سبب نزول: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا)
3218- (هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشتهُ حيةٌ
في الطريق فمات، فنزلت فيه:(ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يُدرِكه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورًا
رحيمًا) [النساء:100] . قال الزبير بن العوام: وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيءٌ حُزنَ وفاته حين بلغني؛ لأنه قلَّ أحدٌ ممن هاجر من قريش إلا معه بعض أهله أو ذي رحِمِهِ،
ولم يكُن معي أحدٌ من بني أسد بن عبد العُزَّى، ولا أرجو غيره).
أخرجه ابن أبي حاتم في"التفسير" (2/175/1) : حدثنا أبو زرعة: ثنا عبدالرحمن بن عبدالملك بن شيبة الحِزامي: حدثني عبدالرحمن بن المغيرة بن@
عبدالرحمن الحزامي عن المنذر بن عبدالله عن هشام بن عروة عن أبيه:أن الزبير ابن العوام قال:... فذكره.
وأخرجه أبو نعيم في"المعرفة" (1/209/2) من طريق أخرى عن عبدالرحمن
ابن شيبة هذا دون قول الزبير: وكنت أتوقعه... إلخ.
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات؛ ابن شيبة الحزامي من شيوخ
البخاري، تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وأخرج له البخاري متابعة كما حققه الحافظ، وانظر تعليقي على ترجمته في"تيسير الانتفاع"؛ فكأنه- لحسن حاله- مشّى حديثه هذا كما ذكروه في ترجمة خالد بن حزام وجزموا به؛ مثل الحافظ الذهبي في"التجريد"، والعسقلاني في"الإصابة"، ومن قبلهم ابن الأثير في
"أسد الغابة".
ورواه الواقدي على وجه آخر، فقال ابن سعد في"الطبقات" (4/119) : أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني المغيرة بن عبدالرحمن الحزامي قال:أخبرني أبي قال: خرج خالد بن حزام مهاجرًا إلى أرض الحبشة في المرة الثانية؛ فنهش في الطريق... الحديث؛ دون قول الزبير أيضًا.
وهذا- مع إرساله- واه جدًا؛ لحال محمد بن عمر الواقدي المعروفة.
ومن طريقه: أخرجه الحاكم (3/485) بأسانيد أخرى له.
وبالجملة؛ فالعمدة على الطريق الأولى؛ لثقة رواتها.
غير أنه بقي شيء كدت أن أسهو عنه، وهو أن المنذر بن عبدالله الحزامي لم يوثقه غير ابن حبان (7/518 و 9/176) ، وقال الحافظ:
"مقبول"!@
فأقول: بل هو ثقة فاضل، كما يظهر من ترجمته في"تاريخ بغداد" (13/244- 245) ، وتوثيق ابن حبان إياه، وكثرة الرواة الثقات عنه، وفيهم بعض الحفاظ والفقهاء؛ فراجع"تهذيب المزي"، و"تيسير الا نتفاع".
وأما ما روى أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس قال:
خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرًا، فقال لأهله: احملوني فأخرجوني
من أرض المشركين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنزل الوحي: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا... ) الآية.
أخرجه ابن أبي حاتم أيضًا، وأبو يعلى في"مسنده" (5/ 81/2679) ، وأبو نعيم
أيضًا في"المعرفة" (1/ 331/ 2) ،والوا حدي في"أسباب النزول"(ص 131-
132). وقال الهيثمي في"المجمع" (7/10) :
"رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات"!
كذا أطلق! وفيه نظر؛ فإن أشعث بن سوار مختلف فيه، وقد أخرج له مسلم متابعة، ولا شك في صدقه وسوء حفظه، وبهذا نجمع بين قول الذهبي فيه في"الكاشف":
"صد وق".
وقول الحافظ في"التقريب":
"ضعيف".
لكن لعله يتقوى برواية شريك عن عمرو بن دينار عن عكرمة به.
أخرجه ابن جرير الطبري في"تفسيره" (5/152) بسند رجاله ثقات، غير@
شريك هذا- وهو ابن عبدالله القاضي-، وفيه ضعف من قبل حفظه.
وله شواهد كثيرة مرسلة بأسانيد مختلفة يقطع الواقف عليها بصحة حديث
ابن عباس هذا، فراجعها إن شئت في"تفسير ابن جرير".
وإذا ثبت هذا؛ فلا تعارض بين حديث ابن عباس هذا، وحديث الترجمة؛
لأنه من الممكن أن تتعدد أسباب النزول، وذلك معروف عند علماء التفسير، فما نحن فيه من هذا القبيل.
ولعمرو بن دينار بهذا الإسناد حديث آخر في نزول قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) [النساء: 197] ، يرويه عنه محمد بن شريك. أخرجه البزار (2204) : حدثنا عبدة بن عبدالله: ثنا أبو نعيم: ثنا محمد بن
شريك به. وقال:
"لا نعلم أحدًا يرويه عن عمرو إلا محمد بن شريك".
قلت: وهو ثقة، وهو أبو عثمان المكى، وثقه جمع، ولذلك قال الحافظ في"مختصر الزوائد" (2/ 80/ 1460) :
"وفي"البخاري"بعضه، وإسناده صحيح".
وقال الهيثمي في"المجمع" (7/ 10) :
"رواه البزار،ورجاله رجال الصحيح؛غير محمد بن شريك،وهو ثقة". وتابعه أبو أحمد الزبيري قال: ثنا محمد بن شريك به.
أخرجه ابن جرير (5/148) ، وابن أبي حاتم (2/175/ 1) .@
وأما رواية البخاري التي أشار إليها الحافظ؛ فهي عنده (4596) من طريق
محمد بن عبدالرحمن أبي الأسود عن عكرمة به. وهو رواية لابن جرير.*