6038 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، أنَّه (سَمِعَ سَلاَّمَ بْنَ مِسْكِينٍ) بتشديد اللام، النَّمري _ بالنون _
ج 25 ص 462
(قَالَ سَمِعْتُ ثَابِتًا) هو البُنانيُّ (يَقُولُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ) وفي حديث مسلمٍ من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنسٍ رضي الله عنه (( والله لقد خدمتُه تسعَ سنينٍ ) )ولا مُغايرة بينهما، فإنَّه إنَّما خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة بأشهرٍ فيكون تسع سنينٍ وأشهرًا، ففي روايةِ (( تسع سنينٍ ) )ألغى الكسر، وفي رواية (( عشر سنينٍ ) )جبره.
وتوضيحه ما مضى في «الوصايا» [خ¦1768] من طريق عبد العزيز بن صُهيب عن أنسٍ رضي الله عنه، قال قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادمٌ، فأخذ أبو طلحة بيدي، وفيه إنَّ أنسًا غلامٌ كيِّسٌ، فليخدمك، قال فخدمته في السَّفر والحضر.
وأشار بالسَّفر إلى ما وقع في «المغازي» وغيرها من طريق عمرو بن أبي عمرو عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم طلب من أبي طلحة لمَّا أراد الخروج إلى خيبرَ من يخدمه فأحضر له أنسًا [خ¦5425] ، فأشكل هذا على الحديث الأوَّل؛ لأنَّ بين قدومه المدينة، وبين خروجه إلى خيبرَ ستَّ سنينٍ وأشهر.
وأجيب بأنَّه طلب من أبي طلحة من يكون أسنَّ من أنس رضي الله عنه وأقوى على الخدمة في السَّفر، فعرف أبو طلحة من أنسٍ القوَّة على ذلك فأحضره.
فلهذا قال أنس في هذه الرِّواية (( خدمته في السَّفر والحضر ) )، وإنَّما تزوَّجت أم سُليم بأبي طلحة بعد قدوم النَّبي صلى الله عليه وسلم بعدَّة أشهرٍ؛ لأنَّها بادرت إلى الإسلام ووالدُ أنس حيٌّ، فعَرَفَ بذلك فلم يُسلِم، وخرج في حاجةٍ له فقتله عدوٌّ له، وكان أبو طلحة قد تأخَّر إسلامه، فاتَّفق أنه خطبها فاشترطت عليه أن يُسلِم فأسلم، أخرجه ابن سعدٍ بسندٍ حسنٍ.
فعلى هذا تكون مدَّة خدمته تسع سنينٍ وأشهرًا، فألغى الكسر مرَّة، وجبره أخرى.
(فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ) قال الرَّاغب أصل الأفِّ كل مستقذرٍ من وسخٍ كقُلامة الظُّفر وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكلِّ مستخفٍّ به، ويقال أيضًا عند تكرُّه الشَّيء، وعند التَّضجُّر من الشَّيء، واستعملوا منها
ج 25 ص 463
الفعل كأففت بفلانٍ ولفلان تأفيفًا إذا قلت له أفٍّ لك. وفي أفٍّ لغات الحركات الثَّلاث بغير تنوين وبالتَّنوين.
ووقع في رواية مسلم هنا (( أُفًا ) )بالنَّصب والتَّنوين، وهي موافقةٌ لبعض القراءات الشَّاذة، وهذا كلُّه مع ضمِّ الهمزة والتَّشديد، وعلى ذلك اقتصر أكثر الشُّرَّاح. وذكر أبو الحسن الرمانيُّ فيها لغاتٍ كثيرة، فبلغها تسعًا وثلاثين، ونقلها ابن عطيَّة وزاد واحدةً أكملها أربعين.
وقد سردها أبو حيَّان في «البحر» واعتمد على ضبط القلم، ولخَّصَ ضبطها صاحبه «الشهاب السمين» وهي السِّتَّة المتقدِّمة، وبالتخفيف كذلك ستَّة أخرى، وبالسكون مشددًا ومخففًا، وبزيادة هاء ساكنة في آخره مشددة، وأفَّا بالإمالة، وبين بين بلا إمالةٍ الثَّلاثة بلا تنوينٍ، وأُفُّوْ بضم ثمَّ سكون، وأُفِّيْ بكسر ثم سكون، فذلك ثنتان وعشرون، وهذا كلُّه مع ضم الهمزة ويجوز كسرها وفتحها، فأمَّا بكسرها ففي إحدى عشرةَ كسرُ الفاء وضمها مشددًا مع التنوين وعدمه أربعة، ومخففًا بالحركات الثَّلاث مع التنوين وعدمه ستَّة، وأفِّي بالإمالة والتشديد. وأمَّا بفتح الهمزة ففي ستٍّ بفتح الفاء وكسرها مع التنوين وعدمه أربعة، وبالسكون وبألف مع التَّشديد، والَّتي زادها ابن عطيَّة أُفَّاه بضم الهمزة وزيادة ألفٍ وهاء ساكنة. وقُرئ من هذه اللُّغات بستٍّ كلها بضم الهمزة، فقرأ نافع وحفص عن عاصمٍ بكسر الفاء مشددًا بالتَّنوين، وابن كثير وابن عامرٍ بالفتح والتشديد بلا تنوينٍ. والباقون من السَّبعة بكسر الفاء مخففًا بلا تنوين، وقرأ أبو السَّمَّاك بضم الفاء مشدَّدًا بلا تنوينٍ، وزيد بن عليٍّ بالنصب والتنوين، وعن ابن عبَّاسٍ بسكون الفاء.
(وَلاَ لِمَ صَنَعْتَ) أي ولا قال لي لم صنعتَ كذا لشيءٍ من الأشياء (وَلاَ أَلَّا صَنَعْتَ) أي ولا قال لي ألَّا صنعت _ بتشديد اللام وفتح الهمزة _؛ أي هلَّا صنعت، كذا وكذا. وفي رواية مسلمٍ من هذا
ج 25 ص 464
الوجه لشيءٍ ممَّا يصنعه الخادم. وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة ما علمته قال لشيءٍ صنعته لم فعلت كذا وكذا؟ وفي رواية عبد العزيز بن صُهيب ما قال لشيءٍ صنعتَه لم صنعت هذا كذا؟ ولا لشيءٍ لم أصنعه لم لم تصنع هذا كذا؟
ويُستفاد من هذا ترك العتاب على ما فات؛ لأنَّ هناك مندوحةً عنه باستئناف الأمر به إذا احتيج إليه.
وفي الحديث تنزيه اللِّسان عن الزَّجر والذَّم، واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته، وكلُّ ذلك في الأمور الَّتي تتعلَّق بحظ الإنسان.
وأمَّا الأمور الشَّرعية اللازمة فلا يُتسامح فيها؛ لأنَّها من باب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه يدلُّ على حسن خلق النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو مطابقٌ للجزء الأوَّل من التَّرجمة.
وقد أخرجه مسلم في «فضائل النَّبي صلى الله عليه وسلم» .