3179- (أما إنّ ربَّك يُحبُّ المحامدَ) .
أخرجه البخاري في"الأدب المفرد" (859 و861و868) و"التاريخ" (1/ 445/ 425 1) ،والنسائي في"السنن الكبرى" (4/416/7745) ،والحاكم (3/ 614) ، وأحمد (3/ 435) ،والطبراني في"المعجم الكبير" (1/258/ 0 82- 825) ، والطحاوي في"شرح المعاني" (2/372) من طرق عن الحسن عن الأسود بن سريع، قال: كنت شاعرًا، فقلت: يا رسول الله! امتدحتُ ربي، فقال:... فذكره، وما استزادني على ذلك. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
قلت: هو كذلك بالنظر لرواية البخاري في كتابيه ؛فإن الحسن قد صرح بالتحديث عن الأسود من طريقين عنه، ولولا ذاك لكان معلَّلًا بالعنعنة؛ لأن الحسن معروف بالتدليس، والذين جزموا بأن الحسن لم يسمع من الأسود، لم يذكروا حجة سوى حكاية لا يُعرف لها إسناد: أن الأسود لم يُرَ بعد قتل عثمان، وإلا قولًا لبعضهم:إن الأسود مات يوم الجمل سنة ست وثلاثين؛وإنما قدم الحسن@
البصرة بعد ذلك! وهناك قول آخر: أن الأسود بقي بعد الأربعين، وهذا يلتقي مع تصريح الحسن بالسماع منه؛ لأن هذا ولد في نحو سنة (22) ؛ فبإمكانه أن يسمع منه كما هو ظاهر، وإلى هذا مال الدكتور بشار في تعليقه على
"تهذيب الكمال"للحافظ المزي (3/222- 223) ، فراجعه؛ فإنه مفيد.
ثم وجدت لتصريحه بالتحديث عن الأسود طريقًا ثالثًا عند النسائي في"الكبرى" (5/184/6 861) بحديث النهي عن قتل الذرية، الذي كنت خرجته قديمًا في المجلد الأول برقم (402) معتمدًا في تصريحه بالسماع على رواية الحاكم إياه،والآن وقد طبع"السنن الكبرى"للنسائي، ووقفنا فيه أيضًا على التصريح؛ فلينقل إلى الحديث المذكور.
ثم ألحقته به في الطبعة الجديدة، في مكتبة المعارف- الرياض.
ويبدو لي أن الحافظ المزي معنا في إثبات السماع منه؛ بدليل أنه لما ذكر شيوخ الحسن البصري (6/97) مصرحًا بعدم إدراكه لبعضهم، أو الخلاف فيه كما هي عادته- وذلك من دقته وتحقيقه جزاه الله خيرًا- قال:".. والأسود بن سريع (س) "؛ فلم يذكر في سماعه منه شكًا بله نفيٍ، خلافًا للحافظ في
"تهذيبه"!وللحديث طريق أخرى،يرويها عبد الرحمن بن أبي بكرة أن الأسود بن سريع قال:
أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله! إني قد حمدت ربي تبارك وتعالى بمحامد ومدح، وإياك، فقال:"أما إن ربك تبارك وتعالى يحب المدح"، فجعلت أُنشِده، فاستأذن رجل طُوال أصلع، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم:"اسكت"، فدخل
فتكلم ساعة ثم خرج، فأنشدته، ثم جاء فسكتني! ثم خرج، فعل ذلك مرتين أو@
ثلاثًا، فقلت: من هذا الذي سكّتني له؟! قال:"هذا رجل لا يحب الباطل،"
[هذا عمر ابن الخطاب ] "."
أخرجه البخاري في"الأ دب المفرد" (342) - والسياق له-، والطحاوي
-مختصرًا- وأحمد (3/435) ، وكذا الحاكم (3/ 4 61 و615) - والزيادة لهما-، والطبراني أيضًا (1/ رقم 842 و 843) من طريق علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ له علتان:
الأولى: الانقطاع بين عبد الرحمن هذا والأسود بن سريع، على ما صرح به
ابن منده؛ فقد ذكر الحافظ في"التهذيب"في ترجمة الأسود: أنه روى عنه الحسن وعبد الرحمن هذا، وأتبعه بقوله:
"قال ابن منده: ولا يصح سماعهما منه، توفي أيام الجمل سنة (42) ."
قلت: تبعه الذهبي على هذا الكلام..."."
ثم تعقبه بما خلاصته أن وقعة الجمل كانت سنة (36) بلا خلاف، وأن أحمد وابن معين ذكرا أنه توفي سنة (42) .
قلت: وسواء كانت وفاته في هذه السنة- وهو الذي نميل إليه لما تقدم-، أو كانت التي قبلها؛ فلا أرى وجهًا للانقطاع الذي ادعاه ابن منده؛ لأن عبد الرحمن هذا ولد سنة (14) في البصرة، فهو قد أدرك الأسود يقينًا؛ لأننا إذا افترضنا أن الوفاة كانت سنة (36) فيكون عُمُرُ عبدِ الرحمن حينئذ (22) سنة، وعلى ما هو الراجح لدينا يكون عمره يومئذ (28) سنة، مع العلم أن الأسود كان نزل البصرة وقص بها.وكأنه لذلك لما ترجم له الحافظ المزي وغيره،وذكروا من روى عنهم من@
الصحابة؛كان منهم الأسود هذا ولم ينفوا سماعه منه؛فهذه العلة إذن غير قادحة.
والعلة الأخرى: ضعف علي بن زيدان جُدعان؛ لكنه لم يتفرد به؛ فقال الطبراني في"معجمه" (1/ رقم 844) : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي: ثنا مَعمَرُ بنُ بكَّار السَّعدي: ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة به نحوه.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات ؛ غير معمر بن بكار السعدي، قال العقيلي
في"الضعفاء" (4/207) :
"في حديثه وهم، ولايتابع على أكثره".
وذكره ابن أبي حاتم (4/ 1/259) دون تجريح أو تعديل.
وأما ابن حبان؛ فذكره في"الثقات" (9/196) .
وقال الذهبي في"الميزان":
"شيخ لمطيّن، صويلح".
قلت: فيبدو مما تقدم من ترجمته أنه يمكن الاستشهاد به، وبخاصة إذا تذكَّرنا أن الحاكم صحح له هذا الحديث؛ فإنه رواه (3/615) من طريق الحضرمي - وهو (مطين) - عنه، وقال عقبه:
"حديث صحيح".
ولكن رده الذهبي بقوله:
"قلت: معمر له مناكير".@
وهذا لا يمنع من الاستشهاد به، ومتابعة ابن جدعان له ترفع عنه النكارة،
وبها يثبت الحديث بتمامه، والله أعلم.
والحديث جزم شيخ الإسلام ابن تيمية في"الرد على البكري" (ص 291)
بنسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وكنت قد أشرت إلى ضعفه في"تحريم آلات الطرب" (ص 123) ، وجزمت
في"ضعيف الأدب المفرد" (55/342) أنه ضعيف بهذا التمام،وأحلت على"الضعيفة" (2922) ، ولم أكن وقفتُ- حينذاك- على متابعة الزهريِّ لابن جدعان، فسبحان من قد أحاط بكل شيء علمًا، والمعصوم من عصمه الله.*