فهرس الكتاب

الصفحة 9599 من 11127

6439 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى الأُويسي المدني، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بزيادة اللام (أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ) أي من ذهبٍ (وَلَنْ يَمْلأَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (فَاهُ) أي فمه (إِلاَّ التُّرَابُ) عبَّر في الأولى والثَّالثة بالجوف، وفي الثَّانية بالعين، وفي الأخيرة بالفم، وفي رواية حجاج بن محمد عن ابن جريجٍ (( بالنَّفس ) )كما عند الإسماعيليِّ، وعند أحمد من حديث أبي واقدٍ، عن زيد بن أرقم (( بالبطن ) ).

قال الكرمانيُّ ليس المراد الحقيقة في عضوٍ بعينه بقرينة عدمِ الانحصار في التُّراب؛ إذ غيره يملأه أيضًا، بل هو كنايةٌ عن الموت؛ لأنَّه مستلزمٌ للامتلاء، فكأنَّه لا يشبع من الدُّنيا حتَّى يموتَ، فالغرضُ من العبارات كلِّها واحدٌ، وليس فيها إلَّا التَّفنُّن في الكلام.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وهذا يحسن إذا اختلفتْ مخارج الحديث، وأمَّا إذا اتَّحدت فهو من تصرُّف الرُّواة، ثمَّ نسبة الامتلاء للجوفِ واضحةٌ، والبطن بمعناه،

ج 27 ص 100

وأمَّا النَّفس فعبَّر بها عن الذَّات وأطلقَ الذَّات، وأراد البطنَ من باب إطلاق الكلِّ وإرادة البعض، وأمَّا النِّسبة إلى الفم فلكونه طريق الوصولِ إلى الجوف.

ويحتمل أن يكون المرادُ بالنَّفس العين، وأمَّا العين فلأنَّها الأصل في الطَّلب؛ لأنَّه يرى ما يُعجبه فيطلبه، ليحوزه إليه وخصَّ البطنَ في أكثر الرِّوايات لأنَّ أكثر ما يُطلب المال لتحصيلِ المستلذَّات وأكثرها تكرارًا للأكل والشُّرب.

(وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ) قال الطِّيبي يمكن أن يكون معناه أنَّ الآدميَّ مجبولٌ على حبِّ المال والسَّعي في طلبهِ، وأنَّه لا يشبعُ من جمعه إلَّا من عصمَهُ الله تعالى ووفقه لإزالةِ هذه الجبلَّة عن نفسه، وقليلٌ ما هُمْ، فوضع (( ويتوب ) )موضعه إشعارًا بأنَّ هذه الجبلة المركوزة فيه مذمومةٌ جاريةٌ مجرى الذَّنب، وإنَّ إزالتها ممكنةٌ بتوفيقِ الله تعالى وتسديدِهِ، ونحوه قوله تعالى {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر 9] ففي إضافةِ الشُّح إلى النَّفس دَلالةٌ على أنَّه غريزيَّة فيها، وفي قوله {وَمَنْ يُوقَ} [التغابن 16] إشارةٌ إلى إمكان إزالة ذلك ثمَّ رتَّب الفلَاح على ذلك.

ثمَّ إنَّ في ذكر التُّراب تلويحًا إلى ابن آدم مخلوقٌ من التُّراب ومن طبعه القبض واليبس، وإنَّ إزالته ممكنةٌ بأن يمطرَ الله تعالى عليه السَّحاب من غمائم توفيقهِ، ويصلحه حتَّى يثمرَ الخلال الزَّكية والخصال المرضيَّة، قال تعالى {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف 58] فمن لم يدركه التَّوفيق وتركه وحرصَه لم يزدد إلَّا حرصًا وتهالكًا على جمعِ المال، قال فوقع قوله (( ويتوبُ الله على مَن تاب ) )موقع الرُّجوع والاستدراك؛ يعني أنَّ ذلك لَعسيرٍ صعبٍ ولكن يسيرٌ على من يسَّره الله عليه، فحقيقٌ أن لا يكون هذا من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر.

وفي أحاديث الباب ذمُّ الحرص والشَّرَه، ولذا آثر أكثر السَّلف التَّقلل من الدُّنيا، والقناعة والرِّضا باليسير، والله تعالى هو الموفِّق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت