فهرس الكتاب

الصفحة 9426 من 11127

6326 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسي، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (اللَّيْثُ) هو ابن سعد الإمام (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ) من الزِّيادة، هو ابن أبي حبيب (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) اسمه مرثد بن عبد الله اليزني البصري، و (( مَرثد ) )بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله عنهما (عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) عبد الله بن عثمان رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِّمْنِي) قال ابن فَرْحون أي حفِّظني (دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي) جملة في محلِّ صفة (( دعاء ) )والعائد قوله (( به ) )، والضَّمير يعودُ على (( دعاء ) )، و (( في صلاتي ) )يتعلَّق بـ (( أدعو ) )لا بعلمني كما تُوهِّم لفساد المعنى.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا) بملابسة ما يوجب عقوبتها، أو ينقص حظَّها، وأصل الظُّلم وضع الشَّيء في غير موضعه، والنَّفس المراد بها هنا الذَّات المشتملة على الرُّوح، وإن كان بين العلماء خلافٌ في أنَّ النَّفس هي الرُّوح أو غيرها، حتَّى قيل إنَّ فيها ألف قولٍ، و (( ظلمًا ) )مصدر، و (( كثير ) )بالمثلثة نعتٌ له.

(وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ)

ج 26 ص 479

فليس لي حيلةٌ في دفعها، فأنا المفتقر إليك المضطر الموعود بالإجابة (فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ) الفاء للسببية (( واغفر ) )لفظه لفظ الأمر، ومعناه الدُّعاء، و (( إلَّا ) )إيجاب للنَّفي، وفائدة قوله (( من عندك ) )، وإن كان الكلُّ من عند الله، أنَّ من فضل الله مغفرته لا في مقابلة عملٍ، ولا بإيجاب على الله، وتفيد العنديَّة معنى القرب في المنزلة.

(وَارْحَمْنِي) عطف على سابقه (إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ) فعول بمعنى فاعل (الرَّحِيمُ) بمعنى راحم، وفي الكلام لفٌ ونشرٌ؛ لأنَّه طلب المغفرة لقوله (( اغفر لي ) )وطلب الرَّحمة لقوله (( وارحمني ) )فالتَّقدير اغفر لي إنَّك أنت الغفور، وارحمني إنَّك أنت الرَّحيم.

وفي الكلام حذف؛ لدَلالة ما تقدَّم عليه، فالتَّقدير ولا يغفرُ الذُّنوب إلَّا أنت ولا يرحم العباد إلَّا أنت، فحذف ولا يرحم العباد إلَّا أنت؛ لدَلالة وارحمني، ويحتمل أن يكون التَّقدير ولا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت فاغفرْ لي ولا يرحم العباد إلَّا أنت فارحمني.

قال الطَّبري في حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه دَلالة على ردِّ قول من زعم أنَّه لا يستحقُّ اسم الإيمان إلَّا من لا خطيئة له ولا ذنب؛ لأنَّ الصِّدِّيق رضي الله عنه أكبر أهل الإيمان، وقد علمه النَّبي صلى الله عليه وسلم قوله (( إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفرُ الذُّنوب إلَّا أنت ) ).

وقال الكرماني وهذا الدُّعاء من الجوامع، إذ فيه اعترافٌ بغاية التَّقصير، وهو كونه ظالمًا ظلمًا كثيرًا، وطلبُ غاية الإيمان الَّتي هي المغفرةُ والرَّحمة، إذ المغفرةُ ستر الذُّنوب ونحوها، والرَّحمة إيصالُ الخيرات، فالأوَّل عبارةٌ عن الزَّحزحة عن النَّار، والثَّاني إدخال الجنَّة، وهذا هو الفوز العظيم. وقيل إنَّه من أحسن الأدعية لا سيَّما في ترتيبه، فإنَّ فيه تقديم نداء الرَّب واستغاثته بقوله (( اللَّهمَّ ) )، ثمَّ الاعتراف بالذَّنب في قوله (( ظلمتُ نفسي ) )، ثمَّ الاعتراف بالتَّوحيد إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى مع ما اشتملَ عليه من التَّأكيد بقوله (( إنَّك أنت الغفور الرَّحيم ) )بكلمة (( إن ) )وضمير الفصل، وتعريف الخبر باللام، وبصيغة المبالغة.

ثمَّ إنَّ الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم

ج 26 ص 480

(( قل ) )يقتضي جواز الدُّعاء في الصَّلاة من غير تعيين محله، لكنَّه يخصص بالموضع اللَّائق بالدُّعاء، وعيَّنه بعضُهم في السُّجود لقوله صلى الله عليه وسلم (( أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا من الدُّعاء ) )رواه أبو هريرة رضي الله عنه رفعه. وقوله صلى الله عليه وسلم (( فأمَّا السُّجود فاجتهدوا فيه بالدُّعاء ) )، وعينه آخرون بعد التَّشهد لحديث (( ثمَّ ليتخيَّر بعد ذلك في المسألة ما شاءَ ) )رواه فَضَالة بن عُبيد عند أبي داود والتِّرمذي وصحَّحه. وفيه (( أنَّه أمر رجلًا بعد التَّشهد أن يثني على الله بما هو أهله، ثمَّ يصلِّي على النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثمَّ ليدعُ بما شاء ) )، ومحصِّل ما ثبتَ عنه صلى الله عليه وسلم من المواضع الَّتي كان يدعو فيها داخل الصَّلاة ستَّة مواطن

الأول عقبَ تكبيرة الإحرام، ففيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في «الصَّحيحين» (( اللَّهمَّ باعد بيني وبين خطاياي ) ). الحديث [خ¦744] .

الثَّاني في الاعتدال ففيه حديث ابن أبي أوفى عند مسلمٍ أنَّه كان يقول (( اللَّهمَّ طهِّرني بالثلج والبَرَد والماء البارد ) ).

الثَّالث في الرُّكوع، وفيه حديث عائشة رضي الله عنها (( كان يكثر أن يقولَ في ركوعه وسجوده سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللَّهمَّ اغفر لي ) ). أخرجاه.

الرَّابع في السُّجود وهو أكثرُ ما كان يدعو فيه وقد أَمَر به، كما مرَّ.

الخامس بين السَّجدتين (( اللَّهمَّ اغفر لي ) ).

السَّادس في التَّشهد، وهذا الأخير رجَّحه ابن دقيق العيد، ويؤيِّده أنَّ الأئمَّة كالبخاري [خ¦832 قبل] [خ¦834] والنَّسائي والبيهقي وغيرهم احتجُّوا بهذا الحديث للدُّعاء في آخر الصَّلاة.

وقال النَّووي إنَّه استدلَّال صحيحٌ، وقال الفاكهاني الجمع بينهما في المحلين؛ أي في السُّجود وآخر الصَّلاة أولى، وسيأتي أيضًا يدعو في القنوت، وفي حال القراءة إذا مرَّ بآية رحمة سألَ، وإذا مرَّ بآية عذابٍ استعاذ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى في أواخر (( الصَّلاة ) )في باب (( الدُّعاء قبل السَّلام ) ) [خ¦834] .

(وَقَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، هو ابن الحارث، وفي رواية أبي ذرٍّ بذكر أبيه (عَنْ يَزِيدَ) أي ابن أبي حبيب

ج 26 ص 481

(عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مرثد (إِنَّهُ) وثبت قوله (( إنَّه ) )في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) أي ابن العاص (قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهذا التَّعليق وصله البخاري في (( التَّوحيد ) )من رواية عبد الله بن وهب، عن عَمرو بن الحارث ولفظه (( أنَّ أبا بكر قال يا رسول الله ) )فذكره [خ¦7387] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت