6511 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (صَدَقَةُ) هو ابنُ الفضل المروزي قال (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح المهملة وسكون الموحدة، هو ابن سليمان (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ) هم سكَّان البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجةٍ، والعرب اسمٌ لهذا الجيل المعروف من النَّاس، ولا واحد له من لفظه، وسواءٌ أقام بالبادية أو المدن، والنِّسبة إليهما أعرابيٌّ وعربيٌّ.
وقال الجوهريُّ ليس الأعراب جمعًا للعرب، كما أنَّ الأنباط جمع نبط، إنَّما العرب اسم جنسٍ، وقال الحافظ العَسقلاني لم أقف على أسماء تلك الرِّجال.
(جُفَاةً) بضم الجيم في رواية الأكثر، وفي رواية بعضهم بالمهملة، وإنَّما وصفهم
ج 27 ص 314
بذلك إمَّا على رواية الجيم، وهو جمع جاف من الجفاء، فلأنَّ سكَّان البوادي يغلبُ عليهم الشَّظف وخشونة العيش، وغلظ الطَّبع لقلَّة مخالطة النَّاس، فتجفوا أخلاقهم، وأمَّا على رواية الحاء المهملة فلقلَّة اعتنائهم بالملابسِ والفُرش، وهم يمشون بلا شيءٍ في أرجلهم.
(يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ مَتَى السَّاعَةُ) تقوم؟ وفي رواية عائشة رضي الله عنها من طريق أسامة عن هشام كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن السَّاعة متى السَّاعة، وكان ذلك لمَّا طرق بأسماعهم من تكرارِ اقترابها في القرآن، فأرادوا أن يعرفوا تعيين وقتها (فَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ) وفي رواية مسلم (( فينظر على أحدث إنسانٍ فيهم، فقال ... إلى آخره ) )، وفي رواية عُبيدة أنَّ رجلًا سألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تقوم السَّاعة.
وفي رواية مسلم من حديث أنسٍ رضي الله عنه (( وعنده غلامٌ من الأنصار، يقال له محمَّد ) )، وفي أخرى له (( وعنده غلامٌ من أزد شنوءة ) )وفي أخرى (( له غلامٌ للمغيرة بن شعبة وكان من أقراني ) )، ولا مغايرة بينهما. وطريق الجمع بينهما أنَّه كان من أزد شنوءة، وكان حليفًا للأنصار، وكان يخدم المغيرة.
وقوله (( وكان من أقراني ) )، وفي رواية (( من أترابي ) )يريد في السِّن، وكان سنُّ أنسٍ رضي الله عنه حينئذٍ نحو سبع عشرة سنة.
(فَيَقُولُ إِنْ يَعِشْ هَذَا) الأحدث سنًّا (لاَ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ) بجزم «يدرك» جواب الشَّرط (حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ، قالَ هِشَامٌ) هو ابنُ عروة راوي الحديث، وهو موصولٌ بالسَّند المذكور (يَعْنِي) بقوله «ساعتكُم» (مَوْتَهُمْ) لأنَّ ساعة كلِّ إنسانٍ موته، فهي السَّاعة الصُّغرى لا الكبرى التي هي بعث النَّاس للمحاسبة، ولا الوسطى التي هي موتُ أهل القرن الواحد.
قال الكرمانيُّ يريد بساعتهم موتهم وانقراض عصرهم، إذ من مات فقد قامت قيامته، وكيف والقيامة الكبرى لا يعلمُها إلَّا الله. وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه (( حتَّى تقوم السَّاعة ) ). وقال القاضي عياض حديث عائشة رضي الله عنها هذا مفسِّر لحديث أنسٍ رضي الله عنه،
ج 27 ص 315
وأنَّ المرادَ ساعة المخاطبين، وهو نظير قوله (( أرأيتكُم [ليلتكم] هذه، فإنَّ على رأس مائة سنةٍ منها لا يبقى على وجهِ الأرض ممَّن هو عليها الآن أحد ) ).
وقد تقدَّم في «كتاب العلم» [خ¦116] أنَّ المراد بانقراض ذلك القرن، وأنَّ من كان في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا مضت مائة سنةٍ من تلك المقالة لا يبقى منهم أحدٌ ووقع الأمر كذلك، فإنَّ آخر من بقي ممَّن رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم أبو الطُّفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه كما جزم به مسلم وغيره، وكانت وفاته سنة عشر ومائة من الهجرة، وذلك عند رأس مائةٍ من تلك المقالة. وقيل كانت وفاته قبل ذلك، فإن كان كذلك فيحتمل أن يكون تأخَّر بعده بعض من أدرك الزَّمان، وإن لم يثبت أنَّه رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبه احتجَّ جماعةٌ من المحقِّقين على كذب من ادَّعى الصُّحبة، أو الرِّواية ممَّن تأخَّر عن ذلك.
قال الرَّاغب السَّاعة جزءٌ من الزَّمان، ويعبَّر بها عن القيامة تشبيهًا بتلك السَّاعة لسرعة الحساب قال الله تعالى {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام 62] أو لِمَّا نبَّه عليه تعالى في قوله {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ} [الأحقاف 35] أطلقت السَّاعة على ثلاثة أشياء
الكبرى وهي بعث النَّاس للمحاسبة.
والوسطى وهي موت أهل القرن الواحد، نحو ما رُوي أنَّه صلى الله عليه وسلم رأى عبد الله بن أُنيسٍ فقال «إن يطُل عمر هذا الغلام لم يمت حتَّى تقوم السَّاعة» ، فنقل أنَّه آخر من مات من الصَّحابة، فساعة كلِّ إنسانٍ موته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم عند هبوب الرِّيح (( تخوَّفت السَّاعة ) )يعني موته، انتهى.
قال الحافظ العَسقلاني وما ذكره عن عبد الله بن أُنيس لم أقف عليه، ولا هو آخر من مات من الصَّحابة جزمًا.
قال الكرمانيُّ فإن قلت السُّؤال عن الكبرى، والجواب بالصُّغرى، فلا مطابقة، قلت هذا الجواب من أسلوب الحكيم، معناه دعوا السُّؤال عن وقت القيامة الكبرى، فإنَّها لا يعلمها إلَّا الله عزَّ وجلَّ، واسألوا عن الوقت الذي يقع فيه انقراض عصركم، فهو أولى لكم؛
ج 27 ص 316
لأنَّ معرفتكم به تنفعكم وتبعثكم على ملازمة العمل الصَّالح قبل فوته؛ لأنَّ أحدكم لم يدري من الذي يسبق الآخر.
وقال الدَّاودي هذا الجواب من معاريض الكلام، فإنَّه لو قال لهم لا أدري ابتداءً مع ما هم فيه من الجفاء، وقبل تمكُّن الإيمان في قلوبهم لارتابوا، فعدل إلى إعلامهم بالوقت الذي ينقرضون فيه، ولو كان الإيمان تمكَّن في قلوبهم لأفصح المرادَ.
وقال ابن الجوزيِّ كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يتكلَّم بأشياء على سبيل القياس، وهو دليلٌ معمولٌ به، فكأنَّه لمَّا نزلت عليه الآيات في تقريب السَّاعة كقوله تعالى {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل 1] {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل 77] حمل ذلك على أنَّها لا تزيد على مضي قرنٍ واحدٍ، ثمَّ قال في الدَّجال (( إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه ) )فجوَّز خروج الدَّجال في حياته، قال وفيه وجهٌ آخر، فذكر نحو ما تقدَّم.
قال الحافظ العسقلانيُّ والاحتمال الأوَّل الَّذي أبداه بعيد جدًّا، والَّذي قبله هو المعتمد، وقيل هو تمثيلٌ لقرب السَّاعة لا يُراد بها حقيقة قيامها، إذ الهرم لا حدَّ له، أو علم صلى الله عليه وسلم أنَّ ذلك المشار إليه لا يعمَّر ولا يعيش، هذا وقد أخبر صلى الله عليه وسلم في أحاديث أُخر حدَّث بها خواصَّ الصَّحابة رضي الله عنهم تدلُّ على أنَّ بين يدي السَّاعة أمورًا عظامًا، كما سيأتي بعضهًا صريحًا وإشارةً، ومضى بعضها في «علامات النُّبوة» ، [خ¦3591 وما بعده] والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة يمكن أن تؤخذ من قوله «يعني موتهم» ، لأنَّ كلَّ موتٍ فيه سكرةٌ.
والحديث من أفراده، ونظيره مضى في «كتاب الأدب» من حديث أنسٍ رضي الله عنه في «باب ما جاء في قول الرَّجل ويلك» [خ¦6167] .