2326 -"من باع بيعتين في بيعة ، فله أوكسهما أو الربا".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"5 / 419:
رواه ابن أبي شيبة في"المصنف" ( 6 / 120 / 502 ) و عنه ( 3461 ) و ابن حبان
في"صحيحه" ( 1110 ) و كذا الحاكم ( 2 / 45 ) و البيهقي ( 5 / 343 ) : أخبرنا
ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا .
قلت: و هذا سند حسن و قد صححه الحاكم ، و وافقه الذهبي ، ثم ابن حزم في""
المحلى" ( 9 / 16 ) . و رواه النسائي ( 7 / 296 - الطبعة الجديدة ) و الترمذي"
( 1 / 232 ) و صححه ، و ابن الجارود ( 286 ) و ابن حبان أيضا ( 1109 ) و البغوي
في"شرح السنة" ( 8 / 142 / 211 ) و صححه أيضا ، و أحمد( 2 / 432 و 475 و
503 )و البيهقي من طرق عن محمد بن عمرو به بلفظ:"نهى عن بيعتين في بيعة".@
و قال البيهقي:"قال عبد الوهاب ( يعني: ابن عطاء ) :"يعني: يقول: هو لك
بنقد بعشرة ، و بنسيئة بعشرين". و بهذا فسره الإمام ابن قتيبة ، فقال في"
غريب الحديث" ( 1 / 18 ) :"و من البيوع المنهي عنها ... شرطان في بيع ، و هو
أن يشتري الرجل السلعة إلى شهرين بدينارين و إلى ثلاثة أشهر بثلاثة دنانير و هو
بمعنى بيتعتين في بيعة". و الحديث بهذا اللفظ مختصر صحيح ، فقد جاء من حديث"
ابن عمر و ابن عمرو ، و هما مخرجان في"الإرواء" ( 5 / 150 - 151 ) . و لعل
في معنى الحديث قول ابن مسعود:"الصفقة في الصفقتين ربا". أخرجه عبد الرزاق
في"المصنف" ( 8 / 138 - 139 ) و ابن أبي شيبة أيضا ( 6 / 199 ) و ابن حبان(
163 و 1111 )و الطبراني ( 41 / 1 ) و سنده صحيح ، و في سماع عبد الرحمن من
أبيه ابن مسعود خلاف ، و قد أثبته جماعة و المثبت مقدم على النافي . و رواه
أحمد ( 1 / 393 ) و هو رواية لابن حبان ( 1112 ) بلفظ:"لا تصلح سفقتان في"
سفقة ( و لفظ ابن حبان: لا يحل صفقتان في صفقة ) و إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: لعن الله آكل الربا و موكله و شاهده و كاتبه". و سنده صحيح أيضا ."
و كذا رواه ابن نصر في"السنة" ( 54 ) . و زاد في رواية:"أن يقول الرجل:"
إن كان بنقد فبكذا و كذا ، و إن كان إلى أجل فبكذا و كذا". و هو رواية لأحمد"
( 1 / 398 ) ، و جعله من قول سماك ، الراوي عن عبد الرحمن @ابن عبد الله . ثم إن
الحديث رواه ابن نصر ( 55 ) و عبد الرزاق في"المصنف" ( 8 / 137 / 14629 )
بسند صحيح عن شريح قال: فذكره من قوله مثل لفظ حديث الترجمة بالحرف الواحد .
قلت: و سماك هو ابن حرب و هو تابعي معروف ، قال: أدركت ثمانين صحابيا .
فتفسيره للحديث ينبغي أن يقدم - عند التعارض - و لاسيما و هو أحد رواة هذا
الحديث ، و الراوي أدرى بمرويه من غيره لأن المفروض أنه تلقى الرواية من الذي
رواها عنه مقرونا بالفهم لمعناها ، فكيف و قد وافقه على ذلك جمع من علماء السلف
و فقهائهم: 1 - ابن سيرين ، روى أيوب عنه: أنه كان يكره أن يقول: أبيعك
بعشرة دنانير نقدا ، أو بخمسة عشر إلى أجل . أخرجه عبد الرزاق في"المصنف"(
8 / 137 / 14630 )بسند صحيح عنه . و ما كره ذلك إلا لأنه نهي عنه .
2 -طاووس ، قال: إذا قال: هو بكذا و كذا إلى كذا و كذا ، و بكذا و كذا إلى
كذا و كذا ، فوقع المبيع على هذا ، فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين . أخرجه
عبد الرزاق أيضا ( 14631 ) بسند صحيح أيضا . و رواه هو ( 14626 ) و ابن أبي
شيبة ( 6 / 120 ) من طريق ليث عن طاووس به مختصرا ، دون قوله:"فوقع البيع .."
". و زاد:"فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه ، فلا بأس به". فهذا لا يصح عن"
طاووس لأن ليثا - و هو ابن أبي سليم - كان اختلط .
3 -سفيان الثوري ، قال: @إذا قلت: أبيعك بالنقد إلى كذا ، و بالنسيئة بكذا و
كذا ، فذهب به المشتري ، فهو بالخيار في البيعين ، ما لم يكن وقع بيع على
أحدهما ، فإن وقع البيع هكذا ، فهو مكروه و هو بيعتان في بيعة و هو مردود و هو
منهي عنه ، فإن وجدت متاعك بعينه أخذته ، و إن كان قد استهلك فلك أوكس الثمنين
، و أبعد الأجلين . أخرجه عبد الرزاق ( 14632 ) عنه .
4 -الأوزاعي ، نحوه مختصرا ، و فيه:"فقيل له: فإن ذهب بالسلعة على ذينك"
الشرطين ؟ فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين". ذكره الخطابي في"
معالم السنن" ( 5 / 99 ) . ثم جرى على سنتهم أئمة الحديث و اللغة ، فمنهم:"
5 -الإمام النسائي ، فقال تحت باب"بيعتين في بيعة":"و هو أن يقول:"
أبيعك هذه السلعة بمئة درهم نقدا ، و بمئتي درهم نسيئة". و بنحوه فسر أيضا"
حديث ابن عمرو:"لا يحل شرطان في بيع"، و هو مخرج في"الإرواء" ( 1305 )
و انظر"صحيح الجامع" ( 7520 ) .
6 -ابن حبان ، قال في"صحيحه" ( 7 / 225 - الإحسان ) :"ذكر الزجر عن بيع"
الشيء بمئة دينار نسيئة ، و بتسعين دينارا نقدا". ذكر ذلك تحت حديث أبي هريرة"
باللفظ الثاني المختصر .
7 -ابن الأثير في"غريب الحديث"، فإنه ذكر ذلك في شرح الحديثين المشار إليهما آنفا .
حكم بيع التقسيط: و قد قيل في تفسير ( البيعتين ) أقوال أخرى ، و لعله يأتي
بعضها ، و ما تقدم أصح @و أشهر ، و هو ينطبق تماما على المعروف اليوم بـ( بيع
التقسيط )، فما حكمه ؟ لقد اختلف العلماء في ذلك قديما و حديثا على ثلاثة
أقوال: الأول: أنه باطل مطلقا . و هو مذهب ابن حزم .
الثاني: أنه لا يجوز إلا إذا تفرقا على أحدهما . و مثله إذا ذكر سعر التقسيط
فقط .
الثالث: أنه لا يجوز ، و لكنه إذا وقع و دفع أقل السعرين جاز .
1 -جليل هذا المذهب ظاهر النهي في الأحاديث المتقدمة ، فإن الأصل فيه أنه
يقتضي البطلان . و هذا هو الأقرب إلى الصواب لولا ما يأتي ذكره عند الكلام
على دليل القول الثالث .
2 -ذهب هؤلاء إلى أن النهي لجهالة الثمن ، قال الخطابي:"إذا جهل الثمن بطل"
البيع . فأما إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد ، فهو صحيح"."
و أقول: تعليلهم النهي عن بيعتين في بيعة بجهالة الثمن ، مردود لأنه مجرد رأي
مقابل النص الصريح في حديث أبي هريرة و ابن مسعود أنه الربا . هذا من جهة .
و من جهة أخرى أن هذا التعليل مبني على القول بوجوب الإيجاب و القبول في البيوع
، و هذا مما لا دليل عليه في كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
بل يكفي في ذلك التراضي و طيب النفس ، فما أشعر بهما و دل عليهما فهو البيع
الشرعي و هو المعروف عند بعضهم ببيع المعاطاة"، قال الشوكاني في"السيل
الجرار" ( 3 / 126 ) :"و هذه المعطاة التي تحقق معها التراضي و طيبة النفس
هي البيع الشرعي الذي أذن الله به ، و الزيادة عليه هي من إيجاب ما لم يوجبه
الشرع". و قد شرح ذلك شيخ الإسلام في"الفتاوي" ( 29 / 5 - 21 ) بما لا مزيد عليه ،@ فليرجع إليه من أراد التوسع فيه . قلت: و إذا كان كذلك ، فالشاري"
حين ينصرف بما اشتراه ، فإما أن ينقد الثمن ، و إما أن يؤجل ، فالبيع في الصورة
الأولى صحيح ، و في الصورة الأخرى ينصرف و عليه ثمن الأجل - و هو موضع الخلاف -
فأين الجهالة المدعاة ؟ و بخاصة إذا كان الدفع على أقساط ، فالقسط الأول يدفع
نقدا ، و الباقي أقساط حسب الاتفاق . فبطلت علة الجهالة أثرا و نظرا .
3 -دليل القول الثالث حديث الترجمة و حديث ابن مسعود ، فإنهما متفقان على أن
"بيعتين في بيعة ربا"، فإذن الربا هو العلة ، و حينئذ فالنهي يدور مع العلة
وجودا و عدما ، فإذا أخذ أعلى الثمنين ، فهو ربا ، و إذا أخذ أقلهما فهو جائز
كما تقدم عن العلماء الذين نصوا أنه يجوز أن يأخذ بأقل الثمنين إلى أبعد
الأجلين ، فإنه بذلك لا يكون قد باع بيعتين في بيعة ، ألا ترى أنه إذا باع
السلعة بسعر يومه ، و خير الشاري بين أن يدفع الثمن نقدا أو نسيئة أنه لا يصدق
عليه أنه باع بيعتين في بيعة كما هو ظاهر ، و ذلك ما نص عليه صلى الله عليه
وسلم في قوله المتقدم:"فله أوكسهما أو الربا"، فصحح البيع لذهاب العلة ، و
أبطل الزيادة لأنها ربا ، و هو قول طاووس و الثوري و الأوزاعي رحمهم الله تعالى
كما سبق . و منه تعلم سقوط قول الخطابي في"معالم السنن" ( 5 / 97 ) :"لا"
أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث ، و صحح البيع بأوكس الثمنين ، إلا
شيء يحكى عن الأوزاعي ، و هو مذهب فاسد ، و ذلك لما تتضمنه هذه العقدة من الغرر
و الجهل". قلت: يعني الجهل بالثمن كما تقدم عنه و قد علمت مما سلف أن قوله"
هو الفاسد لأنه أقامه على علة لا أصل لها في الشرع ، بينما قول الأوزاعي قائم
على نص الشارع كما تقدم ، و لهذا تعقبه الشوكاني بقول في"نيل الأوطار" ( 5 /129 ) :"و لا يخفى أن ما قاله الأوزاعي هو ظاهر الحديث لأن الحكم له بالأوكس يستلزم @صحة البيع". قلت: الخطابي نفسه قد ذكر أن الأوزاعي قال بظاهر الحديث
، فلا فرق بينه و بين الخطابي من هذه الحيثية إلا أن الخطابي تجرأ في الخروج عن
هذا الظاهر و مخالفته لمجرد علة الجهالة التي قالوها برأيهم خلافا للحديث . و
العجيب حقا أن الشوكاني تابعهم في ذلك بقوله:"و العلة في تحريم بيعتين في"
بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين ..". و ذلك لأن هذه"
المتابعة تتماشى مع الذين يوجبون الإيجاب و القبول في البيوع ، و الشوكاني
يخالفهم في ذلك ، و يقول بصحة بيع المعاطاة ، و في هذه الصورة ( أعني المعطاة )
الاستقرار متحقق كما بينته آنفا . ثم إنه يبدو أن الشوكاني - كالخطابي - لم يقف
على من قال بظاهر الحديث - كالأوزاعي - ، و إلا لما سكت على ما أفاده كلام
الخطابي من تفرد الأوزاعي ، و قد روينا لك بالسند الصحيح سلفه في ذلك - و هو
التابعي الجليل طاووس - و موافقة الإمام الثوري له ، و تبعهم الحافظ ابن حبان ،
فقال في"صحيحه" ( 7 / 226 ) :"ذكر البيان بأن المشتري إذا اشترى بيعتين في"
بيعة على ما وصفنا و أراد مجانبة الربا كان له أوكسهما". ثم ذكر حديث الترجمة"
، فهذا مطابق لما سبق من أقوال أولئك الأئمة ، فليس الأوزاعي وحده الذي قال
بهذا الحديث . أقول هذا بيانا للواقع ، و لكي لا يقول بعض ذوي الأهواء أو من لا
علم عنده ، فيزعم أن مذهب الأوزاعي هذا شاذ ! و إلا فلسنا - و الحمد لله - من
الذين لا يعرفون الحق إلا بكثرة القائلين به من الرجال ، و إنما بالحق نعرف
الرجال . و الخلاصة أن القول الثاني ثم أضعف الأقوال لأنه لا دليل عنده إلا
الرأي ، مع @مخالفة النص ، و يليه القول الأول لأن ابن حزم الذي قال به ادعى أن
حديث الترجمة منسوخ بأحاديث النهي عن بيعتين في بيعة ، و هذه دعوى مردودة لأنها
خلاف الأصول ، فإنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع ، و هذا من الممكن
هنا بيسر ، فانظر مثلا حديث ابن مسعود ، فإنك تجده مطابقا لهذه الأحاديث ، و
لكنه يزيد عليها ببيان علة النهي ، و أنها ( الربا ) . و حديث الترجمة يشاركه
في ذلك ، و لكنه يزيد عليه فيصرح بأن البيع صحيح إذا أخذ الأوكس ، و عليه يدل
حديث ابن مسعود أيضا لكن بطريق الاستنباط على ما تقدم بيانه . هذا ما بدا لي من
طريقة الجمع بين الأحاديث و التفقه فيها ، و ما اخترته من أقوال العلماء حولها
، فإن أصبت فمن الله ، و إن أخطأت فمن نفسي ، و الله أسأل أن يغفره لي و كل ذنب
لي . و اعلم أخي المسلم ! أن هذه المعاملة التي فشت بين التجار اليوم ، و هي
بيع التقسيط ، و أخذ الزيادة مقابل الأجل ، و كلما طال الأجل زيد في الزيادة ،
إن هي إلا معاملة غير شرعية من جهة أخرى لمنافاتها لروح الإسلام القائم على
التيسير على الناس و الرأفة بهم ، و التخفيف عنهم كما في قوله صلى الله عليه
وسلم:"رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى ، سمحا إذا اقتضى". رواه
البخاري . و قوله: من كان هينا ، لينا ، قريبا حرمه الله على النار". رواه"
الحاكم و غيره ، و قد سبق تخريجه برقم ( 938 ) . فلو أن أحدهم اتقى الله تعالى
، و باع بالدين أو بالتقسيط بسعر النقد ، لكان أربح له حتى من الناحية المادية
لأن ذلك مما يجعل الناس يقبلون عليه و يشترون من عنده و يبارك له في رزقه ،
مصداق قوله عز وجل: *( و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من @حيث لا يحتسب
)* . و بهذه المناسبة أنصح القراء بالرجوع إلى رسالة الأخ الفاضل عبد
الرحمن عبد الخالق:"القول الفصل في بيع الأجل"فإنها فريدة في بابها ،
مفيدة في موضوعها ، جزاه الله خيرا .
[1] الطلاق: الآية: 2 . اهـ .