1640 - إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، و ما تقرب إلي عبدي
بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، و ما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ،
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها
و رجله التي يمشي عليها ، و إن سألني لأعطينه و لئن استعاذني لأعيذنه ، و ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن ، يكره الموت و أنا أكره مساءته".@"
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"4 / 184:
أخرجه البخاري ( 4 / 231 ) و أبو نعيم في"الحلية" ( 1 / 4 ) و البغوي في
"شرح السنة" ( 1 / 142 / 2 ) و أبو القاسم المهرواني في"الفوائد المنتخبة"
الصحاح" ( 2 / 3 / 1 ) و ابن الحمامي الصوفي في"منتخب من مسموعاته"( 171 /"
1 )و صححه ثلاثتهم ، و رزق الله الحنبلي في"أحاديث من مسموعاته"( 1 / 2 -
2 / 1 )و يوسف بن الحسن النابلسي في"الأحاديث الستة العراقية" ( ق 26 / 1 )
و البيهقي في"الزهد" ( ق 83 / 2 ) و في"الأسماء و الصفات"ص ( 491 ) من
طريق خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن
عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره .
قلت: و هذا إسناد ضعيف ، و هو من الأسانيد القليلة التي انتقدها العلماء على
البخاري رحمه الله تعالى ، فقال الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد هذا و هو
القطواني بعد أن ذكر اختلاف العلماء في توثيقه و تضعيفه و ساق له أحاديث تفرد
بها هذا منها:"فهذا حديث غريب جدا ، و لولا هيبة"الجامع الصحيح" ( ! ) "
لعددته في منكرات خالد بن مخلد ، و ذلك لغرابة لفظه ، و لأنه مما ينفرد به شريك
، و ليس بالحافظ ، و لم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد . و لا أخرجه من عدا
البخاري ، و لا أظنه في"مسند أحمد"و قد اختلف في عطاء ، فقيل: هو ابن أبي
رباح ، و الصحيح أنه عطاء بن يسار". و نقل كلامه هذا بشيء من الاختصار الحافظ"
في"الفتح" ( 11 / 292 - 293 ) ، ثم قال:"قلت: ليس هو في"مسند أحمد
جزما ، و إطلاق أنه لم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد مردود ، و مع ذلك فشريك
شيخ شيخ خالد - فيه مقال أيضا . و هو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه و نقص ، و
قدم و أخر و تفرد فيه بأشياء لم يتابع عليها و لكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها
على أن له أصلا .
1 -منها عن عائشة أخرجه أحمد في"المسند" ( 6 / 256 ) و في"الزهد"و ابن أبي الدنيا و أبو نعيم في"الحلية"و البيهقي في"الزهد"من طريق عبد الواحد بن ميمون عن@ عروة عنها . و ذكر ابن حبان و ابن عدي أنه تفرد به . و قد
قال البخاري: إنه منكر الحديث . لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد عن
عروة و قال:"لم يروه عن عروة إلا يعقوب و عبد الواحد".
2 -و منها عن أبي أمامة . أخرجه الطبراني و البيهقي في"الزهد"بسند ضعيف .
3 -و منها عن علي عند الإسماعيلي في"مسند علي".
4 -و عن ابن عباس . أخرجه الطبراني و سندهما ضعيف .
5 -و عن أنس أخرجه أبو يعلى و البزار و الطبراني . و في سنده ضعف أيضا .
6 -و عن حذيفة . أخرجه الطبراني مختصرا . و سنده حسن غريب .
7 -و عن معاذ بن جبل . أخرجه ابن ماجة و أبو نعيم في"الحلية"مختصرا و سنده
ضعيف أيضا .
8 -و عن وهب بن منبه مقطوعا . أخرجه أحمد في"الزهد"و أبو نعيم في"الحلية"
"، فيه تعقب على ابن حبان حيث قال بعد إخراج حديث أبي هريرة:"لا يعرف لهذا
الحديث إلا طريقان - يعني غير حديث الباب - و هما هشام الكناني عن أنس ، و عبد
الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة ، و كلاهما لا يصح". هذا كله كلام الحافظ ."
و قد أطال النفس فيه ، و حق له ذلك ، فإن حديثا يخرجه الإمام البخاري في
"المسند الصحيح"ليس من السهل الطعن في صحته لمجرد ضعف في إسناده ، لاحتمال
أن يكون له شواهد تأخذ بعضده و تقويه .. فهل هذا الحديث كذلك ؟ لقد ساق الحافظ
هذه الشواهد الثمان ، و جزم بأنه يدل مجموعها على أن له أصلا . و لما كان من
شروط الشواهد أن لا يشتد ضعفها و إلا لم يتقو الحديث بها كما قرره العلماء في
"علم مصطلح الحديث"، و كان من الواجب أيضا أن تكون شهادتها كاملة ،@ و إلا كانت قاصرة ، لذلك كله كان لابد لي من إمعان النظر في هذه الشواهد أو ما أمكن
منها من الناحيتين اللتين أشرت إليهما: قوة الشهادة و كمالها أو العكس ،
و تحرير القول في ذلك ، فأقول:
1 -ذكر الحافظ لحديث عائشة طريقين أشار إلى أن أحدهما ضعيف جدا . لأن من قال
فيه البخاري: منكر الحديث . فهو عنده في أدنى درجات الضعف . كما هو معلوم ،
و سكت عن الطريق الأخرى فوجب بيان حالها ، و نص متنها ، فأقول: أخرجه الطبراني
في"الأوسط" ( 15 / 16 - زوائده ) : حدثنا هارون بن كامل حدثنا سعيد بن أبي
مريم حدثنا إبراهيم بن سويد المدني حدثني أبو حزرة يعقوب بن مجاهد أخبرني عروة
ابن الزبير عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره بتمامه مثله
إلا أنه قال:"إن دعاني أجبته"بدل"إن استعاذني لأعيذنه"و قال:"لم"
يروه عن أبي حزرة إلا إبراهيم . و لا عن عروة إلا أبو حزرة و عبد الواحد بن
ميمون"."
قلت: و هذا إسناد رجاله كلهم ثقات معروفون مترجمون في"التهذيب"غير هارون
ابن كامل و هو المصري كما في"معجم الطبراني الصغير"ص ( 232 ) و لم أجد له
ترجمة ، فلولاه لكان الإسناد جيدا . لكن الظاهر من كلام الطبراني السابق أنه لم
يتفرد به . فإن ذكر التفرد لإبراهيم شيخ شيخه . و الحديث أورده الهيثمي ( 10 /269 ) بطرفه الأول ثم قال:"رواه البزار و اللفظ له و أحمد و الطبراني في"
"الأوسط"و فيه عبد الواحد بن قيس و قد وثقه غير واحد . و ضعفه غيرهم .
و بقية رجال أحمد رجال الصحيح . و رجال الطبراني في"الأوسط"رجال"الصحيح"
غير شيخه هارون بن كامل"!"
قلت: يعقوب بن مجاهد و إبراهيم بن سويد ليسا من رجال"الصحيح"و إنما أخرج
لهما البخاري في"الأدب المفرد".@ ثم إن قوله:"و فيه عبد الواحد بن قيس"
يخالف قول الحافظ المتقدم أنه عبد الواحد بن ميمون . و لا أدري هل منشؤه من
اختلاف الاجتهاد في تحديد المراد من عبد الواحد الذي لم ينسب فيما وقفت عليه من
المصادر ، أم أنه وقع منسوبا عند البزار ؟ فقد رأيت الحديث في"المسند"( 6 /
256 )و"الحلية" ( 1 / 5 ) و"الزهد"للبيهقي ( 83 / 2 ) من طرق عن عبد
الواحد مولى عروة عن عروة به . ثم تبين لي أن الاختلاف سببه اختلاف الاجتهاد .
و ذلك لأن كلا من عبد الواحد بن ميمون ، و عبد الواحد بن قيس روى عن عروة .
فمال كل من الحافظين إلى ما مال إليه . لكن الراجح ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر
لأن الذين رووه عن عبد الواحد لم يذكروا في الرواة عن ابن قيس و إنما عن ابن
ميمون . و في ترجمته ذكر ابن عدي ( 305 / 1 ) هذا الحديث و كذلك صنع الذهبي في
"الميزان"و الحافظ في"اللسان"، فقول الهيثمي أنه قيس مردود ، و لو كان
هو صاحب هذا الحديث لكان شاهدا لا بأس به . فإنه أحسن حالا من ابن ميمون . فقد
قال الحافظ فيه:"صدوق له أوهام و مراسيل". و أما الأول فمتروك . ثم رأيت
ما يشهد لما رجحته . فقد أخرجه أبو نعيم في"الأربعين الصوفية" ( ق 60 / 1 )
و أبو سعيد النيسابوري في"الأربعين" ( ق 52 / 1 - 2 ) و قال:"حديث غريب"
... و قد صح معنى هذا الحديث من حديث عطاء عن أبي هريرة"، و ابن النجار في"
"الذيل" ( 10 / 183 / 2 ) عن عبد الواحد بن ميمون عن عروة به فنسبه إلى ميمون
.و جملة القول في حديث عائشة هذا أنه لا بأس به في الشواهد من الطريق الأخرى
إن لم يكن لذاته حسنا .@
2 -ثم ذكر حديث أبي أمامة و ضعفه ، و هو عند البيهقي من طريق ابن زحر عن علي
ابن يزيد عن القاسم عنه . و كذلك رواه السلمي في"الأربعين الصوفية"( 9 / 1
). و هذا الإسناد يضعفه ابن حبان جدا ، و يقول في مثله إنه من وضع أحد هؤلاء
الثلاثة الذين دون أبي أمامة . لكن أخرجه أبو نعيم في"الطب"( ق 11 / 1 -
نسخة الشيخ السفرجلاني )من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد به نحوه
.و عثمان هذا قال الحافظ في"التقريب":"ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد"
الألهاني"."
3 -حديث علي لم أقف الآن على إسناده .
4 -و أما حديث ابن عباس ، فقد ضعفه الحافظ كما تقدم ، و بين علته الهيثمي فقال
: ( 10 / 270 ) :"رواه الطبراني: و فيه جماعة لم أعرفهم".
قلت: و إسناده أسوأ من ذلك ، و في متنه زيادة منكرة و لذلك أوردته في""
الضعيفة" ( 5396 ) ."
5 -و أما حديث أنس فلم يعزه الهيثمي إلا للطبراني في"الأوسط"مختصرا جدا
بلفظ:"... من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة". و قال:"و فيه عمر بن"
سعيد أبو حفص الدمشقي و هو ضعيف". و قد وجدته من طريق أخرى أتم منه ، يرويه"
الحسن بن يحيى قال: حدثنا صدقة ابن عبد الله عن هشام الكناني عن أنس به نحو
حديث الترجمة ، و زاد:"و إن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة ،"
فأكفه عنه لئلا يدخله@ عجب فيفسده ذلك . و إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح
إيمانه إلا الفقر ..."الحديث . أخرجه محمد بن سليمان الربعي في"جزء من
حديثه " ( ق 216 / 2 ) و البيهقي في"الأسماء و الصفات" ( ص 121 ) ."
قلت: و إسناده ضعيف ، مسلسل بالعلل: الأولى: هشام الكناني لم أعرفه ، و قد
ذكره ابن حبان في كلامه الذي سبق نقله عنه بواسطة الحافظ ابن حجر ، فالمفروض أن
يورده ابن حبان في"ثقات التابعين"و لكنه لم يفعل ، و إنما ذكر فيهم هشام بن
زيد بن أنس البصري يروي عن أنس ، و هو من رجال الشيخين ، فلعله هو .
الثانية: صدقة بن عبد الله ، و هو أبو معاوية السمين - ضعيف .
الثالثة: الحسن بن يحيى و هو الخشني ، و هو صدوق كثير الغلط كما في"التقريب"
". 6 - و حديث حذيفة لم أقف على سنده أيضا ، و لم أره في"مجمع الهيثمي"."
7 -و حديث معاذ مع ضعف إسناده فهو شاهد مختصر ليس فيه إلا قوله:"من عادى"
وليا فقد بارز الله بالمحاربة". و هو مخرج في"الضعيفة" ( 1850 ) . و حديث"
وهب بن منبه أخرجه أبو نعيم ( 4 / 32 ) من طريق إبراهيم بن الحكم حدثني أبي
حدثني وهب بن منبه قال:"إني لأجد في بعض كتب الأنبياء عليهم الصلاة و السلام"
: إن الله تعالى يقول: ما ترددت عن شيء قط ترددي عن قبض روح المؤمن ، يكره
الموت ، و أكره مساءته و لابد له منه".@"
قلت: و إبراهيم هذا ضعيف ، و لو صح عن وهب فلا يصلح للشهادة ، لأنه صريح في
كونه من الإسرائيليات التي أمرنا بأن لا نصدق بها ، و لا نكذبها . و نحوه ما
روى أبو الفضل المقري الرازي في"أحاديث في ذم الكلام" ( 204 / 1 ) عن محمد
ابن كثير الصنعاني عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال:"قال الله ..."فذكر
الحديث بنحوه معضلا موقوفا . و لقد فات الحافظ رحمه الله تعالى حديث ميمونة
مرفوعا به بتمامه مثل حديث الطبراني عن عائشة . أخرجه أبو يعلى في"مسنده"(
ق 334 / 1 )و أبو بكر الكلاباذي في"مفتاح المعاني" ( 13 / 1 رقم 15 ) عن
يوسف بن خالد السمتي حدثنا عمر بن إسحاق أنه سمع عطاء بن يسار يحدث عنها . لكن
هذا إسناد ضعيف جدا لأن السمتي هذا قال الحافظ:"تركوه ، و كذبه ابن معين".
فلا يصلح للشهادة أصلا . و قد قال الهيثمي:"رواه أبو يعلى و فيه يوسف بن"
خالد السمتي و هو كذاب". و خلاصة القول: إن أكثر هذه الشواهد لا تصلح لتقوية"
الحديث بها ، إما لشدة ضعف إسناده ، و إما لإختصارها ، اللهم إلا حديث عائشة ،
و حديث أنس بطريقيه ، فإنهما إذا ضما إلى إسناد حديث أبي هريرة اعتضد الحديث
بمجموعها و ارتقى إلى درجة الصحيح إن شاء الله تعالى ، و قد صححه من سبق ذكره
من العلماء .
( تنبيه ) جاء في كتاب"مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار"( في الباب الحادي
عشر في الكلمات القدسية ( 2 / 338 ) أن هذا الحديث أخرجه البخاري عن أنس و أبي
هريرة بلفظ:@"من أهان لي ( و يروى من عاد لي ) وليا فقد بارزني بالمحاربة ،"
و ما ترددت في شيء أنا فاعله ، ما ترددت في قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت و
أنا أكره مساءته ، و لابد له منه ، و ما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل الزهد في
الدنيا ، و لا تعبد لي بمثل أداء ما افترضته عليه"."
قلت: فهذا خطأ فاحش من وجوه: الأول: أن البخاري لم يخرجه من حديث أنس أصلا .
الثاني: أنه ليس في شيء من طرق الحديث التي وقفت عليها ذكر للزهد .
الثالث: أنه ليس في حديث أبي هريرة و أنس قوله:"و لابد له منه".
