2676 -"تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم . يعني إتمام المسافر إذا اقتدى"
بالمقيم ، و إلا فالقصر"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"6 / 386:
هذه السنة الصحيحة يرويها قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي عن ابن عباس رضي
الله عنه . و يرويه عن قتادة جمع: الأول: أيوب عنه عن موسى قال: كنا مع ابن
عباس بمكة ، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا ، و إذا رجعنا إلى رحالنا
صلينا ركعتين ؟ قال: فذكره . أخرجه أحمد ( 1 / 216 ) و السراج في"مسنده"(
ق 120 / 1 )و الطبراني في"المعجم الأوسط"( 1 / 278 / 1 - مصورة الجامعة
الإسلامية )و أبو عوانة في"مسنده" ( 2 / 340 ) من طريق محمد بن عبد الرحمن
الطفاوي ، و الطبراني أيضا ( 2 / 92 / 2 ) من طريق الحارث بن عمير كلاهما عن
أيوب عنه به ، و زاد هو و السراج:"و إن رغمتم"، و قال:"لم يروه عن أيوب"
إلا الحارث بن عمير و الطفاوي". الثاني: شعبة عنه به ، و لفظه: قال: سألت"
ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام ؟ فقال: ركعتين سنة
أبي القاسم صلى الله عليه وسلم . أخرجه مسلم ( 2 / 143 - 144 ) و النسائي( 1 /
212 )و ابن خزيمة في @"صحيحه" ( 951 ) و البيهقي ( 3 / 153 ) و ابن حبان( 4
/ 185 / 2744 )و أحمد ( 1 / 290 و 337 ) و أبو عوانة و الطحاوي ( 1 / 245 ) و
لفظ البيهقي:"كم أصلي إذا فاتتني الصلاة في المسجد الحرام ؟ ...". و
الباقي مثله . الثالث: سعيد بن أبي عروبة عنه نحوه . أخرجه مسلم ( 3 / 144 ) و
النسائي ، و أحمد ( 1 / 369 ) . الرابع: هشام الدستوائي . قال الطيالسي في""
مسنده" ( 2742 ) : حدثنا هشام عنه به . و لفظه: قلت لابن عباس: إذا لم أدرك"
الصلاة في المسجد الحرام كم أصلي بـ ( البطحاء ) ؟ قال: ركعتين .. إلخ . و
أخرجه أحمد ( 1 / 226 ) : حدثنا يحيى عن هشام به . الخامس: همام: أخبرنا
قتادة به مثل لفظ هشام . أخرجه أحمد ( 1 / 290 ) . و قد صرح قتادة بالتحديث
عنده في رواية شعبة . قلت: و في الحديث دلالة صريحة على أن السنة في المسافر
إذا اقتدى بمقيم أنه يتم و لا يقصر ، و هو مذهب الأئمة الأربعة و غيرهم ، بل
حكى الإمام الشافعي في"الأم" ( 1 / 159 ) إجماع عامة العلماء على ذلك ، و
نقله الحافظ ابن حجر عنه في"الفتح" ( 2 / 465 ) و أقره ، و على ذلك جرى عمل
السلف ، فروى مالك في"الموطأ" ( 1 / 164 ) عن نافع: أن ابن عمر أقام بمكة
عشر ليال يقصر الصلاة ، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته . @و في رواية
عنه: أن عبد الله بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعا ، فإذا صلى لنفسه
صلى ركعتين . و رواه ابن خزيمة في"صحيحه" ( 954 ) من طريق أخرى عن ابن عمر .
و أخرجه الطحاوي في"شرح المعاني" ( 1 / 244 ) من طريق مالك ، و من قبله
الإمام محمد في"موطئه" ( ص 127 - 128 ) و قال:"و بهذا نأخذ إذا كان"
الإمام مقيما و الرجل مسافر ، و هو قول أبي حنيفة رحمه الله". و قوله:"إذا
كان الإمام مقيما ..."مفهومه - و مفاهيم المشايخ معتبرة عندهم ! - أن الإمام"
إذا كان مسافر فأتم - كما يفعل بعض الشافعية - ، أن المسافر المقتدي خلفه يقصر
و لا يتم ، و هذا خلاف ما فعله ابن عمر رضي الله عنهما ، و تبعه على ذلك غيره
من الصحابة ، منهم عبد الله بن مسعود - الذي يتبنى الحنفية غالب أقواله - فإنه
مع كونه كان ينكر على عثمان رضي الله عنه إتمامه الصلاة في منى ، و يعيب ذلك
عليه كما في"الصحيحين"، فإنه مع ذلك صلى أربعا كما في"سنن أبي داود"(
1960 )و"البيهقي" ( 3 / 144 ) من طريق معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد الله
صلى أربعا ، قال: فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعا ؟! قال: الخلاف شر .
و هذا يحتمل أنه صلاها أربعا وحده ، و يحتمل أنه صلاها خلف عثمان ، و رواية
البيهقي صريحة في ذلك ، فدلالتها على المراد دلالة أولوية ، كما لا يخفى على
العلماء . و منهم سلمان الفارسي ، فقد روى أبو يعلى الكندي قال:"خرج سلمان"
في ثلاثة عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ، و كان @سلمان
أسنهم ، فأقيمت الصلاة ، فقالوا: تقدم يا أبا عبد الله ! فقال: ما أنا بالذي
أتقدم ، أنتم العرب ، و منكم النبي صلى الله عليه وسلم ، فليتقدم بعضكم ، فتقدم
بعض القوم ، فصلى أربع ركعات ، فلما قضى الصلاة ، قال سلمان: ما لنا و للمربعة
، إنما يكفينا نصف المربعة". أخرجه عبد الرزاق ( 4283 ) و ابن أبي شيبة( 2 /"
448 )و الطحاوي ( 1 / 242 ) بإسناد رجاله ثقات ، و لولا أن فيه عنعنة أبي
إسحاق السبيعي و اختلاطه لصححت إسناده ، فسكوت الشيخ عبد الله الغماري عنه في
رسالته"الرأي القويم" ( ص 30 ) ليس بجيد ، لاسيما و قد جزم بنسبته إلى سلمان
في رسالته الأخرى"الصبح السافر" ( ص 42 ) !! هذا و لقد شذ في هذه المسألة
ابن حزم كعادته في كثير غيرها ، فقد ذهب إلى وجوب قصر المسافر وراء المقيم ، و
احتج بالأدلة العامة القاضية بأن صلاة المسافر ركعتان ، كما جاء في أحاديث
كثيرة صحيحة . و ليس بخاف على أهل العلم أن ذلك لا يفيد فيما نحن فيه ، لأن
حديث الترجمة يخصص تلك الأحاديث العامة ، بمختلف رواياته ، بعضها بدلالة
المفهوم ، و بعضها بدلالة المنطوق . و لا يجوز ضرب الدليل الخاص بالعام ، أو
تقديم العام على الخاص ، سواء كانا في الكتاب أو في السنة ، خلافا لبعض
المتمذهبة . و ليس ذلك من مذهب ابن حزم رحمه الله ، فالذي يغلب على الظن أنه لم
يستحضر هذا الحديث حين تكلم على هذه المسألة ، أو على الأقل لم يطلع على
الروايات الدالة على خلافه بدلالة المنطوق ، و إلا لم يخالفها إن شاء الله
تعالى ، و أما رواية مسلم فمن الممكن أن يكون قد اطلع عليها و لكنه لم يرها حجة
لدلالتها بطريق المفهوم ، و ليس هو حجة عنده خلافا للجمهور ، و مذهبهم هو
الصواب كما هو مبين في علم الأصول ، فإن كان قد اطلع عليها @فكان عليه أن يذكرها
مع جوابه عنها ، ليكون القاريء على بينة من الأمر . و إن من غرائبه أنه استشهد
لما ذهب إليه بما نقله عن عبد الرزاق - و هو في"مصنفه" ( 2 / 519 ) - من
طريق داود بن أبي عاصم قال:"سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر ؟ فقال:"
ركعتان . قلت: كيف ترى و نحن ههنا بمنى ؟ قال: ويحك سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم و آمنت به ؟ قلت: نعم . قال: فإنه كان يصلي ركعتين . فصل ركعتين إن
شئت أو دع". قلت: و سنده صحيح ، و قال عقبه:"و هذا بيان جلي بأمر ابن عمر
المسافر أن يصلي خلف المقيم ركعتين فقط". قلت: و هذا فهم عجيب ، و اضطراب في"
الفهم غريب ، من مثل هذا الإمام اللبيب ، فإنك ترى معي أنه ليس في هذه الرواية
ذكر للإمام مطلقا ، سواء كان مسافرا أم مقيما . و غاية ما فيه أن ابن أبي عاصم
بعد أن سمع من ابن عمر أن الصلاة في السفر ركعتان ، أراد أن يستوضح منه عن
الصلاة و هم - يعني الحجاج - في منى: هل يقصرون أيضا ؟ فأجابه بالإيجاب ، و أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فيها ركعتين . هذا كل ما يمكن فهمه من هذه
الرواية ، و هو الذي فهمه من خرجها ، فأوردها عبد الرزاق في"باب الصلاة في"
السفر"في جملة أحاديث و آثار في القصر ، و كذلك أورده ابن أبي شيبة في باب"
من كان يقصر الصلاة " من"مصنفه" ( 2 / 451 ) . و داود بن أبي عاصم هذا طائفي"
مكي ، فمن المحتمل أنه عرضت له شبهة من جهة كونه مكيا ، و المسافة بينها و بين
منى قصيرة ، فأجابه ابن عمر بما تقدم ، و كأنه يعني أن النبي صلى الله عليه
وسلم قصر في منى هو و من كان معه من المكيين الحجاج . و الله أعلم . @و إن مما يؤكد خطأ ابن حزم في ذلك الفهم ما سبق ذكره بالسند الصحيح عن ابن عمر أنه كان
إذا صلى في مكة و منى لنفسه قصر ، و إذا صلى وراء الإمام صلى أربعا . فلو كان
سؤال داود عن صلاة المسافر وراء المقيم ، لأفتاه بهذا الذي ارتضاه لنفسه من
الإتمام في هذه الحالة ، ضرورة أنه لا يعقل أن تخالف فتواه قوله ، و يؤيد هذا
أنه قد صح عنه أنه أفتى بذلك غيره ، فروى عبد الرزاق ( 2 / 542 / 4381 ) بسند
صحيح عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: أدركت ركعة من صلاة المقيمين و أنا
مسافر ؟ قال: صل بصلاتهم . أورده في"باب المسافر يدخل في صلاة المقيمين".
و ذكر فيه آثارا أخرى عن بعض التابعين بمعناه ، إلا أن بعضهم فصل ، فقال في
المسافر يدرك ركعة من صلاة المقيمين في الظهر: يزيد إليها ثلاثا ، و إن أدركهم
جلوسا صلى ركعتين . و لم يرو عن أحد منهم الاقتصار على ركعتين على كل حال كما
هو قول ابن حزم ! و أما ما ذكره من طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن عبد الرحمن
بن تميم بن حذلم قال:"كان أبي إذا أدرك من صلاة المقيم ركعة و هو مسافر صلى"
إليها أخرى ، و إذا أدرك ركعتين اجتزأهما"، و قال ابن حزم:"تميم بن حذلم
من كبار أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه". قلت: نعم ، و لكنه مع شذوذه عن كل"
الروايات التي أشرت إليها في الباب و ذكرنا بعضها ، فإن ابنه عبد الرحمن ليس
مشهورا بالرواية ، فقد أورده البخاري في"التاريخ" ( 3 / 1 / 265 ) و ابن أبي
حاتم ( 2 / 2 / 218 ) و لم يذكرا فيه جرحا و لا تعديلا ، و ذكر ابن أبي حاتم
أنه روى عنه أبو إسحاق الهمداني أيضا ، و ذكره ابن حبان في"الثقات"( 7 / 68
)برواية المغيرة . و هذا قال فيه الحافظ في"التقريب":@"كان يدلس". و
ذكر أيضا من طريق مطر بن فيل عن الشعبي قال:"إذا كان مسافرا فأدرك من صلاة"
المقيم ركعتين اعتد بهما". و مطر هذا لا يعرف . و عن شعبة قال: سمعت طاووسا"
و سألته عن مسافر أدرك من صلاة المقيم ركعتين ؟ قال:"تجزيانه". قلت: و
هذا صحيح إن سلم إسناده إلى شعبة من علة ، فإن ابن حزم لم يسقه لننظر فيه . و
جملة القول أنه إن صح هذا و أمثاله عن طاووس و غيره ، فالأخذ بالآثار المخالفة
لهم أولى لمطابقتها لحديث الترجمة و أثر ابن عمر و غيره . و الله أعلم .