6465 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) أي ابن البِرِنْد، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين؛ أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهري من جلَّة التَّابعين وفقهائهم وصالحيهم، وكان قاضي المدينة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضم السين على البناء للمفعول، ولم يُعرف اسمُ السَّائل (أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) فإن قيل المسؤول عنه حبُّ الأعمال، وظاهره السُّؤال عن ذات العمل، والجواب ورد بـ «أدوم» وهو صفة العمل، فلم يتطابقا.
فالجواب أنَّه يحتمل أن يكون هذا السُّؤال بعد قوله في الحديث السَّابق [خ¦527]
ج 27 ص 180
في الصَّلاة، وفي الحجِّ، وفي برِّ الوالدين، حيث أجاب بالصَّلاة، ثمَّ بالبر ... إلى آخره، ثمَّ ختم ذلك بأنَّ المداومة على عملٍ من أعمال البرِّ، ولو كان مفضولًا أحبَّ إلى الله من عملٍ يكون أعظم أجرًا لكن ليس فيه مداومة، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم بالسَّند السَّابق (اكْلَفُوا) بفتح اللام وضمها، قال ابنُ التين هو في اللُّغة بالفتح، ورويناه بالضَّم، والمراد به الإبلاغ بالشَّيء إلى غايته، يقال كلفتُ بالشَّيء كلفًا إذا أولعتَ به. ونقل بعض الشُّرَّاح أنَّه روي بفتح الهمزة وكسر اللام من الرُّباعي ورد بأنَّه لم يُسمع أكلف بالشَّيء، قاله الحافظ العسقلانيُّ. وتعقَّبه العينيُّ بأن الظَّاهر أنَّه أراد ببعض الشُّراح الكرماني، ولم يقل الكرماني أكلفه بالشَّيء، وإنَّما قال أكلفه غيرهنَّ، ومعناه أكلفه الشَّيء بدون الباء.
وقال المحبُّ الطَّبري الكلف بالشَّيء التَّولُّع به، فاستعيرَ للعمل بالالتزام والملابسة وألفه ألف وصلٍ. والحكمة في ذلك أنَّ المديم للعمل يلازم الخدمة فيكثر التَّردد إلى باب الطَّاعة كل وقتٍ ليجازى بالبرِّ لكثرة تردُّده فليس هو كمَن لازم الخدمة مثلًا ثمَّ انقطع.
وأيضًا فإنَّ العامل إذا ترك العمل صار كالمُعرِض بعد الموصل، فيتعرَّض للذَّم والجفاء، ومن ثمَّة ورد الوعيد في حقِّ من حفظ القرآن، ثمَّ نسيه.
(مِنَ الأَعْمَالِ) كالصَّلاة والصِّيام وغيرهما من العبادات (مَا تُطِيقُونَ) «ما» مصدريَّة؛ أي قدر طاقتكم، أو موصولة؛ أي الَّذي تطيقونه. والحاصل أنَّه أمرٌ بالجدِّ في العبادة والإبلاغ بها إلى حدِّ النِّهاية، لكن يُقيَّد بما لا يقع معه المشقَّة المؤدِّية إلى السَّآمة والملال.
وقال العينيُّ فيه إشارةٌ إلى بذل المجهود وغاية السَّعي، وهو خلاف المقصود، وأجيب بأنَّ المراد ما تطيقون عليه دائمًا ولا تعجزون عنه في المستقبل، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، قال العينيُّ وكان ينبغي أن يقدِّم هذا الحديث على الحديث الَّذي قبله؛ لأنَّه خرج هذا مخرج جواب سؤالهم أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله، فليتأمَّل.