5668 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام، الماجشون التَّيمي، مولاهم المدني، قال (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاص، أحد العشرة المبشرة بالجنَّة رضي الله عنهم، أنَّه (قَالَ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ) أي بسبب وجعٍ، أو لأجل وجع (اشْتَدَّ بِي، زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بمكَّة (فَقُلْتُ) يا رسول الله (بَلَغَ بِي مَا تَرَى) وفي نسخة ، ويصحُّ على مذهب ابن مالك والكوفيين أن يكون «من» زائدة في الإثبات؛ أي بلغ بي الوجع ما ترى. وفي التَّنزيل {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} [آل عمران 40] {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ} [مريم 8] والرُّؤية بصرية مفعولها هو العائدُ على «ما» ، ومتى جعلت الفاعل «ما وصلتها» كان التَّقدير وقد بلغ بي ما تراهُ، ويحتمل أن يكون الفاعل محذوفًا يدلُّ عليه قوله «من الوجع» ، وقد بلغَ بي جهدٌ من الوجعِ، ثمَّ حذف الموصوف، وأُقيم الصِّفة مقامَه. فقال ابنُ مالك وهذا الحذفُ يكثرُ قبل «من» لدَلالتها على التَّبعيض، ومنه قوله تعالى {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام 34] ؛ أي ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين.
(وَأَنَا ذُو مَالٍ) في موضع الحال من ضمير النَّبي في «ترى» ، والرَّابط واو الحال، أو من فاعل «اشتدَّ» ، كذا قيل، والظَّاهر أنَّه حال من ضمير المتكلِّم في قوله «بي» (وَلاَ يَرِثُنِي) بالفريضة (إِلاَّ ابْنَةٌ لِي) أسماء (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي) الهمزة للاستفهام، والفعل معها مستفَهم عنه، والفاء عاطفة. وقيل زائدة، وكان حقها التَّقديم، لكن عارضها الاستفهام، وله صدرُ الكلام. وفي نسخة .
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم
ج 24 ص 289
(لاَ) حرف جواب، وهي بمعناها تسدُّ مسدَّ الجملة؛ أي لا تتصدَّق بكلِّ الثلثين (قَلْتُ بِالشَّطْرِ) بالجار، والمراد به النَّصف، كما في الرِّواية الأخرى. وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء بدل الموحدة رفع على الابتداء والخبرُ محذوف؛ أي فالشَّطر أتصدق به.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) قال سعد (قَلْتُ الثُّلُثُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الثُّلُثُ كَثِيرٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ فأسقط (( قلت وقال ) )، وزاد (( والثُّلث ) )؛ أي الثُّلث تصدق به، والثُّلث كثيرٌ مبتدأ وخبر.
(أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالذال المعجمة وهمزة «أَن» مفتوحة على الرِّوايتين فهي مصدريَّة ناصبة للفعل، والموضع رفع بالابتداء و «خير» خبره، والجملة خبر إن من قولك «إنك» . ويجوز كسر «إن» فهي حرف شرطٍ، فالفعل بعدها مجزومٌ، وحينئذٍ فجواب الشَّرط فهو خير، فيكون قد حذف المبتدأ مقرونًا بالفاء، وأبقى الخبر.
قال ابنُ مالك هذا فيما زعم النَّحويون مخصوصٌ بالضَّرورة، وليس كذلك، بل كثرُ استعماله في الشِّعر، وقيل في غيره أيضًا، فمن ورودهِ في غير الشِّعر قراءة طاوس {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة 220] أي فهو خير. قال وهذا وإن لم يُصرِّح فيه بأداة الشَّرط فإن الأمرَ يتضمَّن معنى الشَّرط، فكان ذلك بمنزلة التَّصريح بها في استحقاقِ الجواب، واستحقاق اقترانه بالفاء؛ لكونه جملة اسميَّة، ومن خصَّ هذا الحذف بالشِّعر حادَ عن التَّحقيق، وضيَّق حيث لا تضييقَ.
وقوله (( عالة ) )بتخفيف اللام، جمع عائل، وهو الفقير؛ أي إن تتركهم أغنياء خيرٌ من أن تتركهم فقراء حال كونهم
(يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يبسطون إليهم أكفهم بالسُّؤال (وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي) تطلب (بِهَا وَجْهَ اللَّهِ) ثوابه، و «نفقة» هنا بمعنى منفقًا، اسم مفعول كالخلق بمعنى المخلوق (إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضم الهمزة
ج 24 ص 290
على البناء للمفعول؛ أي أعطاك الله بها أجرًا، وفي رواية أبي ذرٍّ (حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ) أي فمها، فـ «في» الأوَّل حرف، والثَّانية اسم، و «حتى» للغاية، وهي هاهنا داخلة على الاسم، وهو «ما» الموصولة وصلتها، والتَّقدير حتَّى التي تجعلها، ويجوز أن يكون حرف ابتداء، فيكون الموصول في موضع رفع بالابتداء، والخبرُ محذوف، والتَّقدير حتَّى التي تجعله في فيِّ امرأتك تؤجرُ عليه، وخصَّ الزَّوجة بالذِّكر؛ لعود منفعتها التي هي سبب الإنفاق عليه، والمعنى أنَّ المباح يصيرُ طاعة إذا قصد به وجه الله تعالى.
وقد مضى الحديث في «كتاب الوصايا» [خ¦2742] . ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( يعودُني من وجعٍ اشتدَّ بي ) ).