3066- (كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ؛ ثم ارتدَّ ولَحِقَ بالشركِ ؛ ثم تَنَدَّمَ، فأرسل إلى قومِهِ: سَلُوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل له من توبةٍ؟ فجاء قومُهُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنَّ فلانًا قد نَدِمَ، وإنّه أمَرَنا أن نسألك: هل له من توبةٍ؟ فنزلت:( كَيْفَ يهدِي اللهُ قومًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِم..) إلى قوله: (غفورٌ رحيمٌ ) ، فأرسل إليهِ [ قومُه] ؛ فأَسلَم) .
أخرجه النسائي (2/ 170) ، وابن جرير (3/ 241) قالا- والسياق للأول، والزيادة للآخر-: أخبرنا محمد بن عبد الله بن زريع قال: حدثنا يزيد- وهو ابن زريع- قال: أنبأنا داود عن عكرمة عن ابن عباس قال... فذكره.
وتابع محمدًا بشر بن معاذ العقدي قال: حدثنا يزيد بن زريع به.@
أخرجه ابن حبان (1728- موارد) .
وتابع يزيد حفص بن غياث عن داود بن أبي هند به.
أخرجه الحاكم (2/142 و 4/ 366) وقال:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي .
وتابعه أيضًا علي بن عاصم عن داود به ؛ إلا أنه خالف في سياقه فقال:
"ارتد رجل من الأنصار.."الحديث نحوه ، وفي آخره:
"قال: فكتب بها قومه إليه، فلما قرئت عليه قال: والله ! ما كذبني قومي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا كذب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - على الله عز وجل ، والله أصدق الثلاثة، قال: فرجع تائبًا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، فقبل ذلك منه ، وخلى سبيله".
قلت: وعلي بن عاصم صدوق؛ لكنه كان يخطئ ويصر كما في"التقريب"؛ فلا يقبل تفرده ومخالفته.
لكنه قد توبع؛ فأخرجه ابن جرير من طريق حكيم بن جَمِيع عن علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال:
ارتد رجل من الأنصار.. فذكر نحوه.
كذا فيه، لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ يزيد بن زريع الذي قبله، وطرفه الأول مثل طرف حديث علي بن عاصم كما ترى. فالله أعلم؛ هل نحا نحوه- أعني: حديث عاصم- أم نحو حديث ابن زريع؟
لكن قد ساق ابن جرير عقبه شاهدًا له من رواية عبد الرزاق قال: أخبرنا جعفر بن سليمان قال: أخبرنا حميد الأعرج عن مجاهد قال:@
جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن: (كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم) إلى (إلا الذين تابوا.. ) الآية، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث:
إنك- والله! ما علمت- لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة ، قال: فرجع الحارث فأسلم وحسن إسلامه"."
قلت: ورجال إسناده ثقات، فهو مرسل صحيح. فهو شاهد قوي لحديث علي بن عاصم.
وأخرج له ابن جرير شاهدًا آخر بإسناده عن السدي مرسلًا مختصرًا.
هذا؛ وحكيم بن جميع المتقدم قد أورده البخاري وابن أبي حاتم في كتابيهما، من رواية أبي كريب عنه، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وكذلك ذكره ابن حبان في"الثقات" (8/ 212) ، وقال:
"يروي المقاطيع".
قلت: فكأنه لم يقف على روايته الموصولة هذه. ولتمام الفائدة لا بد من ذكر الآيات الأربع بتمامها ، وهي في (آل عمران/ 86 ـ89) :
(كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لايهدي القوم الظالمين. أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله الملائكة والناس أجمعين. خالدين فيها لايخفف عنهم العذاب و لا هم ينظرون . إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم ) .@
ولا ينافي ذلك قوله تعالى بعدها:
(إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون. إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن تقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) .
ذلك؛ لأن المقصود: لن تقبل توبتهم عند الممات كما قال تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابًا أليمًا ) [ النساء/18] .
قاله الحافظ ابن كثير . *