478 -"قال الله عز و جل: لا يأتي النذر على ابن آدم بشيء لم أقدره عليه ، و لكنه"
شيء أستخرج به من البخيل يؤتيني عليه ما لا يؤتيني على البخل . و في رواية: ما
لم يكن آتاني من قبل"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 781:
أخرجه الإمام أحمد في"المسند" ( 2 / 242 ) : حدثنا سفيان عن أبي الزناد
عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكره .
قلت: و هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، و قد أخرجاه في"صحيحيهما"
و أبو داود و غيرهم من طرق أخرى عن أبي الزناد به ، إلا أنهم لم يجعلوه حديثا
قدسيا ، و قد ذكرت لفظه و من خرجه و طرقه في"إرواء الغليل" ( 2650 ) .
و رواه النسائي ( 2 / 142 ) من طريق أخرى عن سفيان به مختصرا .
و تابعه همام بن منبه عن أبي هريرة به .
أخرجه ابن الجارود في"المنتقى" ( 932 ) و أحمد ( 2 / 314 ) بإسناد صحيح على
شرطهما ، و لم يخرجاه من هذا الطريق ، و لا بلفظ الحديث القدسي .
و للحديث طريق ثالث بلفظ:
"لا تنذروا ، فإن النذر لا يغني من القدر شيئا و إنما يستخرج به من البخيل".
أخرجه مسلم و صححه الترمذي .
من فقه الحديث:
دل الحديث بمجموع ألفاظه أن النذر لا يشرع عقده ، بل هو مكروه ، و ظاهر النهي
في بعض طرقه أنه حرام ، و قد قال به قوم . إلا أن قوله تعالى:"أستخرج به من@البخيل"يشعر أن الكراهة أو الحرمة خاص بنذر المجازاة أو المعاوضة ، دون نذر
الابتداء و التبرر ، فهو قربة محضة ، لأن للناذر فيه غرضا صحيحا و هو أن يثاب
عليه ثواب الواجب ، و هو فوق ثواب التطوع . و هذا النذر هو المراد - و الله
أعلم - بقوله تعالى ( يوفون بالنذر ) دون الأول .
قال الحافظ في"الفتح" ( 11 / 500 ) :
"و قد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى ( يوفون بالنذر ) قال:"
كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و العمرة و مما
افترض عليهم فسماهم الله أبرارا ، و هذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر
المجازاة"."
و قال قبل ذلك:"و جزم القرطبي في"المفهم"بحمل ما ورد في الأحاديث من"
النهي ، على نذر المجازاة ، فقال:
هذا النهي محله أن يقول مثلا: إن شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا .
و وجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر
أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى لما صدر منه ، بل سلك فيه مسلك
المعاوضة ، و يوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه ، و هذه
حالة البخيل ، فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبا
و هذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله:
"و إنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه". و قد ينضم إلى هذا
اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض ، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض
لأجل ذلك النذر ، و إليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضا"فإن النذر لا يرد من"
قدر الله شيئا". و الحالة الأولى تقارب الكفر ، و الثانية خطأ صريح".
قال الحافظ:@ قلت: بل تقرب من الكفر أيضا .
ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة و قال:
"الذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد ،"
فيكون إقدامه على ذلك محرما ، و الكراهة في حق من لم يعتقد ذلك"."
و هو تفصيل حسن ، و يؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فإنها
في نذر المجازاة .
قلت: يريد بالقصة ما أخرجه الحاكم ( 4 / 304 ) من طريق فليح بن سليمان عن سعيد
بن الحارث أنه سمع عبد الله بن عمر و سأله رجل من بني كعب يقال له مسعود بن
عمرو: يا أبا عبد الرحمن إن ابني كان بأرض فارس فيمن كان عند عمر بن عبيد الله
و إنه وقع بالبصرة طاعون شديد فلما بلغ ذلك نذرت: إن الله جاء بابني أن أمشي
إلى الكعبة ، فجاء مريضا ، فمات ، فما ترى ؟ فقال ابن عمر:( أو لم تنهوا عن
النذر ؟ ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"النذر لا يقدم شيئا ، و لا"
يؤخره ، فإنما يستخرج به من البخيل"، أوف بنذرك )."
و قال الحاكم:"صحيح على شرط الشيخين". و وافقه الذهبي .
قلت: و هو عند البخاري دون القصة من هذا الوجه ، و فليح يقول الحافظ في
"التقريب"عنه:"صدوق كثير الخطأ".
قلت: فلا ضير على أصل حديثه ما دام أنه لم يتفرد به . و الله أعلم .
و بالجملة ففي الحديث تحذير للمسلم أن يقدم على نذر المجازاة ، فعلى الناس أن
يعرفوا ذلك حتى لا يقعوا في النهي و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا !@