فهرس الكتاب

الصفحة 9064 من 11127

6087 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابنُ إسماعيل التَّبُوْذَكي _ بفتح التاء الفوقية وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة _، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هو ابنُ سعدٍ بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري هذا ممَّا سمعه إبراهيم بن سعدٍ من الزُّهري. وقد سبق في الحديث الثَّاني أنَّه روى عنه بواسطة صالح بن كَيسان بينهما [خ¦6085] .

(عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ أَتَى رَجُلٌ) أعرابيٌّ (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَلَكْتُ) أي فعلت ما هو سببُ لهلاكي، وذلك أنِّي (وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي) أي وطئت امرأتي (فِي رَمَضَانَ) أي وأنا صائمٌ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَعْتِقْ) بفتح الهمزة وكسر الفوقية (رَقَبَةً، قالَ لَيْسَ لِي) ما أعتق به رقبةً (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ظرف زمان مفعول على السِّعة بتقدير زمن شهرين متتابعين، صفته (قالَ لاَ أَسْتَطِيعُ) ذلك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قالَ لاَ أَجِدُ) ما أطعمهم (فَأُتِيَ) النَّبي صلى الله عليه وسلم بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِعَرَقٍ) [1] بفتح العين المهملة والراء وتسكَّن (فِيهِ تَمْرٌ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو ابنُ سعدٍ بالسَّند السَّابق (الْعَرَقُ) هو (الْمِكْتَلُ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية، السَّقيفة المنسوجة من الخوص، وهو يجمع خمسة عشر صاعًا، وأخذ من ذلك أنَّ إطعام كلِّ مسكينٍ مد؛ لأنَّ الصَّاع أربعة أمداد، وقد أمر بصرف هذه الخمسة عشر صاعًا إلى ستين، وقسمة خمسة عشر على ستِّين كل واحدٍ ربع صاعٍ وهو مد.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَيْنَ السَّائِلُ؟) قال أنا؟ قال صلى الله عليه وسلم (تَصَدَّقْ بِهَا)

ج 25 ص 560

أي الصِّيعان، وفي رواية أبي ذرٍّ أي التَّمر على المساكين (قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي) متعلِّق بمحذوف يدلُّ عليه الكلام؛ أي أتصدَّق على أفقر منِّي؛ أي على أحدٍ أفقر منِّي، فهو قائمٌ مقام موصوفه، وحذف همزة الاستفهام كثيرٌ، والفعل لدَلالة «تصدَّق بها» عليه (وَاللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا) تثنية لابة بتخفيف الموحَّدة من غير همزٍ يريد الحرتين، وهما أرضٌ ذات حجارةٍ سُود، وللمدينة حرَّتان هي بينهما (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا) «أهل بيت» مبتدأ والخبر «بين» ، و «أفقر» صفةٌ للمبتدأ؛ أي هم أفقر أهل بيتٍ. هذا على أنَّ «ما» التَّميمية وإن جعلتها حجازيَّة فـ «أهل بيت» اسمها، و «أفقر» خبرها، والظَّرف متعلِّق بالخبر، وهو أفعل، وذلك جائزٌ في أفعل نحو قولك زيدٌ أفضل عندك من عمرٍو، ولا يبطل عمل ما بالفصل بمعمول الخبر نحو قولك ما عندي زيد قائمًا، قاله ابن مالكٍ وغيره، كما في (( العدة ) )لابن فرحون.

(فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تعجُّبًا من حال الرَّجل؛ لكونه جاء أولًا هالكًا، ثمَّ انتقل لطلب الطَّعام لنفسه وعياله، أو من رحمة الله به وسعتهِ عليه، والضَّحك غير التَّبسُّم. وأمَّا قوله تعالى {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا} [النمل 19] فقال في «الكشاف» فتبسَّم شارعًا في الضَّحك، وقال أبو البقاء ضاحكًا حالٌ مؤكَّدة.

وقال صاحب «الكشف» هي حالٌ مقدَّرة؛ أي فتبسَّم مقدِّرًا الضَّحك، ولا يكون محمولًا على الحال المطلق؛ لأنَّ التَّبسم غير الضَّحك فإنَّه ابتداء الضَّحك، وإنَّما يصير التبسُّم ضحكًا إذا اتَّصل ودام، فلابدَّ فيه من هذا التَّقدير، وأكثر ضحك الأنبياء التَّبسُّم، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله إلى آخره.

(حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) النَّواجذ _ بالجيم والذال المعجمة _ وهي الأضراسُ، ولا تكاد تظهر إلَّا عند المبالغة في الضَّحك، والأكثر الأشهر أنَّها أقصى الأسنان، والمراد الأوَّل؛ لأنَّه ما كان يبلغ به الضَّحك حتَّى يبدو آخر أضراسهِ، ولو أريد الثَّاني لكان مبالغة في الضَّحك من غير أن يرادَ ظهور نواجذه في الضَّحك،

ج 25 ص 561

وهو أقيس لاشتهار النَّواجذ بآخر الأسنان. وإليه الإشارة بقول الزمخشريِّ، والغرض المبالغة في وصف ما وُجد من الضَّحك النَّبوي، قاله الطِّيبي.

وترتيب الأسنان الثَّنايا، ثمَّ الرُّباعيات، ثمَّ الأنياب، ثمَّ الضَّواحك، ثمَّ النَّواجذ، ثمَّ الأضراس. فإن قيل بين هذا الحديث وبين حديث عائشة رضي الله عنها الَّذي يأتي عن قريبٍ «ما رأيته صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا حتَّى أرى منه لهواته» [خ¦6092] تعارض ومنافاة؟

فالجواب أنَّه لا منافاة؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها، إنَّما نفت رؤيتها، وأبو هريرة رضي الله عنه أخبر بما شاهده، والمثبتُ يقدَّم على النَّافي، أو نقولُ عدم رؤية عائشة رضي الله عنها لا يستلزمُ نفي رؤية أبي هريرة رضي الله عنه، وكلُّ واحدٍ منهما أخبر بما شاهده، والإخباران مختلفان ليس بينهما تضادٌّ.

وفيه وجهٌ آخر إذ من النَّاس من يسمِّي الأنياب والضَّواحك النَّواجذ. ووقع في «الصِّيام» [خ¦1936] (( حتَّى بدت أنيابه ) )فزال الاختلاف بذلك، وهذا يردُّ ما روي عن الحسن البصريِّ أنَّه كان لا يضحك. وكان ابنُ سيرين يضحكُ، ويحتجُّ على الحسن بقول الله تعالى {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم 43] ، وكانت الصَّحابة يضحكون.

وروى عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن قتادة قال سُئل ابن عمر رضي الله عنهما هل كان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال (( نعم والإيمان في قلوبهم أعظمُ من الجبال ) ). انتهى.

ولا يوجد أحدٌ زهده كزهد سيِّد الخلق، وقد ثبت عنه أنَّه ضحك، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهديِّين الأسوة الحسنة. والَّذي يظهرُ من مجموع الأحاديث أنَّه صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيدُ على التَّبسُّم، وربَّما زاد على ذلك فضحك. وأمَّا المكروه من ذلك إنَّما هو الإكثار منه، أو الإفراط فيه؛ لأنَّه يُذهبِ الوقار.

قال ابن بطَّال والَّذي ينبغي أن يقتدى من فعله ما واظب عليه من ذلك، وقد روى البخاري

ج 25 ص 562

في «الأدب المفرد» ، وابن ماجه من وجهين عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( لا تكثِرِ الضَّحك، فإنَّ كثرة الضَّحك تميتُ القلب ) ). وقال لقمان لابنه يا بنيَّ إيَّاك وكثرة الضَّحك فإنَّها تميت القلب.

والحاصل أنَّ الإكثار منه، وملازمته حتَّى يغلب على صاحبه مذمومٌ منهيٌّ عنه، وهو من أهل السَّفه والبطالة.

(فَأَنْتُمْ إِذًا) جوابٌ وجزاءٌ؛ أي لم يكن أفقر منكم فكلوا أنتم حينئذٍ منه، وهذا على سبيل الإنفاق على العيال، إذ الكفَّارة إنَّما هي على سبيل التَّراخي، أو هو على سبيل التَّكفير فهو خصوصيَّة له.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله «فضحك النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى بدتْ نواجذُهُ» ، وقد مضى في «كتاب الصَّوم» ، في «باب المجامع في رمضان» [خ¦1936] .

[1] في هامش الأصل قال الكرماني فإن صحت الرواية بالفاء فالمعنى أيضًا صحيح إذ الفرق أيضًا مكيال يسع خمسة عشر رطلًا. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت