270 -"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 478:
الرامهرمزي في"المحدث الفاصل" ( 6 / 1 ) حدثنا الحسن بن عثمان التستري حدثنا
أحمد بن أبي سريج الرازي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة@ عن قتادة عن
مطرف عن عمران بن حصين مرفوعا به . و زاد في آخره:
"قال يزيد بن هارون: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم ؟".
قلت: و هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات من رجال الصحيح غير التستري و ليس بثقة ،
فاتهم بالكذب و سرقة الحديث ، لكن يظهر أن للحديث أصلا من غير طريقه ، فقد ذكره
السيوطي في"الجامع الكبير" ( 1 / 341 / 1 ) من رواية ابن قانع و ابن عساكر
و الضياء المقدسي في"المختارة"عن قتادة عن أنس ، ثم قال:
"قال البخاري: هذا خطأ ، إنما هو قتادة عن مطرف عن عمران".
قلت: فهذا نص من البخاري على أن الحديث محفوظ من حديث عمران ابن حصين .
و اعلم أن الحديث صحيح ثابت مستفيض عن جماعة من الصحابة:
1 -معاوية بن أبي سفيان . عند الشيخين و أحمد .
2 -المغيرة بن شعبة . عندهما .
3 -ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . عند مسلم و الترمذي و ابن ماجه
و أحمد ( 5 / 278 ، 279 ) و أبي داود في"الفتن"و الحاكم ( 4 / 449 ) .
4 -عقبة بن عامر . عند مسلم .
5 -قرة المزني . في"المسند" ( 3 / 436 و 5 / 34 ) بسند صحيح و صححه الترمذي
6 -أبو أمامة . في"المسند" ( 5 / 269 ) .
7 -عمران بن حصين . عند أحمد أيضا ( 5 / 429 ، 437 ) من طرق أخرى عن حماد
ابن سلمة به دون الزيادة . و كذا رواه أبو داود في أول"الجهاد"و الحاكم
( 4 / 450 ) و صححه و وافقه الذهبي .@
8 -عمر بن الخطاب . في"المستدرك" ( 4 / 449 ) و صححه و وافقه الذهبي .
فالحديث صحيح قطعا ، و إنما أوردته من أجل هذه الزيادة ، و قد عرفت أن سندها
إلى يزيد بن هارون ضعيف ، و بهذا الإسناد رواه أبو بكر الخطيب في كتابه
"شرف أصحاب الحديث" ( ق / 34 / 1 ) . و قد عزاها الحافظ في"الفتح"
( 13 / 249 / بولاق ) إلى الحاكم في"علوم الحديث"، و ما أظنه إلا وهما ،
فإني قد بحثت عنها فيه ، فلم أجدها ، و إنما وجدت عنده ما يأتي عن الإمام أحمد
بيد أن هذه الزيادة معروفة و ثابتة عن جماعة من أهل الحديث من طبقة يزيد
ابن هارون و غيرها ، و هم:
1 -عبد الله بن المبارك ( 118 - 181 ) ، فروى الخطيب بسنده عن سعيد ابن يعقوب
الطالقاني أو غيره قال:
"ذكر ابن المبارك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة ... قال ابن"
المبارك: هم عندي أصحاب الحديث"."
2 -علي بن المديني ( 161 - 234 ) ، و روى الخطيب أيضا من طريق الترمذي و هذا
في"سننه" ( 2 / 30 ) و قد ساق الحديث من رواية المزني المتقدمة ( رقم 5 )
ثم قال:@
"قال محمد بن إسماعيل ( هو البخاري ) قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث"
3 -أحمد بن حنبل ( 164 - 241 ) ، روى الحاكم في"معرفة علوم الحديث" ( ص 2 )
و الخطيب بإسنادين ، صحح أحدهما الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه سئل عن معنى
هذا الحديث فقال:
"إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث ، فلا أدري من هم".
و روى الخطيب ( 33 / 3 ) مثل هذا في تفسير الفرقة الناجية .
4 -أحمد بن سنان الثقة الحافظ ( ... - 259 ) روى الخطيب عن أبي حاتم قال:
سمعت أحمد بن سنان و ذكر حديث"لا تزال طائفة من أمتي على الحق"فقال: هم
أهل العلم و أصحاب الآثار .
5 -البخاري محمد بن إسماعيل ( 194 - 256 ) ، روى الخطيب عن إسحاق بن أحمد
قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري - و ذكر حديث موسى بن عقبة عن أبي الزبير
عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي"، فقال
البخاري: يعني أصحاب الحديث . و قال في"صحيحه"و قد علق الحديث و جعله
بابا:"و هم أهل العلم"و لا منافاة بينه و بين ما قبله كما هو ظاهر ، لأن
أهل العلم هم أهل الحديث ، و كلما كان المرء أعلم بالحديث كان أعلم في العلم
ممن هو دونه في الحديث كما لا يخفى . و قال في كتابه"خلق أفعال العباد"
( ص 77 - طبع الهند ) و قد ذكر بسنده حديث أبي سعيد الخدري في قوله تعالى
( و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا @شهداء على الناس ) قال البخاري:
"هم الطائفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فذكر الحديث .
و قد يستغرب بعض الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية
بأنهم أهل الحديث ، و لا غرابة في ذلك إذا تذكرنا ما يأتي .
أولا: أن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة و ما يتعلق من معرفة
تراجم الرواة و علل الحديث و طرقه أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم صلى الله عليه
وسلم و هديه و أخلاقه و غزواته و ما يتصل به صلى الله عليه وسلم .
ثانيا: أن الأمة قد انقسمت إلى فرق و مذاهب لم تكن في القرن الأول ، و لكل
مذهب أصوله و فروعه ، و أحاديثه التي يستدل بها و يعتمد عليها . و أن المتمذهب
بواحد منها يتعصب له و يتمسك بكل ما فيه ، دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى
و ينظر لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلده ، فإن من
الثابت لدى أهل العلم أن في كل مذهب من السنة و الأحاديث ما لا يوجد في المذهب
الآخر ، فالمتمسك بالمذهب الواحد يضل و لابد عن قسم عظيم من السنة المحفوظة لدى
المذاهب الأخرى ، و ليس على هذا أهل الحديث فإنهم يأخذون بكل حديث صح إسناده ،
في أي مذهب كان ، و من أي طائفة كان راويه ما دام أنه مسلم ثقة ، حتى لو كان
شيعيا أو قدريا أو خارجيا فضلا عن أن يكون حنفيا أو مالكيا أو غير ذلك ، و قد
صرح بهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه حين خاطب الإمام أحمد بقوله:
"أنتم أعلم بالحديث مني ، فإذا جاءكم الحديث صحيحا فأخبرني به حتى أذهب إليه"
سواء كان حجازيا أم كوفيا أم مصريا"فأهل الحديث - حشرنا الله معهم - لا"
يتعصبون لقول شخص معين مهما علا @و سما حاشا محمد صلى الله عليه وسلم ، بخلاف
غيرهم ممن لا ينتمي إلى الحديث و العمل به ، فإنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم -
و قد نهوهم عن ذلك - كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم ! ! فلا عجب بعد هذا
البيان أن يكون أهل الحديث . هم الطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية . بل و الأمة
الوسط ، الشهداء على الخلق .
و يعجبني بهذا الصدد قول الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه"شرف أصحاب الحديث"
انتصارا لهم و ردا على من خالفهم:
"و لو أن صاحب الرأي المذموم شغل بما ينفعه من العلوم ، و طلب سنن رسول رب"
العالمين ، و اقتفى آثار الفقهاء و المحدثين ، لوجد في ذلك ما يغنيه عن سواه ،
و اكتفي بالأثر عن رأيه الذي يراه ، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد
و بيان ما جاء من وجوه الوعد و الوعيد ، و صفات رب العالمين - تعالى عن مقالات
الملحدين - و الإخبار عن صفة الجنة و النار ، و ما أعد الله فيها للمتقين
و الفجار ، و ما خلق الله في الأرضين و السماوات و صنوف العجائب و عظيم الآيات
و ذكر الملائكة المقربين ، و نعت الصافين و المسبحين .
و في الحديث قصص الأنبياء و أخبار الزهاد و الأولياء و مواعظ البلغاء ، و كلام
الفقهاء ، و سير ملوك العرب و العجم ، و أقاصيص المتقدمين من الأمم ، و شرح
مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم ، و سراياه ، و جمل أحكامه و قضاياه ، و خطبه
و عظاته ، و أعلامه و معجزاته ، و عدة أزواجه و أولاده ، و أصهاره و أصحابه ،
و ذكر فضائلهم و مآثرهم ، و شرح أخبارهم و مناقبهم ، و مبلغ أعمارهم ، و بيان
أنسابهم .
و فيه تفسير القرآن العظيم ، و ما فيه من النبأ و الذكر الحكيم ، و أقاويل
الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم ، و تسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم ،
من الأئمة الخالفين ، و الفقهاء المجتهدين .
و قد جعل الله أهله أركان الشريعة ، و هدم بهم كل بدعة شنيعة ، فهم أمناء الله
في خليقته ، و الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم و أمته ، و المجتهدون في
حفظ ملته ،@ أنوارهم زاهرة ، و فضائلهم سائرة ، و آياتهم باهرة ، و مذاهبهم
ظاهرة ، و حججهم قاهرة . و كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه ، و تستحسن رأيا
تعكف عليه ، سوى أصحاب الحديث ، فإن الكتاب عدتهم ، و السنة حجتهم ، و الرسول
فئتهم ، و إليه نسبتهم ، لا يعرجون على الأهواء ، و لا يلتفتون إلى الآراء .
يقبل منهم ما رووا عن الرسول ، و هم المأمونون عليه العدول . حفظة الدين
و خزنته ، و أوعية العلم و حملته ، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع ، فما
حكموا به فهو المقبول المسموع . منهم كل عالم فقيه ، و إمام رفيع نبيه ، و زاهد
في قبيلة ، و مخصوص بفضيلة ، و قارىء متقن ، و خطيب محسن . و هم الجمهور العظيم
و سبيلهم السبيل المستقيم ، و كل مبتدع باعتقادهم يتظاهر ، و على الإفصاح بغير
مذاهبهم لا يتجاسر ، من كادهم قصمهم الله ، و من عاندهم خذله الله ، لا يضرهم
من خذلهم ، و لا يفلح من اعتزلهم ، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير ، و بصر
الناظر بالسوء إليهم حسير ، و إن الله على نصرهم لقدير .( ثم ساق الحديث من
رواية قرة ثم روى بسنده عن علي بن المديني أنه قال: هم أهل الحديث و الذين
يتعاهدون مذاهب الرسول ، و يذبون عن العلم لولاهم لم تجد عند المعتزلة
و الرافضة و الجهمية و أهل الإرجاء و الرأي شيئا من السنن: قال الخطيب )فقد
جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين ، و صرف عنهم كيد العاندين ،
لتمسكهم بالشرع المتين ، و اقتفائهم آثار الصحابة و التابعين ، فشأنهم حفظ
الآثار ، و قطع المفاوز و القفار ، و ركوب البراري و البحار في اقتباس ما شرع
الرسول المصطفى ، لا يعرجون عنه إلى رأي و لا هوى . قبلوا شريعته قولا و فعلا ،
و حرسوا سنته حفظا و نقلا ، حتى ثبتوا بذلك أصلها ، و كانوا أحق بها و أهلها ،
و كم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها ، و الله تعالى يذب بأصحاب
الحديث عنها ، فهم الحفاظ@ لأركانها ، و القوامون بأمرها و شأنها ، إذا صدف
عن الدفاع عنها ، فهم دونها يناضلون ، أولئك حزب الله ، ألا إن حزب الله هم
المفلحون"."
ثم ساق الخطيب رحمه الله تعالى الأبواب التي تدل على شرف أصحاب الحديث و فضلهم
لا بأس من ذكر بعضها ، و إن طال المقال ، لتتم الفائدة ، لكني أقتصر على أهمها
و أمسها بالموضوع:
1 -قوله صلى الله عليه وسلم: نضر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه .
2 -وصية النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام أصحاب الحديث .
3 -قول النبي صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله .
4 -كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التبليغ عنه .
5 -وصف الرسول صلى الله عليه وسلم إيمان أصحاب الحديث .
6 -كون أصحاب الحديث أولى الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم لدوام صلاتهم عليه
7 -بشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بكون طلبة الحديث بعده و اتصال
الإسناد بينهم و بينه .
8 -البيان أن الأسانيد هي الطريق إلى معرفة أحكام الشريعة .
9 -كون أصحاب الحديث أمناء الرسل صلى الله عليهم و سلم لحفظهم السنن و تبيينهم
لها .
10 -كون أصحاب الحديث حماة الدين بذبهم عن السنن .
11 -كون أصحاب الحديث ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ما خلفه من السنة
و أنواع الحكمة .
12 -كونهم الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر .
13 -كونهم خيار الناس .
14 -من قال: إن الأبدال و الأولياء أصحاب الحديث .@
15 -من قال: لولا أهل الحديث لا ندرس الإسلام .
16 -كون أصحاب الحديث أولى الناس بالنجاة في الآخرة ، و أسبق الخلق إلى الجنة
17 -اجتماع صلاح الدنيا و الآخرة في سماع الحديث و كتبه .
18 -ثبوت حجة صاحب الحديث .
19 -الاستدلال على أهل السنة بحبهم أصحاب الحديث .
20 -الاستدلال على المبتدعة ببغض الحديث و أهله .
21 -من جمع بين مدح أصحاب الحديث و ذم أهل الرأي و الكلام الخبيث .
22 -من قال: طلب الحديث من أفضل العبادات .
23 -من قال: رواية الحديث أفضل من التسبيح .
24 -من قال: التحديث أفضل من صلاة النافلة .
25 -من تمنى رواية الحديث من الخلفاء و رأى أن المحدثين أفضل العلماء .
هذه هي أهم أبواب الكتاب و فصوله . أسأل الله تعالى أن ييسر له من يقوم بطبعه
من أنصار الحديث و أهله ، حتى يسوغ لمثلي أن يحيل عليه من شاء التفصيل في معرفة
ما جاء في هذه الفصول الرائعة من الأحاديث و النقول عن الأئمة الفحول !
و أختم هذه الكلمة بشهادة عظيمة لأهل الحديث من عالم من كبار علماء الحنفية في
الهند ، ألا و هو أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي ( 1264 - 1304 )
قال رحمه الله:
"و من نظر بنظر الإنصاف ، و غاص في بحار الفقه و الأصول متجنبا الاعتساف ،"
يعلم علما يقينيا أن أكثر المسائل الفرعية و الأصلية التي اختلف العلماء فيها ،
فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم ، و إني كلما أسير في شعب الاختلاف
أجد @قول المحدثين فيه قريبا من الإنصاف ، فلله درهم ، و عليه شكرهم ( كذا ) كيف
لا وهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم حقا ، و نواب شرعه صدقا ، حشرنا الله في
زمرتهم ، و أماتنا على حبهم و سيرتهم"."