الرابع: أنه مخالف لسياق البخاري و لفظه كما هو ظاهر . و نحو ذلك أن شيخ
الإسلام ابن تيمية أورد الحديث في عدة أماكن من"مجموع الفتاوي"( 5 / 511 و
10 / 58 و 11 / 75 - 76 و 17 / 133 - 134 )من رواية البخاري بزيادة"فبي يسمع"
و بي يبصر و بي يبطش و بي يمشي". و لم أر هذه الزيادة عند البخاري و لا عند"
غيره ممن ذكرنا من المخرجين ، و قد ذكرها الحافظ في أثناء شرحه للحديث نقلا عن
الطوفي و لم يعزها لأحد . ثم إن لشيخ الإسلام جوابا قيما على سؤال حول التردد
المذكور في هذا الحديث ، أنقله هنا بشيء من الاختصار لعزته و أهميته ، قال رحمه
الله تعالى في"المجموع" ( 18 / 129 - 131 ) :"هذا حديث شريف ، و هو أشرف"
حديث روي في صفة الأولياء ، و قد رد هذا الكلام طائفة و قالوا: إن الله لا
يوصف بالتردد ، فإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور ، و الله أعلم بالعواقب و
ربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة التردد ! و التحقيق: أن كلام رسوله حق
و ليس أحد أعلم بالله من رسوله ، و لا أنصح للأمة ، و لا أفصح و لا أحسن بيانا
منه ، فإذا كان كذلك كان المتحذلق و المنكر عليه من@ أضل الناس ، و أجهلهم و
أسوئهم أدبا ، بل يجب تأديبه و تعزيره و يجب أن يصان كلام رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن الظنون الباطلة و الاعتقادات الفاسدة . و لكن المتردد منا ، و إن
كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور ( فإنه ) لا يكون ما وصف
الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا ، فإن الله ليس كمثله شيء ، ثم هذا
باطل ( على إطلاقه ) فإن الواحد يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب ، و تارة لما
في الفعلين من المصالح و المفاسد ، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ، و يكرهه
لما فيه من المفسدة ، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه و يكره من
وجه ، كما قيل:
الشيب كره و كره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب .
و هذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه . بل جميع ما يريده العبد من الأعمال
الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب ، و في"الصحيح":"حفت النار"
بالشهوات ، و حفت الجنة بالمكاره"و قال تعالى: *( كتب عليكم القتال و هو كره"
لكم )* الآية . و من هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في الحديث ، فإنه قال
:"لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"فإن العبد الذي هذا حاله صار
محبوبا للحق محبا له ، يتقرب إليه أولا بالفرائض و هو يحبها ، ثم اجتهد في
النوافل ، التي يحبها و يحب فاعلها ، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق .
فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة ، بحيث يحب ما يحبه
محبوبه ، و يكره ما يكره محبوبه ، و الرب يكره أن يسوء عبده و محبوبه ، فلزم من
هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه . و الله سبحانه قد قضى بالموت .
فكل ما قضى به فهو يريده و لابد منه ، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه و هو
مع ذلك كاره لمساءة عبده ، و هي المساءة التي تحصل له بالموت ، فصار الموت
مرادا للحق من وجه مكروها له من وجه ، و هذا حقيقة التردد ، و هو أن يكون الشيء
الواحد مرادا من وجه مكروها من وجه و إن كان لابد من ترجح أحد الجانبين ، كما
ترجح إرادة الموت ، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده . و ليس إرادته لموت المؤمن
الذي يحبه و يكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه و يريد مساءته".@"
و قال في مكان آخر ( 10 / 58 - 59 ) :"فبين سبحانه أن يتردد لأن التردد تعارض"
إرادتين ، فهو سبحانه يحب ما يحب عبده ، و يكره ما يكرهه ، و هو يكره الموت ،
فهو يكرهه كما قال:"و أنا أكره مساءته"و هو سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد
أن يموت ، فسمى ذلك ترددا . ثم بين أنه لابد من وقوع ذلك"."