فهرس الكتاب

الصفحة 3299 من 3700

3293- (أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرّموه، [ فتلك عِبادتهم ] ) . أخرجه البخاري في"التاريخ" (4/1/106) والترمذي في"السنن" (309) ، والطبراني في"المعجم الكبير" (17/92/218 و 219) ، وابن جرير في"التفسير" (10/ 80- 18) ، والبيهقي في"السنن" (10/116) من طريق عبدالسلام بن حرب عن غُطَيْفِ بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال:

أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب، فقال:

"يا عدي ! اطرح هذا الوثن".@

وسمعته يقرأ في سورة (براءة) : (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ) ، [ فقلت: إنا لسنا نعبدهم ] ؟! قال:... فذكره.

والزيادتان للبخا ري وغيره، والسياق للترمذي، وقال:

"حديث [حسن ] غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبدالسلام بن حرب، وغطيف بن أعين؛ ليس بمعروف في الحديث".

قلت: فهو علة الحديث، وهي جهالة (غطيف بن أعين) ، وقد ذكره ابن حبان في"الثقات" (7/ 311) برواية عبدالسلام هذا فقط، وكذلك ذكره البخاري وابن أبي حاتم، وذكرا له في"التهذيب"راويًا آخر، وهو (إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة) ، ولكنه متروك. وأما قول الحافظ فيه:

"قلت: وضعفه الدارقطني".

فأقول: ظن الدارقطني أنه هو (رَوح بن غطيف) ، بينه الذهبي بقوله في"الميزان":

"ضعفه الدارقطني وقال: روى عنه القاسم بن مالك المزني فقال: روح بن غطيف".

فتعقبه الذهبي بقوله:

"قلت: أظن ذا آخر".

فأقول: وعلى التفريق جرى البخاري وابن أبي حاتم ومن جاء بعدهما؛ فقد ترجما للأول (غطيف بن أعين) برواية عبدالسلام عنه كما تقدم، ثم ترجما لروح ترجمة أخرى؛ فقال البخاري (2/1/308/1047) :@

"روح بن غطيف الثقفي عن عمر بن مصعب، روى عنه محمد بن ربيعة؛ منكر الحديث..".

ثم ساق له حديث (الدرهم) من طريق القاسم بن مالك عنه عن الزهري بسنده المتقدم في"الضعيفة" (148) ، ووقع فيه عند البخاري: (روح بن غطيف ابن أبي سفيان الثقفي) ، وهكذا وقعت ترجمته في كتاب"الضعفاء"لابن حبان (1/298) . وأما ابن أبي حاتم؛ فقال:

"روح بن غطيف بن أعين الجزري، روى عن الزهري وعمرو- كذا- بن مصعب بن الزبير، روى عنه عبدالسلام بن حرب والقاسم بن مالك المزني ومحمد ابن ربيعة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: ليس بالقوي؛ منكر الحديث جدًّا".

هكذا سمّى جده (أعين الجزري) ، فلا أدري هل هو محفوظ؛ فإني لم أره عند غيره، وكذلك قوله:"روى عنه عبدالسلام بن حرب..."؟ والباقي موافق لما عند البخاري وغيره.

ثم رأيت حديث (الدرهم) في"علل الدارقطني" (8/43- 44) من طريق القاسم بن مالك المشار إليها آنفًا عن (روح بن غطيف) به. ثم ذكر أنه خالفه أسد ابن عمرو البجلي فقال:"عن غطيف"، وقال الدارقطني:

"وهو روح بن غطيف كما قال القاسم بن مالك، وروح ضعيف".

قلت: ففيه إشارة قوية إلى أن صاحب حديث (الدرهم) إنما هو (روح بن غطيف) ، وليس (غطيف بن أعين) ، وأن روحًا في نفسه ضعيف، وأن (أسد بن عمرو) أخطأ في قوله فيه: (غطيف) مكان (روح) . وقد صرح بذلك في كتاب"السنن" (1/ 401) ، فقال عقب رواية القاسم بن مالك المذكورة:@

"خالفه (أسد بن عمرو) في اسم (روح بن غطيف) ، فسماه (غطيفًا) ؛ ووهم فيه".

قلت: ومن هذا التحقيق يتبين:

أولًا: أن (غطيف بن أعين) هو غير (روح بن غطيف) .

