3064- (إنّ الله قد غَفَرَ لك كَذِبَكَ بتصديقِكَ بـ"لا إله إلا الله") .
روي من حديث أنس ، وابن عمر، وابن عباس ، والحسن البصري مرسلًا.
1 -أما حديث أنس ؛ فيرويه الحارث بن عبيد عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل:
"يا فلان ! فعلت كذا؟".
قال: لا والذي لا إله إلا هو! والنبي عليه السلام يعلم أنه قد فعله ، فقال له... فذكره.
أخرجه عبد بن حميد في"المنتخب من المسند" (3/175/1374) ، وأبو يعلى في"مسنده" (6/104/3368) ، والبزار (4/7/3068) ، والعقيلي في"الضعفاء" (1/213) والسياق له ، وابن عدي في"الكامل" (2/608) ، والبيهقي في"السنن" (10/37) .
وقال العقيلي في ترجمة الحارث هذا- وهو الإيادي -:
"ولا يتابع عليه، وهذا المتن يروى بغير هذا الإسناد بإسناد صالح أصح من هذا".@
قلت: كأنه يشير إلى حديث آخر- ممّا سنورده - .
وقال البزار:
"لا نعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا الحارث بن عبيد أبو قدامة ، وخالفه حماد بن سلمة ، فرواه عن ثابت عن ابن عمر".
قلت: وهو الآتي بعده .
والحارث هذا قد ضعفوه لوهمه ، وأشار إلى ذلك الحافظ بقوله في"التقريب":"صدوق يخطئ".
قلت: فمثله يستشهد بحديثه ، ويتقوى بغيره ، ولعل في كلام العقيلي المتقدم ما يشير إلى ذلك . وقد وهم فيه الهيثمي ؛ فقال (10/83) بعد أن عزا الحديث للبزار وأبي يعلى:
"ورجالهما رجال (الصحيح) "!
فتعقبه الحافظ فكتب على هامش"المجمع":
"قلت: فيه الحارث بن عبيد أبو قدامة ، وهو كثير المناكير، وهذا منها ، وقد ذكر البزار أنه تفرد به".
2-وأما حديث ابن عمر فيرويه ثابت أيضًا عن عبدالله بن عمر:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل.. الحديث.
أخرجه أحمد (2/68) ، وأبو يعلى (10/55/5690) من طريق عفان: حدثنا حماد: حدثنا ثابت.... قال حماد:
"لم يسمع هذا من ابن عمر، بينهما رجل"يعني: ثابتا ً.@
ثم أخرجه أحمد (2/70 و 118) ، وعبد بن حميد في"المنتخب" (2/54/855) ، والبيهقي أيضًا من طرق ثلاثة أخرى عن حماد بن سلمة به دون قول حماد:"لم يسمع..".
قلت: ورجاله ثقات على شرط مسلم ؛ لكنه منقطع لتصريح حماد بأن ثابتًا لم يسمعه من ابن عمر . وبهذا أعله الهيثمي .
وقد أعله بعض الناشئين في هذا العلم بعلة عجيبة ! فقال المعلق على"المنتخب":
"هذا سند رجاله ثقات ؛ لكن في القلب شيء ؛ وذلك لاختلاط حماد بن سلمة (!) ، فلم نستطع التمييز هل روى عنه يحيى قبل الاختلاط أم بعده ؟".
قلت: والرد من وجوه:
أولًا: لا نعلم أحدًا من أهل العلم وصفه بالاختلاط ؛ وإنما بالتغير، وهذا لا يضر، ولذلك لم يذكره ابن الصلاح في المختلطين في آخر كتابه"مقدمة علوم الحديث"؛ ولا الكيال في كتابه الجامع في هذا المجال:"الكواكب النيرات"، واحتج به مسلم في الأصول ؛ منها حديثه عن ثابت عن أنس المتقدم برقم (2592) .
ثانيًا: قال ابن عدي في آخر ترجمة ثابت من"الكامل" (2/527) :
"كتب عنه الأئمة والثقات ؛ وأروى الناس عنه حماد بن سلمة ؛ وماهو إلا ثقة صدوق ؛ و أحاديثه أحاديث صالحة مستقيمة إذا روى عنه ثقة ؛ وله حديث"
كثير؛ وهو من ثقات المسلمين ؛ وما وقع في حديثه من النكرة فليس ذاك منه ؛ إنما@هو من الراوي عنه؛ لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء ومجهولون"."
قلت: وهذا الحديث قد رواه عنه أربعة من الثقات: عفان بن مسلم ، ويحيى ابن آدم ، وحسن بن موسى ، وعبدالصمد - وهو ابن عبدالوارث- ، وعليه ؛ فحديثه هذا عن ثابت صحيح ؛ لولا أنه هو نفسه رحمه الله ذكر أنه منقطع .
ومن عجيب أمر هذا الناشىء ؛ أن في"مسند عبد بن حميد"هذا أكثر من خمسين حديثًا من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وحده ؛ فضلًا عن غيره ، وهاك أرقامها:
(1200و1202و1203و1204و1206و1208و1214و1256و1261و1290و1291و1294و1295و1297 - 1299و 1305- 1328و1331 ـ 1333 و 1335و1336و1338و1341و1358و1382و1384و1385 ) .
فأقول: وفي كل هذه الأحاديث لم أره أعل واحدًا منها بحماد بن سلمة ؛ بل إنه صرح بصحة بعضها ، والكثير منها في"صحيح مسلم"، فما الذي جعله يعل حديثنا هذا به دونها ؟ ! أخشى ما أخشاه أنه استنكر متنه لغرابته - وليس له ذلك - فنظر في سنده ؛ فلم يجد ما يتعلق به إلا رميه لحماد بالاختلاط ؛ لعدم تفريقه بين التغير والاختلاط كما تقدم ! ولو أنه أعطى البحث حقه أولًا؛ لوجد العلة منصوصًا عليها في رواية أحمد- وقد عزاه إليه- وهي الانقطاع ، ولأغناه ذلك عن رمي هذا الإمام بما ليس فيه ! ثم لوجد للحديث من الشواهد ما يقويه ثانيًا ؛ ولكن هذا شأن كثير من الناشئين الذين لم يتمرسوا على التحقيق والتفتيش. والله المستعان.
ولحماد بن سلمة إسناد آخر، وهو الآتي:@
3-وأما حديث ابن عباس؛ فيرويه أبو يحيى عنه:
أن رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدعي البينة، فلم يكن له بينة، فاستحلف المطلوب، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"قد فعلت، ولكن غفر لك بإخلاصك قول: لا إله إلا الله".
أخرجه أبو داود (3275) ؛ وعنه البيهقي ، وأحمد (1/253 و 289 و 2/70) من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي يحيى به. ثم أخرجه أبو داود (3620) عن أبي الأ حوص- مختصرًا- والحاكم (4/95-96) عن عبدالوارث، وأحمد (1/299 و 322) عن شريك ؛ ثلاثتهم عن عطاء به . وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي .
قلت: عطاء- وهو ابن السائب- كان اختلط، وقد ادعى الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على"المسند" (4/75) أن إسناده صحيح، وأن حماد بن سلمة سمع من عطاء قبل الاختلاط، وتبعه على ذلك المعلق على"مسند أبي يعلى" (10/56) ، ولكن يرد عليه أن حمادًا سمع من عطاء بعد الاختلاط أيضًا كما استظهر الحافظ في آخر ترجمة عطاء ، فيتوقف فيه .
نعم؛ قد رواه عن عطاء سفيان الثوري- كما علقه البيهقي ، ووصله النسائي في"القضاء"من"السنن الكبرى"- من طريق محمد بن إسماعيل بن سمرة- وهو ثقة- عن وكيع عن سفيان به، كما في"تحفة المزي" (4/ 390) . وبهذه الطريق يصير الحديث صحيحًا ؛لأن سفيان الثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط اتفاقا ، وأبو يحيى ؛ قال أبو داود عقب الحديث:@
"اسمه زياد ، كوفي ثقة".
ووثقه غيره.
4-وأما مرسل البصري ؛ فيرويه أبو عمرو بن نُجَيد: أنبأ أبو مسلم: ثنا الأنصاري: ثنا أشعث عنه:
أن رجلًا فَقَدَ ناقة له ، وادعاها على رجل ، فأتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هذا أخذ ناقتي ، فقال: لا، والله الذي لا إله إلا هو ما أخذتها . فقال: قد أخذتها ؛ رُدُّها عليه. فردها عليه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"قد غفر لك بإخلاصك".
أخرجه البيهقي من طرق عن أبي عمرو بن نجيد، ولم أعرفه الآن (1) ، ومن فوقه ثقات:
أبو مسلم- هو إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي - ثقة حافظ مترجم في"تذكرة الحفاظ"و"تاريخ بغداد".
والأنصاري هو محمد بن عبد الله بن المثنى من رجال الشيخين .
وأشعث هو ابن عبد الملك الحُمراني؛ وهو ثقة فقيه .
(فائدة) :
قال البيهقي عقب حديث الحسن هذا:
"هذا منقطع، فإن كان في الأصل صحيحًا فالمقصود منه البيان: أن الذنب وإن عظم لم يكن موجبًا للنار متى ما صحت العقيدة ، وكان ممن سبقت له المغفرة ،@وليس هذا التعيين لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -". *
(1) هو في"السير" (16/146) مفتتحة ترجمته بوصفه:"المحدث الرباني، شيخ نيسابور"! (الناشر) .