6623 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن عارم بن الفضل، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم الأزدي الأزرق، أحدُ الأعلام (عَنْ غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، وفتح الجيم، جَرير الأزدي البصري من صغار التَّابعين (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة، اسمه الحارث أو عامر (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه (قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ) رجال دون العشرة (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع أشعري، نسبةً إلى الأشعر بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وإنَّما قيل له الأشعر؛ لأنَّ أمَّه ولدته أشعر (أَسْتَحْمِلُهُ) أي أطلب منه ما يحملنا من الإبل ويحمل أثقالنا، وذلك كان في غزوة تبوك، كما قال الله تعالى {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة 92] الآية.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَاللَّهِ لاَ أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ قالَ) أبو موسى رضي الله عنه (ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ) على البناء للمفعول؛ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (بِثَلاَثِ ذَوْدٍ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، ما بين الثَّلاث إلى العشرة.
وقال أبو عبيد هي من الإناث، فلذا قال «بثلاث ذودٍ» ولم يقل بثلاثة ذودٍ، ليس لها واحدٌ من لفظها، والكثير أذواد. وقيل الزَّود الواحد من الإبل بدليل قوله «ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة. وقال القزَّاز العرب تقول الذَّود من الثَّلاثة إلى التسعة» .
(غُرِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، جمع أغر، وهو الأبيض الحسن، والذُّرَى _ بضم الذال المعجمة وفتح الراء _ جمع ذروة _ بالكسر والضم _ وذُروة كلِّ شيءٍ أعلاه، والمراد هنا الأسنمة، وقد تقدَّم في كتاب «الجهاد» في باب «الخمس في غزوة تبوك» [خ¦4415] أنَّه بستة أبعرةٍ ولا منافاة بينهما، إذ ليس في ذكر الثَّلاث نفي السِّتَّة (فَحَمَلَنَا) بفتح اللام؛ أي حملنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهَا، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا، أَوْ قَالَ بَعْضُنَا وَاللَّهِ لاَ يُبَارَكُ لَنَا) فيها (أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللام
ج 28 ص 8
(فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُذَكِّرُهُ) بضم النون وكسر الكاف مشددة بيمينه (فَأَتَيْنَاهُ) فذكرنا له.
(فَقَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (حَمَلَكُمْ) يعني لا معطي إلا الله، وإنَّما أعطيتكم من مال الله، أو بأمر الله؛ لأنَّه كان يعطي بالوحي (وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) منها (أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي) شكٌّ من الرَّاوي في تقديم «أتيت» على «كَفَّرت» وبالعكس، وإمَّا تنويعٌ من الشَّارع صلى الله عليه وسلم إشارة إلى جواز تقديم الكفَّارة على الحنث وتأخيرها، والمعنى لا أحلف على موجب يمينٍ؛ لأنَّ اليمين توجبه.
والموجب هو الَّذي انعقدَ عليه الحلف، وخبر إن «جملة لا أحلفُ» ، وجواب القسم محذوف سدَّ مسده خبر إن، ويحتمل أن يكون «لا أحلف» جواب القسم، وخبر إن القسم وجوابه وإن شاء الله جملة معترضة لا محلَّ لها، وقدّم استثناء المشيئة، وكان موضعها عقب جواب القسم، وذلك أنَّ جواب القسم جاء بلا وعقبه الاستثناء بإلَّا، فلو تأخَّر استثناء المشيئة حتَّى يجيء الكلام والله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا أتيت الَّذي هو خيرٌ إن شاء الله؛ لاحتمل أن يرجعَ إلى قوله أتيت، أو إلى قوله هو خير فلمَّا قدمه انتفى هذا التَّخيُّل، وأيضًا ففي تقديمه اهتمام به؛ لأنَّه استثناءٌ مأمورٌ به شرعًا، وينبغي أن يبادرَ بالمأمور به، والتَّعليق بالمشيئة هنا الظَّاهر أنَّه للتَّبرُّك، وإلَّا فحقيقته ترفعُ القسم المقصود هنا لتأكيد الحكم وتقريره، فتأمل.
ومطابقة الحديث للترجمة تفهم من معنى الحديث.
وقد أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «كفارات الأيمان» [خ¦6718] ، وسبق مطولًا في كتاب «الخمس» [خ¦3133] ، وأخرجه مسلم في الأيمان، وكذا أبو داود، والنسائي، وأخرجه ابن ماجه في الكفارات.