3388- (قالت قريش للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -: ادع لنا ربّك أن يجْعل لنا الصّفا ذهبًا ونؤمن بك! قال:
وتفعلون ؟ .
قالوا: نعم.
فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السّلام ويقول:
إن شِئت أصبح لهم (الصّفا ) ذهبًا ، فمن كفر بعد ذلك منهم ؛ عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال:
بل باب التوبة والرحمة).
أخرجه الحاكم (1/53و4/240) ، والبيهقي في"الدلائل" (2/272) ،@وأحمد (1/242 و345) ، والطبراني في"المعجم الكبير" (12/152/12736) من طرق منها: وكيع عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن الحكم (وفي رواية: أبي الحكم) السلمي عن ابن عباس قال:... فذكره. وقال الحاكم:
"صحيح محفوظ من حديث الثوري عن سلمة بن كهيل".
وهو كما قال، ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عمران أبي الحكم السلمي
-وهو الصواب من الروايتين-؛ فهو من رجال مسلم، وكأن الحاكم ذهل عن ذلك؛ فإنه في الموضع الثاني اقتصر على قوله:
"صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!
والصواب أنه صحيح على شرط مسلم. وقد أشار إلى هذا المنذري بقوله في"الترغيب" (4/ 75/ 12) :
"رواه الطبراني، ورواته رواة (الصحيح) ".
وكذا قال الهيثمي في"المجمع" (10/196) .
وقد غفلا عن عزوه لأحمد- فضلًا عن الحاكم-، وهذا على شرط المنذري دون الهيثمي كما لا يخفى على العارفين بكتابيهما ومنهجيهما فيهما.
والحديث أخرجه البزار في"مسنده" (3/55/2224- كشف الأستار) قال: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي: ثنا وكيع: ثنا سفيان... بإسناده المتقدم؛ لكن بلفظ:
سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يحوّل الجبال عنهم حتى يزدرعوا، فقيل: إن شئت أن نؤتيهم الذي سألوه؛ فإن كفروا أهلكوا كما هلك@
من كان قبلهم، فأنزل الله تبارك وتعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة ) !.
قلت: وفي هذا السياق ما يخالف سياق حديث وكيع ومن معه زيادة ونقصًا، وهو من أخطاء (محمد بن يزيد الرفاعي) ؛ فإنه قد ضعفه جمع مع أنه من شيوخ مسلم، لكن الذين سبروا أحاديثه وتتبعوها؛ نسبوه إلى الخطأ والمخالفة، وإلى سرقة حديث غيره، انظر"التهذيب".
وهذا الحديث مما يؤكد ذلك؛ فإن حديث وكيع يختلف عن هذا زيادة ونقصًا كما رأيت، فهو إما أن يكون مما سرقه الرفاعي وألصقه بوكيع، وإما أن يكون وهم عليه فيه، وخالف أحمد وغيره في روايته عنه باللفظ المذكور أعلاه.
وأصل حديث الرفاعي؛ إنما يعرف من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوه؛ فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من كان قبلهم، [ وإن شئت أن أستأني بهم؛ لعلنا نستحيي منهم ] ، قال:
"لا، بل أستأني بهم".
فأنزل هذه الآية..."فذكرها."
أخرجها النسائي في"السنن الكبرى" (6/ 380/11290) ، والحاكم (2/362) وابن جرير في"التفسير" (15/ 74) ، والبيهقي أيضًا، وأحمد (1/258) - والسياق له، والزيادة للحاكم وغيره-، والبزار أيضًا (2225) ، والضياء المقدسي في"المختارة" (10/78- 79- ط) . وقال الحاكم:@
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي! وقال البزار:
"لا نعلمه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -من وجه صحيح إلا من هذا الوجه".
قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ فهو على شرطهما.
(تنبيه) : لقد ساق الهيثمي في تفسير سورة الإسراء من"المجمع" (7/50)
هذه الرواية أولًا، ثم أتبعها بقوله:
"وفي رواية: فدعا فأتاه جبريل..."فذكرها، وهي رواية عمران المتقدمة،
ثم قال:
"ورجال الروايتين رجال"الصحيح"، إلا أنه وقع في أحد طرقه: عمران بن الحكم، وهو وهم، وفي بعضها: عمران أبو الحكم- وهو ابن الحارث-، وهو الصحيح، ورواه البزار"!
والمقصود أنه لم يذكر من أخرج الروايتين، فالظاهر أنه كان في الأصل:"رواه أحمد"؛ لأنه هو الذي أخرج الروايتين كما تقدم، فسقط ذلك من الناسخ أو الطابع. والله أعلم.*