6448 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير بن عيسى، نُسب إلى أحد أجداده حُميد، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيينة، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمةَ (قَالَ عُدْنَا) بضم العين المهملة، من العيادة (خَبَّابًا) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى؛ أي وكان مريضًا (فَقَالَ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلى المدينةِ؛ أي بأمره وإذنهِ، والمراد بالمعيَّة الاشتراك في حكم الهجرة، إذ لم يكن معه صلى الله عليه وسلم حينئذٍ إلَّا الصدِّيق، وعامر بن فُهيرة.
(نُرِيدُ) ويروى (وَجْهَ اللَّهِ) أي جهة ما عنده من الثَّواب لا جهة الدُّنيا (فَوَقَعَ أَجْرُنَا) أي أثابتنا وجزاؤُنا (عَلَى اللَّهِ) وفي رواية الثَّوري، كما مضى في «الهجرة» عن الأعمش (( فوجب ) ) [خ¦4047] . قال الكرمانيُّ أي ثبت أجرنا على الله كالشَّيء الواجب، أو ثبت يإيجابه على نفسه بحسب وعدهِ الصَّادق، وإلَّا فلا يجبُ على الله شيءٌ.
(فَمِنَّا) أي من الَّذين هاجروا (مَنْ مَضَى) أي مات (لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شيئًا) وفي الرِّواية المتقدِّمة في «الجنائز» (( فمنَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ) ) [خ¦1276] أي من عرَض الدُّنيا من الغنائم لكونه مات قبل الفتوح، فإن قيل الأجرُ ثواب الآخرة.
فالجواب أنَّ نِعَم الدُّنيا أيضًا من الأجر، ويقال إطلاقُ الأجر على المال في الدُّنيا بطريقِ المجاز بالنِّسبة لثواب الآخرة، وذلك لأنَّ القصد الأوَّل ما تقدَّم، فمنهم من مات قبل الفتوح كمصعب بن عُميرٍ، ومنهم من عاش إلى أن فتحَ عليهم، ثمَّ انقسموا، فمنهم من أعرضَ عنه وواسى به المحاويج أوَّلًا فأوَّلًا بحيث بقي على تلك الحالة الأولى، وهم
ج 27 ص 142
قليلٌ منهم أبو ذرٍّ رضي الله عنه وهؤلاء ملحقون بالقسم الأوَّل، ومنهم من تبسَّطَ في بعض المباح فيما يتعلَّق بكثرة النَّساء والسَّراري أو الخدم والملابس ونحو ذلك، ولم يستكثروهم كثيرٌ، ومنهم ابن عمر رضي الله عنهما، ومنهم من زادَ فاستكثرَ بالتِّجارة وغيرها مع القيام بالحقوقِ الواجبة والمندوبة وهم كثيرٌ أيضًا منهم عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه.
وإلى هذين القسمين أشار خبَّاب، والقسم الأوَّل وما التحقَ به يوفَّر له أجره في الآخرة، والقسم الثَّاني مقتضى الخبر أنَّه يُحسب عليهم ما وصل إليهم من مال الدُّنيا من ثوابهم في الآخرة، ويؤيِّده ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رفعه (( ما مِن غازيةٍ تغزوا فتنعم وتَسْلَم إلَّا تعجَّلوا أجرهم ) )، ومن ثمَّة كثيرٌ من السَّلف اختاروا قلَّة المال وقنعوا به إمَّا ليوفِّر ثوابهم في الآخرة، وإمَّا ليكون أقل لحسابهم عليه.
(مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بصيغة التَّصغير، هو ابنُ هاشم بن عبد منافِ بن عبد الدَّار بن قُصي يجتمعُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصي، وكان يُكنى أبا عبد الله من السَّابقين في الإسلام وإلى هجرة المدينةِ. قال البراء أوَّل مَن قدِم علينا مُصعب بن عُمير وابن أمِّ مكتوم، وكانا يقرآن القرآن أخرجه المصنِّف في أوائل «الهجرة» [خ¦3924] .
وذكر ابن إسحاق أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أرسله مع أهل العقبة الأولى يُقرئهم ويُعلِّمهم، وكان مصعب وهو بمكَّة في ثروةٍ ونعمةٍ، فلمَّا هاجر صار في قلَّة، فأخرج التِّرمذي من طريق محمد بن كعب حدَّثني من سمع عليًّا رضي الله عنه يقول بينا نحن في المسجد إذ دخلَ علينا مصعب بن عُمير وما عليه إلَّا بُردة له مرقوعة بفروةٍ، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا رآه للَّذي كان فيه من النَّعيم والَّذي هو فيه اليوم.
(قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) أي شهيدًا، وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، ثبت ذلك في مرسل عُبيد بن عُمير بسندٍ صحيحٍ عند ابن المبارك في «كتاب الجهاد» رُوي أنَّه قتله عبد الله بن قَمئة (وَتَرَكَ نَمِرَةً) بفتح النون
ج 27 ص 143
وكسر الميم ثم راء، هي إزارٌ من صوفٍ مخطَّط أو بردة فلم نجد ما نكفِّنه به سواها (فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ) بها (بَدَتْ) أي ظهرت (رِجْلاَهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا) بها (رِجْلَه) بالإفراد، والَّذي في اليونينيَّة بالتثنية (بَدَا رَأْسُهُ) لقِصَرها (فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ) بطرفها (وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ) بالتثنية (شَيْئًا مِنَ الإِذْخِرِ) وسقط «شيئًا» في رواية غير أبي ذرٍّ، والإِذْخِر _ بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين _ النَّبتُ الحجازي المعروف (وَمِنَّا) أي من المهاجرين (مَنْ أَيْنَعَتْ) بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح النون والمهملة؛ أي أدركت وانتهت وحان قطافُها، واليانع النَّضيج، ويروى بدون الهمزة وهي لغةٌ. قال الفرَّاء أينعت أكثر.
(لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدبُهَا) بفتح أوله وسكون الهاء وكسر الدال المهملة وضمها بعدها موحدة؛ أي يقطُفها ويجتنيها. قال ابن بطَّال في الحديث فضيلة مصعب بن عميرٍ، وما كان عليه من الحال، وفيه أنَّ الصَّبر على مُكابدة الفقر وصعوبتهُ من منازل الأبرار، وفيه أنَّ الكفنَ يكون ساترًا لجميع البدن، وأنَّ الميِّت يصير كله عورة، ويحتمل أن يكون ذلكَ بطريق الكمال.
ثمَّ قال ابن بطَّال ليس في حديث خبَّاب تفضيلُ الفقر على الغِنى، وإنَّما فيه أنَّ هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها ولا نعمةٍ يتعجَّلونها، وإنَّما كانت لله خالصةً ليثيبهم عليها في الآخرة، فمَن مات منهم قبل فتح البلاد يوفَّر له ثوابه، ومن بقي حتَّى نال من طيِّبات الدُّنيا خشي أن يكون عُجِّل لهم أجر طاعتهم، وكانوا على نعيمِ الآخرة أحرص.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قصَّة مصعب بن عمير رضي الله عنه، وقد مضى الحديث في «الجنائز» ، في باب «إذا لم يجد كفنًا إلَّا ما يواري رأسه» [خ¦1276] .