ثانيًا: وأن (روحًا) هذا هو الذي ضعفه الدارقطني، خلافًا لما نسبه إليه الحافظ كما تقدم نقله عنه، وأشار إليه الذهبي بقوله في"الكاشف":"ليّنه بعضهم"؛ يشير إلى الدارقطني، وإنما ليَّن (روحًا) كما عرفت.

ثالثًا: وأن ما نسبه الذهبي في"الميزان"إلى الدارقطني أنه قال في (روح) :"روى عنه القاسم..."؛ وهمٌ على الدارقطني، وأن الذي روى ذلك عن القاسم إنما هو (أسد بن عمرو) كما صرح الدارقطني، فاغتنم هذا التحقيق؛ فقد لا تجده في مكان آخر.

ويتبين مما سبق أن علة هذا الإسناد جهالة غطيف بن أعين التي أشار إليها الترمذي بقوله فيه:"ليس بالمعروف".

وحينئذ يرد السؤال التالي: كيف يلتقي تجهيله إياه مع تحسينه للحديث؟

وجوابي من وجهين:

الأول: أن التحسين المذكور لم يرد في النسخة التي ننقل عنها، وإنما هي زيادة استفدتها من"تخريج الكشاف"للحافظ العسقلاني (75/108) ، و"الدر المنثور"للسيوطي (3/ 230) .

والآخر: لعله من أجل الشاهد الذي يرويه أبو البختري قال:@

"سئل حذيفة- رضي الله عنه- عن هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ) ؛ أكانوا يصلون لهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه، فصاروا بذلك (أربابًا) ".

أخرجه عبدالرزاق في"التفسير" (1/272) ، والطبري والبيهقي في"السنن"- والسياق له- وفي"الشعب" (7/45) ، وابن عبدالبر في"جامع بيان العلم" (2/109) من طرق عنه.

وهذا إسناد صحيح مرسل؛ فقد ذكروا أن (أبا البختري) - واسمه سعيد بن فيروز- عن حذيفة: مرسل.

على أن الحافظ ذكر أنه أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن عطاء بن يسار عن عدي بن حاتم؛ فهو بمجموع طرقه حسن إن شاء الله تعالى، وقد أشار ابن كثير في"تفسيره" (2/348) إلى تقويته، ولكنه عزاه لأحمد أيضًا، ولعله يعني في غير"مسنده"؛ فإني لم أره فيه، ولا عزاه إليه غيره. وقد عزاه السيوطي إلى ابن سعد أيضًا وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. وعزاه الحافظ لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبيهقي في"المدخل"من هذا الوجه - يعني: الذي عند الترمذي-. وقال العلامة الآلوسي في"روح المعاني"عقب الحديث وأثر حذيفة:

"ونظير ذلك قولهم: فلان يعبد فلانًا؛ إذا أفرط في طاعته، فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة، أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها، والأول أبلغ، وقيل: اتخاذهم أربابًا بالسجود لهم، ونحوه مما لا يصلح@"

إلا للرب عز وجل، وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه، وإن أخطأه اجتهاد مقلده"."

(تنبيه) : لقد اطلعت على موقفين متعارضين من مُعَلِّقُيْن على هذا الحديث، غفلا كلاهما عن خطأ نسبة تضعيف الدارقطني لـ (غطيف بن أعين) ، فجاءا بالعجب:

أما أحدهما- وهو الأخ أبو الأشبال الزهيري-؛ فإنه بناءً على التضعيف المزعوم طلع علينا بشيء جديد، وهو أن (غطيفًا) مجهول الحال! لأنه روى عنه أسد بن عمرو والقاسم بن مالك! وهما إنما رويا عن (روح) ! وعليه قال:

"فقد وثقه ابن حبان وضعفه الدارقطني، فلا أقل من أن يقال فيه:"لا بأس به"مثلأ"!

وهذه تركيبة عجيبة، ظاهرة البطلان، لا حاجة لإطالة الرد عليها!

وأما الآخر؛ فهو المدعو بـ (حسان عبدالمنان) ؛ فإنه قال في تعليقه على"إغاثة اللهفان" (2/375) :

"وهذا إسناد ضعيف، غطيف بن أعين ضعيف، وفيه جهالة"!

فقوله:"ضعيف"يشير إلى تضعيف الدارقطني، ولا أصل له كما سبق، على أن جمعه بين وصفه بالضعف ووصفه بالجهالة جمع بين متناقضين ، كما بينته في ردي عليه رقم (152) ! فلا داعي للإعادة. *@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت