في رواية أبي نُعيم (( أو وددت ) )بدل «أردت» (أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (وَابْنِهِ) كذا في رواية الأكثرين بالواو وألف الوصل والموحدة والنون، ووقع في رواية مسلم (( أو ابنه ) )بلفظ (( أو ) )التي للشَّك أو للتَّخيير، وفي أخرى (( أو آيته ) )بهمزة ممدودة بعدها مثناة مكسورة، ثمَّ تحتانية ساكنة من الإتيان بمعنى المجيء، والصَّواب الأوَّل.

ونقل القاضي عِياض عن بعض المحدِّثين تصويبها وخطَّأه، وقال ويوضِّح الصَّواب قولها في الحديث الآخر عند مسلم (( ادعي لي أباك وأخاك ) ). وأيضًا فإنَّ مجيئه إلى أبي بكر رضي الله عنه كان متعسِّرًا؛ لأنَّه عجزَ عن حضور الصَّلاة مع قرب مكانها من بيته، وفي هذا التَّعليل نظر؛ فإنَّ سياق الحديث يشعرُ بأنَّ ذلك كان في ابتداءِ مرضه صلى الله عليه وسلم، وقد استمرَّ يصلِّي بهم، وهو مريضٌ، ويدور على نسائه حتَّى عجزَ عن ذلك، وانقطعَ في بيت عائشة رضي الله عنها.

ج 24 ص 286

ويحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم (( لقد هممت. .. إلى آخره ) )وقع بعد المفاوضة التي وقعتْ بينه وبين عائشة رضي الله عنها بمدَّةٍ، وإن كان ظاهر الحديث بخلافه، ويؤيِّد أيضًا ما في الأصل أنَّ المقامَ كان مقامَ استمالة قلب عائشة رضي الله عنها؛ فكأنَّه يقول كما أنَّ الأمر يفوَّض لأبيك، فإنَّ ذلك يقعُ بحضور أخيك، هذا إن كان المراد بالعهد العهد بالخلافة، وهو ظاهر السِّياق، كما سيأتي تقريره في «كتاب الأحكام» إن شاء الله تعالى [خ¦7217] ، وإن كان لغير ذلك، فلعلَّه أراد إحضار بعض محارمها حتَّى لو احتاج إلى قضاء حاجة، أو الإرسال إلى أحدٍ لوجد مَنْ يبادر لذلك، كذا قال الحافظُ العسقلاني [1] .

(وَأَعْهَدَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق؛ أي أوصى بالخلافة لأبي بكر بحضورِ أخيك، كما سبق (أَنْ يَقُولَ) كراهة أن يقول (الْقَائِلُونَ) الخلافة لفلان أو لفلان، أو يقول واحدٌ منهم الخلافة لي، وكلمة «أن» مصدريَّة، ومقولُ القائلين محذوف (أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ) الخلافة فأعيِّنه قطعًا للنِّزاع، وقد أراد الله أن لا يعهدَ ليؤجر المسلمون على الاجتهاد، والمتمنُّون _ بضم النون _ جمع متمنٍّ _ بالكسر _، وأصل الجمع المتمنيون، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت فاجتمع ساكنان الياء والواو، فحذفت الياء لذلك، وضمت النون لأجل الواو، إذ لا يصح واو قبلها كسرة.

قال العيني قال صاحب «التوضيح» ناقلًا عن ابن التِّين ضبط في غير كتاب بفتح النون، وإنَّما هو بضمها؛ لأنَّ أصله المتمنيون على زنة المتطهرون، وتبعَه بعضُهم يريد الحافظُ العسقلاني، وضبط النون بالفتح هو الصَّواب، وهو الأصل، كما في قولك المسمَّون، إذ لا يقال فيه بضم الميم. وتشبيه القائل المذكور المتمنون بقوله المتطهِّرون غير مستقيمٍ؛ لأنَّ هذا صحيحٌ، وذاك معتل اللام، وكلُّ هذا عجزٌ وقصورٌ عن قواعد الصَّرف. انتهى.

وأنت خبيرٌ بأنَّ الصَّواب هو الضم كما سبق، وقد عجز وقصَّر ابن أخت خالته.

ج 24 ص 287

(ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ) إلَّا خلافة أبي بكر رضي الله عنه (وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ) خلافة غيره (أَوْ) قال صلى الله عليه وسلم شكٌّ من الرَّاوي في التَّقديم والتَّأخير (يَدْفَعُ اللَّهُ) خلافة غيره (وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ) إلَّا خلافته.

وفي الحديث ما طُبعت عليه المرأة من الغيرة. وفيه مداعبة الرَّجل أهله، والإفضاء إليهم بما يسترهُ عن غيرهم. وفيه أنَّ ذكر الوجع ليس بشكايةٍ، فكم من ساكتٍ، وهو ساخطٌ، وكم مِن شاكٍ وهو راضٍ، فالمعوَّل في ذلك على عمل القلب، لا على نُطق اللِّسان، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وارأساه ) ). وقد أخرجه البُخاري في «الأحكام» أيضًا [خ¦7217] .

[1] في هامش الأصل قال الكرماني فإن قلت ما فائدة ذكر الأخ إذ لم يكن له في الخلافة دخل؟ قلت المقام مقام استمالة قلب عائشة رضي الله عنها؛ يعني كما أنَّ الأمر مفوَّض إلى والدك، كذلك الائتمار في ذلك بحضورِ أخيك فأقاربك هم أهل أمري وأهل مشورتي، أو لما أراد تفويض الأمر إليه بحضورها أراد إحضار بعض محارمهِ حتى لو احتاج إلى رسالة إلى أحد أو قضاء حاجة لتصدى لذلك، والله أعلم. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت