فهرس الكتاب

الصفحة 3564 من 3700

من معجزاته - صلى الله عليه وسلم -، وبطولات بعض أصحابه

3553- (إنك كالذي قال الأول: اللهم! أبغني حبيبًا هو أحبّ إلي من نفسي) .

أخرجه مسلم (5/190) من طريق إياس بن سلمة:حدثني أبي قال:

قدمنا الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ونحن أربع عشرة مئة،وعليها خمسون شاة لا تُرويها، قال: فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جَبَا الرّكية، فإما دعا وإما بصق فيها، قال: فجاشت، فسقينا واستقينا. قال:

2-ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعانا للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعته أوّل الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط من الناس قال:

"بايع يا سلمة!". قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله! في أول الناس! قال:"وأيضًا". قال:

ورآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزلًا (يعني: ليس معه سلاح) قال: فأعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجفة أو درقة، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال:@

"ألا تبايعني يا سلمة؟!". قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله! في أول الناس وفي أوسط الناس! قال:

"وأيضًا". قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي:

"يا سلمة! أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟". قال: قلت: يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلًا فأعطيته إياها، قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:... فذكر الحديث.

ثم إن المشركين راسلونا الصلح، حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا، قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه وأحسهُ وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض؛ أتيت شجرة فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها، قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين!قُتل ابن زنيم، قال: فاخترطت سيفي، ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثًا في يدي، قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد؛ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال:

وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له:مكرزٌ؛يقوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرس مجفف، في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال:

"دعوهم؛ يكن لهم بدءُ الفجور وثناهُ".@

فعفا عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل الله: {وهو الذي كل أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم... } الآية كلها. قال:

7-ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا، بيننا وبين بني لحيان جبل، وهم المشركون، فاستغفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن رقي هذا الجبل الليلة؛ كأنه طليعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا.

8ـ ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بظهره مع رباح غلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة أندّيه مع الظهر، فلما أصبحنا؛ إذا عبدالرحمن الفزاريّ قد أغار على ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، قال: فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيدالله، وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن المشركين قد أغاروا على سرحه، قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول:

أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضّع

فألحقُ رجلًا منهم فأصكّ سهمًافي رحله، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه. قال: قلت: خذها

وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضّع

قال: فوالله! ما زلت أرميهم أعقرُ بهم، فإذا رجع إلي فارس؛ أتيت شجرة فجلست في أصلها،ثم رميته فعقرت به،حتى إذا تضايق الجبل،فدخلوا في تضايقه؛علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة!قال:فما زلت كذلك أتبعهم،

@حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا خلفته وراء ظهري؛ وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بُردة وثلاثين رمحًا يستخفون، ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من الحجارة يعرفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، حتى أتوا متضايقًا من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري. فجلسوا يتضحون (أي: يتغدَّون) ، وجلست على رأس قرن، قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، والله! ما فارقنا منذ غلس يرمينا، حتى انتزع كل شيء في أيدينا، قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، قال: فلما أمكنوني من الكلام؛ قال: قلت: هل تعرفوني ؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد - صلى الله عليه وسلم -! لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني، قال أحدهم: أنا أظن.

9-قال: فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخللون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم.

قال:فولوا مدبرين.قلت: يا أخرم! احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق؛ فلا تحُل بيني وبين الشهادة! قال: فحليته، فالتقى هو وعبدالرحمن، قال: فعقر بعبدالرحمن فرسه، وطعنه عبدالرحمن فقتله، وتحول على فرسه.

ولحق أبو قتادة فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعبدالرحمن، فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - ! لتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب@

محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا غبارهم شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: (ذو قرد) ؛ ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم؛ فحليتُهم عنه (يعني: أجليتهم عنه) ، فما ذاقوا منه قطرة.

قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية، قال: فأعدو، فألحق رجلاٌ منهم فأصُكُهُ بسهم في نغض كتفه، قال: قلت: خذها

وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضّع

قال: يا ثكلتهُ أمّه!أكوعهُ بكرة؟! قال: قلت:نعم يا عدو نفسه!أكوعُك بُكرة.

قال: وأردوا فرسين على ثنية، قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

10-قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقةٌ من لبن وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت، ثم أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على الماء الذي حليتهم عنه؛ فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كبدها وسنامها.

قال: قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مئة رجل فأتبع القوم؛ فلا يبقى منهم مُخبرٌ إلا قتلته، قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه في ضوء النار. فقال:

"يا سلمة! أتراك كنت فاعلًا؟". قلت: نعم، والذي أكرمك! فقال:

"إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان"؛ قال:فجاء رجل من غطفان"؛فقال: نحر لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا، فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين.@"

11-فلما أصبحنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

"كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة". قال: ثم أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهمين؛ سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعًا، ثم أردفني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة.

12-قال: فبينما نحن نسير- قال: وكان رجل من الأنصار لا يُسبق شدًّا-، قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة، هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا؛ إلا أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل! قال:

"إن شئت". قال: اذهب إليك، وثنيت رجلي، فطفرت، فعدوت، قال: فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي، ثم عدوت في إثره فربطت عليه شرفًا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه، قال: فأصُكّه بين كتفيه، قال: قلت: قد سُبقت والله! قال: أنا أظن، قال: فسبقته إلى المدينة.

13-قال: فوالله! ما لبثنا إلا ثلاث ليال، حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:

تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا و لا صلينا

ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا

وأنزلن سكينةً علينا

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

"من هذا؟". قال: أنا عامر. قال:@

"غفر لك ربك!".

قال: وما استغفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإنسان يخصّه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله! لولا متعتنا بعامر!

14-قال: فلما قدمنا خيبر؛ قال: خرج ملكهم مرحب يخطرُ بسيفه ويقول:

قدعلمت خيبرأني مرحبُ شاكي السلاح بطل مُجربُ

إذا الحروب أقبلت تلهبُ

قال: وبرز له عمي عامر، فقال:

قدعلمت خيبرأني عامرُ شاكي السلاح بطل مغامر

قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفُل له، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه.

15-قال سلمة: فخرجت ؛ فإذا نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: بطل عملُ عامر؛ قتل نفسه.

فال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! بطل عملُ عامر؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

"من قال ذلك؟!". قال: قلت: ناس من أصحابك، قال:

"كذب من قال ذلك! بل له أجره مرتين".

ثم أرسلني إلى عليّ وهو أرمدُ، فقال:

"لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله؛ أو يحبه الله ورسوله".@

قال: فأتيت عليًا، فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فبسق في عينيه، فبرأ وأعطاه الراية، وخرج مرحب، فقال:

قدعلمت خيبر أني مرحبُ شاكي السلاح بطل مجربُ

إذا الحروب أقبلت تلهبُ

فقال علي:

أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره

أوفيهمُ بالصاع كيل السندره

قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه.

قلت: هكذا بهذا التمام أخرجه مسلم من طريق عكرمة- وهو ابن عمار- قال: حدثني إياس بن سلمة به. وكذلك رواه إبراهيم- وهو أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد بن سفيان النيسابوري الفقيه، راوية"صحيح مسلم"-.

وأخرجه الإمام أحمد (4/48) - كُله أو جُله-، والبيهقي- مفرقًا- في"دلائل النبوة" (4/138 و182و207) .

وأخرج هو (4/ 137 و180 و181- 206) ، وكذا أبو داود رقم (2654 و 2752) ، وكذلك أحمد (4/46 و47 و49- 50 و50-51 و 52- 53) ، والرّوياني في"مسنده" (1128 و 1130 و 1131و 1143 و 1149 و1156 و1172) ، والطبراني في"معجمه" (7/8- 13 ورقم 6233 و 6242 و 6243 و 6246 و 6252 و 6256 و 6268 و 6269 و 6274 و 6278 و ا 628 و 6284 و 6286 و 6287 و 6294 و6295 و6300) ، وكذا ابن أبي شيبة في"المصنف" (14/ 440- 443) أخرجوا منه من طرق عن سلمة فقرات؛@

منها المطول، ومنها المختصر، وأتمها طريق عكرمة بن عمار في"صحيح مسلم".

وهو- أعني: عكرمة بن عمار- جيد الحديث في روايته عن غير يحيى بن أبي كثير، أما روايته عنه خاصة؛ فقد تكلموا فيها؛ ولذلك قال الحافظ في ترجمته:

"صدوق؛ يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب".

قلت: ومن ذا الذي لا يغلط؟! وإن روايته لهذا الحديث لأكبر دليل على حفظه وضبطه لما يرويه. وقد تابعه غير ما واحد عن سلمة في بعض فقراته، وبعضها في"الصحيحين"، فانظر إن شئت (4532 و4540 و4543 و4551) في"تحفة الأشراف".

وقد وجدت له متابعًا على حديث الترجمة؛ لكن فيه من لا يُفرح بمتابعته؛ فقال الطبراني بالرقم المتقدم (6300) : حدثنا محمد بن يونس: ثنا ناصر بن علي: أنا حماد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة قال:

جاء عامر عمي، فقال: أعطني سلاحك، فأعطيته، ثم جئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت: أبغني سلاحًا، قال:

"فأين سلاحك؟"، قلت: أعطيته عامرًا عمي، قال:

"ما أجد أحدًا يشبهك إلا الذي قال: هب لي أخًا أحب إليّ من نفسي"؛ فأعطاني قوسه ومجنه وثلاثة أسهم من كنانته.

قلت: ومحمد بن يونس هذا: هو العصفري- وهو المعروف بالكديمي- ؛ وهو متهم بوضع الحديث. *@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت