5995 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ الحافظ، أبو بشر الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أي بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، وقد مضى في «الزَّكاة» [خ¦1418] من رواية ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، فنَسبَ أباه لجدِّ أبيه، وإدخال الزُّهري بينه وبين عروة رجلًا ممَّا يُؤذِن بأنَّه قليل التَّدليس.
وقد أخرجه التِّرمذي مختصرًا من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي داود، عن معمر بإسقاط «عبد الله بن أبي بكرٍ» من السَّند، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون الزُّهري سمعه من عُروة مختصرًا، وسمعه عنه مطوَّلًا، وإلَّا فالقول ما قاله ابن المبارك.
(أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، ويُروى بدون الواو. قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على أسمائهنَّ (تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا) إيَّاها (فَقَسَمَتْهَا) بسكون المثناة الفوقية (بَيْنَ ابْنَتَيْهَا) زاد معمر (( ولم تأكل منها شيئًا ) ). ووقع في رواية عراك بن مالكٍ عن عائشة رضي الله عنها جاءتني مسكينةٌ تحمل ابنتين لها فأطعمتُها ثلاث تمراتٍ، فأعطت كلَّ واحدةٍ منهما تمرةً، ورفعت تمرة إلى فِيْها لتأكلها فاستطعمتْها ابنتاها، فشقَّت التَّمرة التي كانت تريد أن تأكلَها، فأعجبني شأنها. الحديث أخرجه مسلم، وللطَّبراني من حديث الحسن بن عليٍّ نحوه، ويمكن الجمع بأنَّ مرادها بقولها في حديث عروة فلم تجد عندي غير تمرةٍ واحدةٍ؛ أي أخصُّها بها، ويحتمل أنَّها لم تكن عندها في أوَّل الحال سوى تمرة واحدة
ج 25 ص 394
فأعطتها، ثمَّ وجدت ثنتين، ويحتمل تعدُّد القصة، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ) من عندي (فَدَخَلَ) عليَّ رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ) بخبرها (فَقَالَ) النَّبي صلى الله عليه وسلم (مَنْ يَلِي) بفتح التحتانية من الوِلاية، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهنيِّ بضم الباء الموحدة، من البلاء، وفي روايته أيضًا وقوَّاه القاضي عياض، وأيَّده برواية شعيب بلفظ (( من ابتلي ) ) [1] وكذا وقع في رواية معمر عند التِّرمذي، (مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا) أي بشيءٍ، ونصبه بنزعِ الخافض، ووقع في رواية مسلمٍ من حديث أنسٍ رضي الله عنه (( من عال جاريتين ) )، وفي رواية أحمد من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها (( مَن أنفقَ على ابنتين، أو أُختين، أو ذاتي قرابةٍ يحتسب عليهما ) ).
واختلف في المراد بالابتلاء هل هو نفسُ وجودهنَّ، أو الابتلاء بما يصدر منهنَّ؟ وكذلك هل هو على العموم في البنات، أو المراد من اتَّصف منهنَّ بالحاجة إلى ما يفعل به؟
(فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ) فيه إشعارٌ بأنَّ المراد من قوله «من هذه» أكثر من واحدةٍ، فالإشارة للجنس، كما في «شرح المشكاة» وقد وقع في أكثر الرِّوايات بلفظ «الإحسان» ، وفي روايةِ عبد المجيد (( فصَبر عليهنَّ ) ). ومثله في حديث عقبة بن عامر في «الأدب المفرد» ، وكذا في ابن ماجه، وزاد (( وأطعمهنَّ وسقاهنَّ وكساهنَّ ) )، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند الطَّبراني (( فأنفقَ عليهنَّ وزوجهنَّ وأحسن أدبهنَّ ) )، وفي حديث جابر رضي الله عنه عند أحمد، وفي «الأدب المفرد» (( يؤدبهنَّ ويرحمهنَّ ويكفلهنَّ ) )، وزاد الطَّبراني فيه (( ويزوجهنَّ ) ). وفي حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه في «الأدب المفرد» (( فأحسن صحبتهنَّ، واتَّقى الله فيهنَّ ) )، وكذا في رواية التِّرمذي عنه. وللتِّرمذي أيضًا عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يكون لأحدكم ثلاث بناتٍ، أو ثلاث أخواتٍ، فيُحسن إليهنَّ إلَّا دخل الجنَّة ) ). وروى الطَّبراني في «الأوسط» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( من كنَّ له ثلاث بناتٍ فعالهنَّ وآواهنَّ وكفلهنَّ دخل الجنَّة ) )قلنا وبنتين؟ قال (( وبنتين ) )
ج 25 ص 395
قلنا وواحدةٌ؟ قال (( وواحدةٌ ) ).
وشاهده حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه رفعه (( من كانت له ابنةٌ فأدَّبها فأحسن أدبها، وعلَّمها فأحسن تعليمها، وأوسع عليها من نعمة الله الَّتي أوسع عليه ) ). أخرجه الطَّبراني بسند واهٍ.
وقد اختلف في المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب، أو يُزاد عليه؟ والظَّاهر الثَّاني، فإنَّ عائشة رضي الله عنها أعطت المرأة التَّمرة، فآثرت بها ابنتيها، فوصفها النَّبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان بما أشار إليه من الحكم المذكور، فدلَّ على أنَّ من فعل معروفًا لم يكن واجبًا عليه، أو زاد على قدر الواجب عُدَّ محسنًا.
والذي يقتصر على الواجب وإن كان يُوصف بكونه مُحسنًا، لكنَّ المراد من الوصف المذكور قدرٌ زائدٌ، وشرط الإحسان أن يُوافق الشَّرع لا ما خالفه.
ثمَّ الظَّاهر أنَّ الثَّواب المذكور إنَّما يحصل لفاعله إذا استمرَّ إلى أن يحصلَ استغناؤهنَّ عنه بزوجٍ أو غيره، كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث، والإحسان إلى كلِّ واحدٍ بحسب حاله.
(كُنَّ لَهُ سِتْرًا) أي حجابًا (مِنَ النَّارِ) كذا في أكثر الأحاديث، ووقع في رواية عبد المجيد (( حجابًا ) )وهو بمعناهُ، وفي الحديث تأكُّد حقِّ البنات؛ لما فيهنَّ من الضَّعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهنَّ من الاكتساب، وحسن التَّصرف، وجزالة الرَّأي، فإذا آمت رجعت إلى أبيها، كما في «سنن ابن ماجه» عن سُراقة بن مالك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( ألا أدلُّك على أفضل الصَّدقة ابنتك مردودةٌ إليك ليس لها كاسبٌ غيرك ) )بخلاف الذُّكور؛ لِما فيهم من قوَّة البدن، وجزالة الرَّأي، وإمكان التَّصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثرِ الأحوال.
قال ابن بطَّال وفيه جواز سؤال المحتاجِ، وسخاء عائشة رضي الله عنها؛ لكونها لم تجد إلَّا تمرةً، فآثرت بها، وأنَّ القليل لا يمتنع التَّصدق به لحقارته، بل ينبغي للمتصدِّق أن يتصدَّق بما تيسَّر له قلَّ أو كثر. وفيه جواز ذكر المعروف إذا لم يكن على وجهِ الفخر ولا الامتنانِ، وقال النَّووي تبعًا لابن بطَّال إنَّما سمَّاه ابتلاءً؛ لأنَّ النَّاس يكرهون البنات، فجاء الشَّرع بزجرهم عن ذلك، ورغب في إبقائهنَّ وترك قتلهنَّ
ج 25 ص 396
بما ذكر من الثَّواب الموعود به من أحسن إليهنَّ، وجاهد نفسه في الصَّبر عليهنَّ.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار؛ أي مَن اختبر بشيءٍ من البنات لينظر ما يفعل، أيحسن إليهنَّ أو يُسيء. ولهذا قيَّده في حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه بالتَّقوى، فإنَّ من لا يتَّقي الله لا يأمن أن يتضجَّر بمن وكَّله الله إليه، أو يقصِّر عمَّا أُمِر بفعله، أو لا يقصد بفعله امتثالَ أمر الله، وتحصيل ثوابهِ، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ المرأة الَّتي معها ابنتان لم تتناول شيئًا من تلك التَّمرة الَّتي أعطتها أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها رحمةً وشفقةً على بنتيها.
وقد أخرجه مسلم في «الأدب» ، والتِّرمذي في «البرِّ» .
[1] هذه اللفظة في البخاري [خ¦1418] من رواية معمر عن الزهري.