فهرس الكتاب

الصفحة 9833 من 11127

6624 - 6625 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ راهويه، كما جزم به أبو نُعيم في «مستخرجه» ، أو هو ابنُ نصر؛ لأنَّ كلًّا منهما روى عن عبد الرَّزَّاق، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي ابن همام بن نافع،

ج 28 ص 9

أحدُ الأعلام، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الصَّنعاني، أنَّه (قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي رواية أبي ذر (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ نَحْنُ الآخِرُونَ) أي المتأخِّرون وجودًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) الأمم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في الحساب ودخول الجنَّة.

- (فَقَالَ) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالواو (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ؛ لَأَنْ يَلَجَّ) بفتح اللام، وهي لتأكيد القسم، ويَلَج _ بفتح التحتية واللام والجيم المشددة _ من اللِّجَاج، وهو الإصرار على الشَّيء مطلقًا. وفي «الصحاح» لَجِجتَ _ بالكسر _ يلج لَجاحًا ولَجاجة، ولَجَجت _ بالفتح _ لغة؛ أي لأن يتمادى (أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ) الَّذي حلفه (فِي أَهْلِهِ) أي في أمرٍ بسبب أهله؛ يعني إذا حلف يمينًا تتعلق بأهله، ويتضرَّرون بعدم حنثه، ولا يكون في الحنث معصيةٌ، وأقام عليها ولا يكفرها، فقال لا أحنث وأخاف الإثم، فهو مخطئٌ بل هو.

(آثَمُ) بفتح الهمزة ممدودة والمثلثة، أشد إثمًا (عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ) قال النَّوويُّ إنَّ من حلف يمينًا تتعلَّق بأهله بحيث يتضرَّرون بعدم حنثهِ فيه، فينبغي له أن يحنثَ ويفعلُ ذلك [الشيء] ويكفِّر، فإن تورَّع عن ارتكابِ الحنث خشية الإثم، فهو مخطئٌ بهذا القول، بل استمرارهُ على عدم الحنث وإدامة الضَّرر لأهله أكثر إثمًا من الحنث.

وأمَّا قوله «آثم» بصيغة [أفعل] التَّفضيل فهو لقصد مقابلة اللَّفظ على زعم الحالف أو توهُّمه، فإنَّه يتوهَّم أنَّ عليه إثمًا في الحنث مع أنَّه لا إثم عليه، فيُقال له الإثم من اللَّجاج أكثر من الإثم في الحنث.

وقال البيضاوي رحمه الله المراد أنَّ الرَّجل إذا حلف على شيءٍ تتعلَّق بأهله، وأصرَّ عليه كان أدخل في الوزر، وأفضى إلى الإثم من الحنث؛ لأنَّه جعلَ الله عرضةً لأيمانهِ وقد نُهي عن ذلك. قال وآثم اسم تفضيل، وأصله أن يُطلقَ على اللاج في الإثم، فأُطلقَ في موجب الإثم، وهو اللَّجاج اتساعًا. قال وقيل معناه إن كان يتحرَّج من الحنث خشية الإثم، ويرى ذلك، فاللَّجاج أيضًا إثمٌ على زعمه وحسابه.

وقال الطِّيبي لا يبعد أن تخرجُ أفعل في أبواب إعطاء الكفَّارة من بابه. وأجاب الكرماني بأنَّ نفس الحنث فيه إثمٌ؛ لأنَّه يستلزمُ عدم تعظيمِ اسم الله تعالى،

ج 28 ص 10

وبين إعطاء الكفَّارة وبين الحنث ملازمة عادة.

قال الطِّيبي وفائدة ذكر الأهل في هذا المقام للمبالغة إذ الضَّرر في حقِّهم أشد. وقال القاضي عياض في الحديث أنَّ الكفَّارة على الحانث فرضٌ، قال ومعنى «أن يلجَ» أن يُقيم على ترك الكفَّارة. وقال الحافظ العسقلاني كذا قال، والصَّواب على ترك الحنث؛ لأنَّه بذلك يقعُ التَّمادي على حكم اليمين، وبه يقع الضَّرر على المحلوف عليه. انتهى فتذكر.

وقال ابنُ المنير وهذا من جوامع الكلم وبديعهِ، ووجهه أنَّه إنَّما تحرَّجوا من الحنث والخلف بعد الوعد المؤكَّد باليمين، وكان القياس يقتضِي أن يُقال لجاج أحدهم آثم له من الحنث، ولكنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عدلَ عن ذلك إلى ما هو لازم الحنث وهو الكفَّارة؛ لأنَّ المقابلة بينها وبين اللَّجاج أفحم للخصم، وأدلُّ على سوءِ نظر المتنطع الَّذي اعتقدَ أنَّه تحرَّج من الإثم، وإنَّما تحرَّج من الطَّاعة والصَّدقة والإحسان، وكلُّها تجتمع في الكفَّارة، ولهذا عظم شأنها بقوله «الَّتي افترضَ الله عليه» ، وإذا صحَّ أنَّ الكفَّارة خيرٌ له، ومن لوازمها الحنث صحَّ أنَّ الحنث خيرٌ له من أن يُقيم في قطيعة أهله ورحمه بسبب يمينه التي حلفها على تركِ برهم، ولجاجه آثم له عند الله من الكفَّارة التي من لوازمها الحنث. انتهى.

وفي الحديث أنَّ الحنثَ في اليمين أفضل من التَّمادي إذا كان في الحنث مصلحةٌ، ويختلفُ باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلفَ على ارتكاب معصيةٍ كترك واجبٍ عينيٍّ، أو فعل حرام لزمه حنثٌ وكفَّارة إذا لم يكن له طريقٌ سواه، وإلَّا فلا كما لو حلف لا ينفق على زوجته، فإنَّ له طريقًا بأن يقرضَهَا ثمَّ يبرئها؛ لأنَّ الغرض حاصلٌ مع بقاء التَّعظيم، ولو حلف على ترك مباحٍ، أو فعله كدخول دار وأكل طعام ولبس ثوب سُن ترك حنثهِ لما فيه من تعظيم اسم الله، نعم إن تعلَّق بفعله، أو تركه غرضٌ دينيٌّ كأن حلفَ أن لا يأكلَ طيِّبًا ولا يلبس ناعمًا، فقيل يمينٌ مكروهة، وقيل يمين طاعةٍ اتِّباعًا للسَّلف في خشونةِ العيش. وقيل يختلف باختلاف أحوال النَّاس وقصودهم.

قال الرَّافعي والنَّووي وهو الأصوبُ، ولو حلف

ج 28 ص 11

على ترك مندوبٍ كسنة ظهر، أو فعل مكروه فالحنث مستحبٌّ، والتَّمادي مكروهٌ، وعليه بالحنث كفارة.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( لأن يلج أحدكم ... ) )إلى آخره.

تنبيه قوله (( نحن الآخرون السَّابقون ) )طرفٌ من حديثٍ آخر [1] من غير هذا الوجه عن أبي هريرة رضي الله عنه في أوَّل كتاب «الجمعة» [خ¦876] ، وقد كرَّر البخاري هذا القدر في بعض الأحاديث التي أخرجها من (( صحيفة همام ) )من رواية مَعمر عنه، والسَّبب فيه أنَّ حديث (( نحن الآخرون ) )، هو أوَّل حديثٍ في النُّسخة، وكان همام يعطفُ عليه بقيَّة الأحاديث بقوله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[1] في القسطلاني (سبق)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت