3331- (كان إذا ركع؛ لوصُبَّ على ظهرِه ماء لاستقرَّ) .
ذكره ابن أبي حاتم في"كتاب العلل" (1/142) من رواية أبي يحيى الحِمَّاني عن الثوري عن مسلم أبي (الأصل: ابن) فروة الجهّني عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب مرفوعآ. وقال:
"سمعت أبي يقول: ليس ذكره:"عن البراء"بمحفوظ". وقال ابن أبي حاتم عقبه:@
"روى هذا الحديث حسين بن حفص عن سفيان في"جامعه الكبير": عن مسلم الجهني عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... مرسل، وروى عبدالرحمن بن مهدي عن الثوري عن مسلم الجهني عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
قلت: وهذا إسناد مرسل صحيح؛ لاتفاق الثقتين على روايته عن الثوري عن مسلم الجهني عن عبدالرحمن بن أبي ليلى.
ومسلم: هو ابن سالم النهدي أبو فروة الأصغر الكوفي الجهني، ثقة من رجال الشيخين.
وقد توبع سفيان؛ فقال أبو داود في"المراسيل" (95/43) : حدثنا حفص بن عمر: حدثنا شعبة، عن أبي فروة به.
وقد ظن المعلق على"المراسيل"أن أبا فروة هذا هو عروة بن الحارث الهمداني، وهو أبو فروة الأكبر، وهو ثقة أيضًا من رجال الشيخين، وهو في هذا الظن معذور؛ لأنه قد شارك أبا فروة الأصغر في الرواية عن ابن أبي ليلى، وفي رواية الثوري عنه، لكن رواية ابن أبي حاتم التي فيها (مسلم الجهني) هي التي كشفت عن هوية (أبي فروة) هذا.
ثم إن أبا يحيى الحماني الذي أسنده عن البراء؛ متكلم فيه من قبل حفظه،مع أنه من رجال الشيخين، ووثقه ابن معين وغيره، وضعفه آخرون، فقال الحافظ في
"التقريب":
"صدوق يخطئ".
ولذلك رجح أبو حاتم المرسل على إسناده إياه عن البراء. لكن يبدو أنه لم@يتفرد به، فقال عبدالله بن أحمد في"زوائد المسند" (1/123) : وجدت في كتاب أبي قال: أخبرت عن سنان بن هارون: ثنا بيان عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع؛ لو وضع قدح من ماء على ظهره لم يهراق.
وقد ذكره الدارقطني في"العلل" (3/275- 276) من رواية أحمد هذه، ثم قال:
"وخالفهم سلم بن سلام أبو المسيب الواسطي، فرواه عن سنان بن هارون عن بيان عن ابن أبي ليلى عن البراء. وهو أشبه بالصواب".
ثم ساق إسناده من طريقين عن مصعب بن عبدالله الواسطي- شيخان لقبه-: ثنا سلم بن سلام: ثنا سنان بن هارون عن بيان عن ابن أبي ليلى عن البراء بذلك.
وأخرجه بحشل في"تاريخ واسط" (247) قال: ثنا مصعب بن عبدالله بن مصعب به.
قلت: وهذا إسناد حسن، مصعب هذا وثقه ابن حبان (9/175) ؛ وهو من شيوخه، وروى عنه جماعة آخرون من الثقات، كما أثبته في"تيسير الانتفاع". وسَلْم بن سلام يكنى بأبي المسيب الواسطي، روى عنه جمع غفير سماهم الحافظ المزي في"التهذيب"، فيهم جماعة من الثقات، فهو على شرط ابن حبان؛ فلا أدري لم لم يورده في"الثقات"؟! وقال فيه الحافظ:
"مقبول"!
وحقه عندي أن يقول:"صدوق"، كما فهمنا من تخريجاتهم وكثير من ممارساتنا لأقوالهم في بعض التراجم.@
على أن للحديث شواهد أحدها في"ابن ماجه"، وسائرها عند الطبراني وغيره؛ كنت قويته بها في أصل"صفة الصلاة"اعتمادًا على تخريج الهيثمي والحافظ إياها، وأشرت إلى ذلك في"صفة الصلاة"، أخرجه الهيثمي عن ابن عباس ووثق رجاله، وضعف الحافظ إسناده، ومن حديث أبي برزة، ووثق رجاله، وحسن إسناده الحافظ! ومن حديث علي- وقد عرفت حاله-، ومن حديث أنس، وضعفا إسناده.
ولما يسر الله لبعضهم طبع المصادر التي عزوا الحديث إليها؛ لم يعد يناسب أصول التخريج الاعتماد فيه على العازين إليها، دون الرجوع مباشرة إليها، وبخاصة أن هناك تناقضًا بين الشيخ وتلميذه في الحكم- كما رأيت- على بعضها، ولذا فقد صار لزامًا علي أن أستقي مباشرة منها، وأصدر الحكم على أسانيدها، تجاوبًا مع الحكمة القائلة: (ومن ورد البحر استقل السواقيا) .
فأقول؛ وبالله التوفيق:
أولًا: حديث ابن عباس، قال الهيثمي (2/ 241) :
"رواه الطبراني في"الكبير"، وأبو يعلى، ورجاله موثقون"!
كذا قال! وإسناده عند أبي يعلى (4/335/2447) : حدثنا أبو الربيع: حدثنا سلام بن سليم عن زيد العَمِّيِّ عن أبي نضرة عن ابن عباس...
ومن هذا الوجه رواه الطبراني (12/167/12781) : حدثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتَري: ثنا أبوالربيع الزهراني: ثنا سلام الطويل به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًّا، سلام الطويل متروك؛ كما قال الذهبي في"المغني"، والحافظ في"التقريب"، وهو قول الهيثمي في أكثر تخريجاته؛ (انظر@فهارس"المجمع") (ص 305/3) . وعليه فقول الحافظ في"التلخيص" (2/ 241) :"إسناده ضعيف"! تساهل لا وجه له.
وزيد العمي ضعيف، وقد توبع لكن السند إليه واه؛ لأنه من رواية عُلَيْلَةَ بن بدر: ثنا سيَّار بن سلامة عن أبي العالية عن ابن عباس...
أخرجه الطبراني أيضًا (12/159/12755) .
وعليلة لقب، واسمه: الربيع، وهو متروك أيضًا، ولم يشر الهيثمي ولا الحافظ إلى هذه الطريق.
ثانيًا: حديث أبي برزة الأسلمي"قال الهيثمي:"
"رواه الطبراني في"الكبير"و"الأوسط"، ورجاله ثقات".
وقال الحافظ بعدما عزاه للطبراني:
"وإسناده حسن".
قلت: قد وقفت على إسناد"الأوسط" (6/316/5672 ـط) فوجدته إسنادًا ضعيفًا، أخرجه من طريق يحيى بن سعيد العطار عن حماد بن سلمة عن سعيد بن جمهان عنه، وقال:
"لم يروه عن حماد إلا يحيى العطار الحمصي".
ويحيى هذا؛ قال الذهبي في"الميزان":
"كان صاحب حديث، وله رحلات إلى مصر، والعراق، والحرمين.. قال ابن مصفى: ثقة. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو داود: جائز الحديث. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال ابن عدي: بيِّن الضعف".@
ولهذا قال الحافظ في"التقريب":
"ضعيف"
قلت: ولهذا؛ فتحسين إسناده بعيد، لكن يمكن أن يقال: إنه صالح للاستشهاد به، أو إن حديثه حسن بغيره، والله أعلم.
وما أظن أن إسناده في"كبير الطبراني"إلا من هذا الوجه، أقول هذا؛ لأن الجزء الذي فيه مسند (أبي برزة) واسمه (نضلة) لم يطبع بعد.
ثالثًا: حديث علي سبق تخريجه، وعرفت أنه حسن الإسناد من رواية الدارقطني، ويزداد قوة بالذي قبله، وبالآتي بعده.
رابعًا: حديث أنس بن مالك؛ يرويه محمد بن ثابت عن أبيه عنه.
أخرجه الطبراني في"المعجم الصغير"، وقد خرجته في"الروض النضير" (رقم 78) ، فلا أطيل الكلام عليه.
ومحمد بن ثابت ضعيف , كما قال الهيثمي والعسقلاني.
خامسًا: حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو، وهذا ذكره الحافظ دون شيخه الهيثمي في رواية الطبراني، وقال:
"إسناد حسن"!
كذا قال! وفيه نظر؛ فإنه في"المعجم الكبير"للطبراني (17/242/674) من طريق علي بن الجعد: ثنا عبدالملك بن الحسين عن عبدالملك بن عمير عن أبي عبدالله البراد عن عقبة بن عمرو.
قلت: عبدالملك بن الحسين إن كان أبا مالك النخعي الواسطي؛ فهو متروك؛@كما قال الحافظ نفسه في"التقريب"، ولم يوثقه أحد، فكيف يحسن الحافظ إسناده؟! لا وجه لهذا إلا غلبة الطبيعة البشرية، أو أن يكون قد وقع في اسمه شيء من التحريف في طبعة"المعجم""وهذا ما أستبعده. والله أعلم."
ثم وجدت ما استبعدته، فقد رأيت الحديث في"المعجم الأوسط"للطبراني من الوجه المذكور في"المعجم الكبير"، وفيه (6/96/5201) التصريح في الإسناد بأنه (عبدالملك بن حسين أبو مالك النخعي) ، وقال الطبراني:
"لم يروه عن عبدالملك بن عمير إلا عبدالملك بن حسين".
ثم قال الحافظ- وأجاد-:
"وعزاه القاضي حسين في"تعليقه"لرواية عائشة، ولم أره من حديثها. قلت: معناه عند مسلم من حديثها: كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك. وقد تقدم معنى هذا من حديث أبي حميد".
قلت ة يشير إلى حديث البخاري (رقم 828) عنه: أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد:
أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيته"إذا.. ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هَصَر ظهره"الحديث. وهو مخرج في"الإرواء" (2/13 ـ14) و"صحيح أبي داود" (722) .
وفسر الحافظ قوله: (هصر) فقال في"الفتح" (2/308) :
"أي: ثناه في استواء من غير تقويس؛ ذكره الخطابي".
وهو في معنى حديث الترجمة لمن تأمله، وقد أشار إلى ذلك الحافظ آنفًا ,@ومثله حديث عائشة الذي ذكره. وهو مخرج في"الإرواء" (2/ 20ـ23) ، و"صحيح أبي داود" (752) .
والخلاصة: أن حديث الترجمة صحيح بلا ريب؛ لحسن إسناد الدارقطني وبحشل، كما سبق بيانه، ولا يعل برواية مسلم الفروي؛ لأنه من طريق بيان- وهو ابن بشر الأحمسي، وهو ثقة ثبت-، ثم هو يرتقي إلى درجة الصحة ببعض الشواهد الخمسة التي تقدم ما يصلح للشهادة منها مما لا يصلح، وأخيرًا شهادة حديث أبي حميد وعائشة من حيث المعنى، مع ملاحظة أن ألفاظهم فيها من إنشائهم و تعابيرهم، وهي وإن اختلفت لفظًا؛ فهي متحدة معنى، كما أشار إلى ذلك الحافظ رحمه الله. فاغتنمه تحقيقًا قد لا تراه في مكان آخر. والله الموفق. *