6148 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفي، قال (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المهملة، الكوفي سكن المدينة (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) رضي الله عنه، أنَّه قال (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي باب (( غزوة خيبر ) ) [خ¦4196] خرجنا مع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم (إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) هو أُسيد بن حُضير (لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ) وهو عامرُ بن سنان بن عبد الله بن قُشَير الأسلمي المعروف بابن الأكوع، عم سلمة بن الأكوع، واسم الأكوع سنان، ويقال أخوه.
(أَلاَ تُسْمِعُنَا) من الإسماع (مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) بضم الهاء وفتح النون وسكون التَّحتية وبعد الهاء ألف ففوقية فكاف، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بتحتية مشددة مفتوحة بدل الهاء الثَّانيَّة؛ أي من كلماتك أو من أراجيزك. قال الكرماني جمع هنيَّة، مصغَّر هنة، وأصلها هنو، وهي الشَّيء الصَّغير، والمراد بها الأراجيز.
وقال الجوهريُّ هَنْ على وزن أخ كلمة كناية، ومعناه شيءٌ، وأصله هنو، وتقول للمرأة هنة، وتصغيرها هنيَّة تردُّها إلى الأصل، وتأتي بالهاء بدلًا من الياء الثَّانيَّة فتقول هنيهة.
وقال ابنُ الأثير في حديث ابن الأكوع (( ألا تُسمعنا من هناتك ) )أي من كلماتك أو من أراجيزك، وفي رواية (( من هُنياتك ) )على التَّصغير، وفي أخرى (( من هُنيهاتك ) )على قلب الياء هاء.
(قَالَ) أي سلمة بن الأكوع (وَكَانَ عَامِرٌ)
ج 26 ص 94
أي ابن الأكوع (رَجُلًا شَاعِرًا) ويروى (فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ) حال كونه (يَقُولُ) في «الأساس» حدا الإبل حدوًا، وهو حادي الإبل، وهم حُداتها، وَحَدا بها حُداءً إذا غنَّى لها.
قال الحافظُ العسقلاني يُؤخذ منه جميع التَّرجمة لاشتماله على الشِّعر والرَّجز والحُدَاء، ويُؤخذ منه أنَّ الرَّجز من جملة الشِّعر. وقول ابن التِّين أنَّ قوله (( اللَّهم لولا أنت ما اهتدينا ) )ليس بشعرٍ ولا رجزٍ؛ لأنَّه ليس بموزون، ليس كما قال، بل هو رجزٌ موزونٌ، وإنما زيد في أوله سببٌ خفيف، ويسمَّى الخزم _ بمعجمتين _. وقال الكرماني الموزون لا همَّ، وقوله (( لولا أنت ما اهتدينا ) )كقوله تعالى {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف 43] .
(وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا، فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ) بكسر الفاء وبالمد والتَّنوين مرفوعًا؛ أي لرسولك. وقال بعضُهم بالقصر، وشرطه اتِّصاله بحرف الجرِّ كالذي هنا [1] ، قاله ابن التِّين.
وقال المازريُّ لا يقال لله فدًا لك؛ لأنَّها كلمة تستعملُ عند توقُّع مكروهٍ لشخص، فيختار شخص آخر أن يحلَّ به دون ذلك الآخر ويفديهِ منه، فهو إمَّا مجاز عن الرِّضا كأنَّه قال نفسِي مَبْذولة لرضاك، أو هذه الكلمة وقعت خطابًا لسامع الكلام. وقال الكرمانيُّ ولفظ فداء ممدودٌ ومقصورٌ مرفوع ومنصوب.
(مَا اقْتَفَيْنَا) أي ما اتَّبعنا أمرَهُ، ومادته قاف وفاء. قال ابن بطَّال معناه اغفرْ لنا ما ارتكبنَا من الذُّنوب، وفداءً لك دعاء؛ أي افدنا من عقابك على ما اقترفنا من ذنوبنا، كأنَّه قال اغفرْ لنا وافدنَا فداءً لك؛ أي من عندك فلا تعاقبنا به.
وحاصله أنَّه جعل اللام للتبيين مثل {هَيْتَ لَكَ} [يوسف 23] .
وفي «المغازي» (( ما اتَّقينا ) )من الاتقاء، ومادته تاء وقاف؛ أي افدنا من عقابك ما اتَّقينا من الذنوب؛ أي ما تركناهُ مكتوبًا علينا، ويروى (( ما اقتنينا ) )من الاقتناء، ويروى (( ما أتينا ) )من الإتيان.
(وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا) العدو،
ج 26 ص 95
كقوله تعالى {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا} [البقرة 250] (( وألقين سكينة علينا ) )مثل قوله تعالى {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح 26] (إِنَّا إِذَا صِيْحَ بِنَا أَتَيْنَا) بكسر الصاد المهملة وسكون التَّحتية بعدها حاء مهملة؛ أي إذا دعينا للقتال أتينا (وَبِالصِّيَاحِ) بالصَّوت العالي والاستعانة (عَوَّلُوا عَلَيْنَا) أي حملوا علينا بالصِّياح لا بالشجاعة. قال الكرماني قد تقدم في (( الجهاد ) ) [خ¦2837] أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يقولها في حفرِ الخندق، وأنها من أراجيزِ ابن رواحة. ثمَّ أجاب بأنَّه لا منافاة في وقوع الأمرين ولا محذورَ أن يحدو الشَّخص بشعر غيره.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟ قَالُوا عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ، فَقَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (يَرْحَمُهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) هو عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه (وَجَبَتْ) له الشَّهادة (يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْلَا) أي هلا (أَمْتَعْتَنَا بِهِ) أي أبقيته لنا لنمتنعَ به، وفي رواية أبي ذرٍّ . قال أبو عمر كانوا قد عرفوا أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم إذا استغفرَ لأحد ودعا له بالرَّحمة عند الوقعة وفي المشاهد يستشهد البتة.
فلمَّا سمع عمر رضي الله عنه ذلك قال يا رسول الله، لو أمتعتنا بعامر؛ أي لو تركته لنا. فبارز يومئذٍ فرجعَ سيفه على ساقه فقطعَ أكحله فمات منها.
(قَالَ) سلمة (فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ) أي أهل خيبر (فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (مَخْمَصَةٌ) مجاعة (شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذِهِ النِّيرَانُ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا) نوقدها (عَلَى لَحْمٍ، قَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (عَلَى أَيِّ لَحْمٍ) أي على أي أنواع اللحوم؟
(قَالُوا عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ) بضمتين، جمع حمار (إِنْسِيَّةٍ) بكسر الهمزة وسكون النون، وفي رواية الكُشميهني باللام، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح الهمزة والنون(فَقَالَ
ج 26 ص 96
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْرِقُوهَا)بفتح الهمزة وسكون الهاء وبعد الراء المكسورة قاف من غير تحتية بينهما في الفرع، وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاط الهمزة وفتح الهاء وإثبات تحتية ساكنة بعد الراء ففي الرواية الأولى الهاء زائدة وفي الثَّانيَّة منقلبة عن الهمزة والأصل أريقوها؛ أي صبوها.
(وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يسمَّ أو هو عمرُ رضي الله عنه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ) بسكون الواو (نُهَرِيقُهَا) بضم النون وإثبات التَّحتية بعد الراء (وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (أَوْ ذَاكَ) بسكون الواو؛ أي الغسل (فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ) للقتال (كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ) أي ابن الأكوع (فِيهِ قِصَرٌ) بكسر القاف وفتح الصاد (فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا) وفي غزوة خيبر (( ساق يهودي ) ) [خ¦4196] .
(لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ) بالرفع على لفظ المضارع، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالفاء ولفظ الماضي (ذُبَابُ سَيْفِهِ) أي طرفه الأعلى أو حدُّه (فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ، فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا) أي رجعوا من خيبر (قَالَ سَلَمَةُ) بن الأكوع (رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاحِبًا) بالشين المعجمة وبعد الألف حاء مهملة مكسورة؛ أي متغير اللون، يقال شَحَب يَشْحَب شُحُوبًا، فهو شاحب. وفي «التَّوضيح» ولا يصح أن يكون بالجيم، كما قاله ابن التِّين، وليست هذه اللَّفظة في رواية (( المغازي ) ) [خ¦4196] .
(فَقَالَ لِي مَا لَكَ) متغيرًا؟ (فَقُلْتُ فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ) لكونه قتل نفسه (قَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (مَنْ قَالَهُ، قُلْتُ قَالَهُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ) ثلاثًا (وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ) بضم الهمزة و (( الحُضير ) )بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة، وفي رواية أبي ذرٍّ بدون اللام (الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ) أجر الجهد في الطَّاعة، وأجرُ الجهاد في سبيل الله (وَجَمَعَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) وقيل أحد الأجرين موته في سبيل الله، والآخر لما كان يحدوا به القوم من شعرهِ ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوهم.
ج 26 ص 97
(إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ) بكسر الهاء فيهما بلفظ اسم الفاعل الأول من الثلاثي، والثَّاني من المزيد فيه، والمعنى لجاهد في الأجر، ومجاهدٌ للمبالغة فيه؛ يعني إنه مبالغٌ في سبيل الله، وروي بلفظ الماضي في الأول، وبلفظ جمع المجهدة في الثَّاني.
(قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ) بالنون والشين المعجمة والهمزة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالميم والمعجمة والقصر (بِهَا) أي بالمدينة أو الحرب أو الأرض (مِثْلَهُ) أي مثل عامر.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ؛ لاشتمالهِ على الشِّعر والرَّجز والحُداء كما مرَّ.
وقد سبقَ الحديث في (( غزوةِ خيبر ) ) [خ¦4196] وبين المتنين بعضُ تفاوت بالزِّيادة والنُّقصان.
تذييل استُدلَّ بجواز الحُداء على جواز غناء الرُّكبان المسمَّى بالنَّصب، وهو ضربٌ من النَّشيد بصوتٍ فيه تمطيط، وأفرطَ قوم فاستدلوا به على جوازِ الغناء مطلقًا بالألحان التي تشتملُ على الموسيقى، وفيه نظرٌ.
وقال الماوردي اختلف فيه فأباحَهُ قوم مطلقًا، ومنعه قومٌ مطلقًا، وكرهه مالكٌ والشَّافعي في أصح القولين، ونُقِل عن أبي حنيفة المنع، وكذا أكثر الحنابلة، ونقلَ ابن طاهر في كتاب «السماع» الجواز عن جمع كثير من الصَّحابة لكن لم يثبتْ من ذلك شيء إلَّا في النَّصب المشار إليه أولًا.
قال ابنُ عبد البر الغناء الممنوع ما فيه تمطيطٌ وإفساد لوزن الشِّعر طلبًا للطَّرب وخروجًا عن مذاهب العرب، وإنما وردت الرُّخصة في الضَّرب الأول دون ألحانِ العجم.
وقال الماورديُّ هو الذي لم يزل أهل الحجاز يرخِّصون فيه من غيرِ نكيرٍ إلَّا في حالتِّين أن يكثر منه جدًا، وأن يصحبَه ما يمنع منه، واحتجَّ من أباحه بأنَّ فيه ترويحًا للنَّفس، فإن فعله ليقوى على الطَّاعة فهو مطيعٌ، أو على المعصيةِ فهو عاصٍ وإلَّا فهو مثل التَّنزه في البستان والتَّفرج على المارة، وأطنبَ الغزالي في الاستدلال.
ومحصِّله أنَّ الحداء بالرَّجز والشِّعر لم يزل يُفعل بالحضرةِ النَّبوية
ج 26 ص 98
وربما التمس ذلك وليس هو إلَّا أشعارٌ توزن بأصوات طيبة وألحان موزونة، وكذلك الغناء أشعارٌ موزونةٌ تؤدى بأصواتٍ مستلذَّة وألحان موزونة.
قال الحَليميُّ ومنه ما تعيَّن طريقًا إلى الدَّواء، أو شهدَ به طبيب عدلٌ عارفٌ، والله هو الموفِّق للحقِّ.
[1] في التوضيح فدىً بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة.