1317 -"سبق المفردون . قالوا: يا رسول الله ! و من ( المفردون ) ؟ قال: الذين"
يهترون في ذكر الله عز وجل"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"3 / 304:
أخرجه أحمد ( 2 / 323 ) و الحاكم ( 1 / 495 - 496 ) و من طريقه البيهقي في
"شعب الإيمان" ( 1 / 314 - هندية ) عن أبي عامر العقدي حدثنا علي بن مبارك عن
يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة قال: سمعت أبا هريرة
رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره . و قال الحاكم:@"صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه". و وافقه الذهبي .
و أقول: إنما هو على شرط مسلم وحده ، فإن ابن يعقوب هذا إنما أخرج له البخاري
في"جزء القراءة"و لم يحتج به في"صحيحه"و هو ثقة . و سائر رواته رجال
الشيخين . و أبو عامر العقدي اسمه عبد الملك بن عمرو القيسي البصري . و علي بن
المبارك قد تكلم فيه بعضهم فيما رواه خاصة عن يحيى بن أبي كثير ، و ذلك لأنه
كان له عنه كتابان ، أحدهما سماع منه ، و الآخر مرسل عنه . و لكن المحققين من
الحفاظ قد وضعوا قاعدة في تمييز أحد الكتابين عن الآخر ، فقال أبو داود لعباس
العنبري:"كيف يعرف كتاب الإرسال ؟ قال: الذي عند وكيع عنه عن عكرمة من كتاب"
الإرسال و كان الناس يكتبون كتاب السماع". و قال ابن عمار عن يحيى بن سعيد:"
"أما ما روينا نحن عنه فمما سمع ، و أما ما روى الكوفيون عنه فمن الكتاب الذي"
لم يسمعه". و هذا هو الذي اعتمده الحافظ ، فقال في"التقريب":"كان له عن
يحيى بن أبي كثير كتابان ، أحدهما سماع ، و الآخر إرسال ، فحديث الكوفيين عنه
فيه شيء". على أن ابن عدي قد أطلق الثقة في روايته عن يحيى فقال في"الكامل
" ( ق 192 / 1 ) بعد أن ساق له بعض الأحاديث:"و لعلي بن المبارك غير هذا ،
و هو ثبت عن يحيى بن أبي كثير و مقدم في يحيى و هو عندي لا بأس به". إذا عرفت"
هذا ، فقد خالفه عمر بن راشد إسنادا و متنا ، فقال: عن يحيى بن أبي كثير عن
أبي سلمة عن أبي هريرة به إلا أنه قال:"المستهتر في ذكر الله ، يضع الذكر"
عنهم أثقالهم ، فيأتون يوم القيامة خفافا".@ أخرجه البيهقي و الترمذي( 2 /"
279 )و قال:"حديث حسن غريب".
و أقول: بل هو منكر ضعيف ، فإن عمر بن راشد و هو أبو حفص اليمامي مع أنه ضعيف
اتفاقا ، فقد خالف علي بن المبارك سندا و متنا كما ذكرنا . أما السند ، فذكر
أبا سلمة مكان عبد الرحمن بن يعقوب . و أما المتن ، فإنه أسقط منه تفسير
( المفردون ) و زاد قوله:"يضع الذكر"...". فلا جرم أن قال أحمد و غيره:"
"حدث عن يحيى و غيره بأحاديث مناكير". و لذلك قال البيهقي عقبه:
"و الإسناد الأول أصح". و للحديث طريق أخرى يرويه العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة ،
فمر على جبل يقال له: ( جمدان ) ، فقال:"سيروا هذا جمدان ، سبق المفردون"
.قالوا: و ما المفردون يا رسول الله ؟ قال: الذاكرون الله كثيرا و الذاكرات
". رواه مسلم ( 8 / 63 ) و البيهقي ( 1 / 313 - 314 ) ."
غريب الحديث:
1 - ( المفردون ) : أي المنفردون . قال ابن الأثير:"يقال: فرد برأيه و أفرد"
و فرد ، استفرد ، بمعنى انفرد به". قال النووي رحمه الله:"و قد فسرهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم بـ ( الذاكرين كثيرا و الذاكرات ) و تقديره:
و الذاكراته ، فحذفت الهاء هنا كما حذفت في القرآن لمناسبة رؤوس الآية و لأنه
مفعول يجوز حزفه . و هذا التفسير هو مراد الحديث".@"
2 - ( يهترون ) : أي يولعون . قال ابن الأثير:"يقال:( أهتر فلان بكذا"
و استهتر فهو مهتر به و مستهتر ): أي مولع به لا يتحدث بغيره و لا يفعل غيره .
( تنبيه ) : كان من دواعي تخريج هذا الحديث أنه وقعت هذه اللفظة في"الشعب"
هكذا ( يهتزون ) بالزاي ، بحيث تقرأ ( يهتزون ) ، فبادرت إلى تخريجه و ضبط هذه
اللفظة منه خشية أن يبادر بعض الصوفية الرقصة إلى الاستدلال به على جواز ما
يفعلونه في ذكرهم من الرقص و الاهتزاز يمينا و يسارا ، جاهلين أو متجاهلين أنه
لفظ محرف . و قد يساعدهم على ذلك ما جاء في"شرح مسلم"للنووي:"و جاء في"
رواية:"هم الذين اهتزوا في ذكر الله". أي لهجوا به". و كذلك .. جاء في"
حاشية"مسلم - استانبول"نقلا عن النووي ! على أنه لو صح لكان معناه: يفرحون
و يرتاحون بذكر الله تبارك و تعالى كما يؤخذ من مادة ( هزز ) من"النهاية"،
فهو حينئذ على حد قوله صلى الله عليه وسلم:"أرحنا بها يا بلال !". أي
بالصلاة . و هو قريب من المعنى الذي قاله النووي . و الله أعلم .
و بهذه المناسبة لابد من التذكير نصحا للأمة ، بأن ما يذكره بعض المتصوفة عن
علي رضي الله عنه أنه قال و هو يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"كانوا"
إذا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح". فاعلم أن هذا لا يصح عنه"
رضي الله عنه ، فقد أخرجه أبو نعيم في"الحلية" ( 1 ، 76 ) من طريق محمد بن
يزيد أبي هشام حدثنا المحاربي عن مالك بن مغول عن رجل من ( جعفي ) عن السدي عن
أبي أراكة عن علي .
قلت: و هذا إسناد ضعيف مظلم .
1 -أبو أراكة لم أعرفه و لا وجدت أحدا ذكره و إنما ذكر الدولابي في"الكنى" ( أبو أراك ) و هو من هذه الطبقة ، و ساق له أثرا عن عبد الله بن عمرو ، و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا كعادته .@
2 -الرجل الجعفي لم يسم كما ترى فهو مجهول .
3 -محمد بن يزيد قال البخاري:"رأيتهم مجمعين على ضعفه".
[1] و هو مخرج في"المشكاة"1253 . اهـ .