9 -عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها"
فليغرسها"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 11:
( عن أنس )
رواه الإمام أحمد ( 3 / 183 ، 184 ، 191 ) و كذا الطيالسي ( رقم 2068 )
و البخاري في"الأدب المفرد" ( رقم 479 ) و ابن الأعرابي في"معجمه"
( ق 21 / 1 ) عن هشام بن زيد عنه .
و هذا سند صحيح على شرط مسلم ، و تابعه يحيى بن سعيد عن أنس . أخرجه ابن عدي
في"الكامل" ( 316 / 1 ) .
و أورده الهيثمي في"المجمع" ( 63 / 4 ) مختصرا و قال:
"رواه البزار و رجاله أثبات ثقات".
و فاته أنه في"مسند أحمد"بأتم منه كما ذكرناه .
( الفسيلة ) هي النخلة الصغيرة و هي ( الودية ) .
و لا أدل على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة ، لاسيما الحديث
الأخير منها فإن فيه ترغيبا عظيما على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع
ما ينتفع به الناس بعد موته فيجري له أجره و تكتب له صدقته إلى يوم القيامة .
و قد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله"باب اصطناع المال"ثم روى عن
الحارث بن لقيط قال: كان الرجل منا تنتج فرسه فينحرها فيقول: أنا أعيش حتى
أركب هذه ؟
فجاءنا كتاب عمر: أن أصلحوا ما رزقكم الله ، فإن في الأمر تنفسا .@
و سنده صحيح .
و روى أيضا بسند صحيح عن داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: إن سمعت بالدجال
قد خرج و أنت على ودية تغرسها ، فلا تعجل أن تصلحه ، فإن للناس بعد ذلك عيشا .
و داود هذا هو ابن أبي داود الأنصاري قال الحافظ فيه:"مقبول".
و روى ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول
لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك ؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدا ، فقال له
عمر: أعزم عليك لتغرسنها ؟ فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي .
كذا في"الجامع الكبير"للسيوطي ( 3 / 337 / 2 ) .
و لذلك اعتبر بعض الصحابة الرجل يعمل في إصلاح أرضه عاملا من عمال الله عز وجل
فروى البخاري في"الأدب المفرد" ( رقم 448 ) عن نافع بن عاصم أنه سمع
عبد الله بن عمرو قال لابن أخ له خرج من ( الوهط ) : أيعمل عمالك ؟ قال: لا
أدري ، قال: أما لو كنت ثقفيا لعلمت ما يعمل عمالك ، ثم التفت إلينا فقال:
إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره ( و قال الراوي مرة: في ماله ) كان عاملا
من عمال الله عز و جل . و سنده حسن إن شاء الله تعالى .
و ( الوهط ) في اللغة هو البستان و هي أرض عظيمة كانت لعمرو بن العاص بالطائف
على ثلاثة أميال من ( وج ) يبدو أنه خلفها لأولاده ،@ و قد روى ابن عساكر في
"تاريخه" ( 13 / 264 / 2 ) بسند صحيح عن عمرو بن دينار قال: دخل عمرو بن
العاص في حائط له بالطائف يقال له: ( الوهط ) ( فيه ) ألف ألف خشبة ، اشترى كل
خشبة بدرهم ! يعني يقيم بها الأعناب .
هذه بعض ما أثمرته تلك الأحاديث في جملتها من السلف الصالح رضي الله عنهم .
و قد ترجم البخاري في"صحيحه"للحديثين الأولين بقوله:
"باب فضل الزرع إذا أكل منه".
قال ابن المنير:
"أشار البخاري إلى إباحة الزرع ، و أن من نهى عنه كما ورد عن عمر فمحله ما إذا"
شغل الحرث عن الحرب و نحوه من الأمور المطلوبة ، و على ذلك يحمل حديث أبي أمامة
المذكور في الباب الذي بعده"."
قلت: سيأتي الكلام على الحديث المشار إليه في المقال الآتي إن شاء الله تعالى