فهرس الكتاب

الصفحة 3055 من 3700

3052-(يُؤتَى بالرجل يوم القيامة فيُقالُ: اعرِضوا عليه صغارَ ذُنُوبِهِ. فتُعرضُ عليه، ويُخَبَّأُ عنه كبارُها، فيُقالُ: عملت يوم كذا وكذا؛ كذا وكذا، وهو مُقرٌّ لا يُنكرُ، وهو مُشفِقٌ من الكبارِ، فيُقالُ: أعطُوهُ مكان كلِّ سيئةٍ عَمِلَها حسنةً. قال: فيقول: إنَّ لي ذنوبًا ما أراها هَهُنا.@

قال أبو ذرٍّ: فلقد رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ضَحِكَ حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ).

أخرجه وكيع في"الزهد" (2/651/367) : حدثنا الأعمش عن المعرور بن

سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فذكره

ومن طريق وكيع أخرجه أحمد (5/157) ، وهناد في"الزهد" (2/155/ 211) ،

وأبو عوانة في"صحيحه" (1/170) ، ومسلم أيضًا (1/122) ، إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ عبدالله بن نمير الآتي، وفيه زيادة في أوله.

وشذ الحسين بن حريث؛ فقال: حدثنا وكيع به، وزاد الزيادة بلفظ:

"إني لأعلم آخر رجل يدخل الجنة، وآخر رجل يخرج من النار؛ يؤتى بالرجل.."ا لحديث.

أخرجه الترمذي في"الشمائل" (2/ 20 بشرح الشيخ القاري) ، ومن طريقه البغوي في"شرح السنة" (15/192- 193) .

والحسين بن حريث ثقة من رجال الشيخين، لكن النفس لم تطمئن لمخالفته لرواية الجماعة عن وكيع. أقول هذا بالنسبة لروايته إياها عن وكيع، وإلا فقد رواه غيره عن الأعمش.

أولًا: عبدالله بن نمير: حدثنا الأعمش به، ولفظه:

"إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها؛ رجل يؤتى به.."الحديث.

أخرجه مسلم، وأبو عوانة، والبيهقي في"السنن" (10/190) ، وفي"الأسماء والصفات" (ص 54) .@

ثانيًا: أبو معاوية محمد بن خازم: ثنا الأعمش به؛ إلا أنه قال:

".. يؤتى برجل.."الحديث.

أخرجه أحمد (5/ 170) ، ومسلم أيضًا- ولم يسق لفظه-، والترمذي في"السنن" (8/ 261/2599) ، وابن حبان (9/233/ 7331- الإحسان) ، وابن جرير في"تفسيره" (19/ 30) ؛ إلا أنه قال:

".. قال: يؤتى برجل..".

وقال الترمذي:

"حديث حسن صحيح"

ثالثًا: أبو يحيى الحماني قال: ثنا الأعمش به مثل لفظ ابن نمير. أخرجه أبو عوانة.

واسم أبي يحيى عبدالحميد بن عبدالرحمن الحماني، وهو صدوق يخطئ من رجال الشيخين.

فقد اختلف على الأعمش في متن هذا الحديث؛ فابن نمير والحماني قالا:

".... آخر أهل النار خروجًا منها رجل يؤتى..".

وظاهره أن الرجل الذي يؤتى به هو الأول الذي ذكر قبله، وهذا مشكل جدًا كما سيأتي بيانه.

وقال أبو معاوية:

".. يؤتى برجل".@

فظاهره أنه غير الرجل الأول؛ وأكد ذلك بقوله في رواية ابن جرير:

".... قال: يؤتى برجل".

فهذا صريح في أنه رجل آخر غير الأول؛ لأنه استأنف الحديث عنه، وفصله

عن الذي قبله، وأكد ذلك وكيع في حديث الترجمة؛ فإنه ابتدأ الحديث عنه دون الرجل الأول.

وأما أن رواية ابن نمير والحماني مشكلة؛ فمما لا يخفى على المتأمل؛ فإنها تدل على أن الرجل مع كونه قد بدلت سيئاته حسنات؛ فهو آخر من يخرج من النار، وآخر من يدخل الجنة ! وهذا مما لا يستقيم في العقل.

وقد تكلم العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه"طريق الهجرتين" (ص 247- 250) ، ورد على من احتج بالحديث (حديث مسلم) أن التبديل المذكور في آية الفرقان: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) ، إنما هو يوم القيامة، ورجح أن ذلك في الدنيا بتحول التائب من أعماله القبيحة إلى أضدادها وهي حسنات، فأصاب في ذلك وأجاد، ولكنه لم يتعرض لإزالة الإشكال؛ بل إنه قال في صدد الرد المذكور (ص 248) :

"وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في النار؛ حتى كان آخر أهلها خروجًا منها، فهذا قد عوقب على سيئاته، فزال أثرها بالعقوبة، فبدل مكان كل سيئة بحسنة"!

فهذا إشكال جديد في كلامه، فإنه يؤكد أن التبديل كان بعد العقوبة !!

وقد أكد الإشكال ابن جرير رحمه الله؛ فإنه قال بعد أن رجح تفسير الآية بما تقدم عن ابن القيم:@

"وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح، وغير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه؛ إلا بتغييرها عما كانت عليه من صفتها في حال أخرى، فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي كان شركًا في الكفر بعينه إيمانًا يوم القيامة بالإسلام، ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة، وذلك ما لا يقوله ذو حجى".

وقد أشار الشيخ علي القاري رحمه الله إلى الإشكال في"المرقاة" (5/272) ، وأجاب عنه بقوله:

"ويمكن أن يقال: فعل بعد التوبة ذنوبًا استحق بها العقاب (!) وإما وقع التبديل له من باب الفضل من رب الأرباب، والثاني أظهر"!

قلت: لو كان كذلك لم يعذب ولم يكن أخر من يخرج من النار! وكأنه أخذ الجواب الثاني من ترجمة ابن حبان للحديث، فإنه قال:

"ذكر إبدال سيئات من أحب من عباده في القيامة بالحسنات".

فأقول: وهذا إنما يصح على رواية أبي معاوية التي فصلت، وجعلت الرجل الذي بدلت سيئاته حسنات غير الرجل الأول الذي هو آخر من يخرج من النار. وبذلك يزول الإشكال من أصله، والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات.

(تنبيه ) :زاد أبو عوانة في رواية في آخر الحديث:

"ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) ".

وإسناده هكذا: حدثنا ابن أبي رجاء المصيصي قال: ثنا وكيع بسنده المتقدم .@وابن أبي رجاء هذا اسمه أحمد بن محمد بن عبيد الله الطرسوسي، وقد

وثقه النسائي ؛ وقال مرة:

"لا بأس به"

قلت: فمثله تقبل زيادته؛ لولا أنه خالف كل الذين رووه عن وكيع- وعلى رأسهم الإمام أحمد كما تقدم-"فإنهم لم يذكروها، فكانت زيادة شاذة إسنادًا ومنكرة متنًا ؛ لمخالفتها للمعنى الصحيح للآية أولًا؛ ولأنها تؤكد الإشكال ثانيًا . والله أعلم ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت