3060 -( أَتَعَلَّمُ بها قبرَ أخي، وأَدْفِنُ إليه مَنْ مات من أهلي.
يعني: عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ رضي الله عنه ).
أخرجه أبو داود (3206) ، ومن طريقه: البيهقي (3/412) ، وابن شبَّة في"تاريخ المدينة" (1/102) عن كثير بن زيد المدني عن المطلب قال:
لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته، فدُفن، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله ، فقام إليها رسوله الله- صلى الله عليه وسلم - وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسوله الله - صلى الله عليه وسلم -: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه ،
وقال... فذكره .
قلت: وهذا إسناد متصل حسن ؛ للخلاف المعروف في كثير بن زيد المدني هذا ، ولخص ذلك الحافظ بقوله في"التقريب":
"صدوق يخطئ".
ولذلك قال في"التلخيص الحبير" (5/229- المنيرية) :
"وإسناده حسن ، ليس فيه إلا كثير بن زيد راويه عن المطلب ، وهو صدوق ، وقد بين المطلب أن مخبِرًا أخبره، ولم يسمِّه، ولا يضر إبهام الصحابي. ورواه ابن ماجه،وابن عدي مختصرًا؛ من طريق كثير بن زيد أيضًا عن زينب بنت نبيط عن"
أنس .قال أبو زرعة: هذا خطأ . و أشار إلى أن الصواب رواية من رواه عن كثير عن المطلب . ورواه الطبراني في"الأوسط"من حديث أنس بإسناد آخر فيه ضعف".@"
وقال النووي في"شرح المهذب" (5/282) بعد أن ساق الحديث:
"فهو مسند لا مرسل؛ لأنه رواه عن صحابي، والصحابة رضي الله عنهم كلهم لا تضر الجهالة بأعيانهم ، ورواه ابن ماجه رحمه الله عن أنس رضي الله عنه".
قلت: قد عرفت أن الرواية عن أنس غير محفوظة ، وأن الصحيح أنه من رواية كثير بن زيد عن المطلب ، هكذا ذكر ابن أبي حاتم في"العلل" (1/348-349) عن أبي زرعة ، ونقلته آنفًا ، وهو عن أنس عند ابن ماجه (1561) ، و"الكامل"لابن عدي (6/2089) ؛ وقال عقبه وفي آخر ترجمة (كثير) :
"ولم أر بحديثه بأسًا، وأرجو أنه لا بأس به".
قلت: وإذا عرفت ما تقدم من التحقيق؛ تبين لك أنه أخطأ في هذا الحديث رجلان:
الأول: الحافظ الذهبي؛ بإعلاله إياه بالإرسال ، فقال في"سير أعلام النبلاء" (1/154) :
"هذا مرسل"!
وسبب وهمه أنه ذكر الحديث مختصرًا دون قول كثير بن زيد:"قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك…."!
والظاهر أنه ذكره من ذاكرته، فهذا عذره، ولكن ما عذر المعلق عليه حين قال:
"وسنده حسن ؛ لكنه مرسل كما قال المؤلف ؛ فإن المطلب هو ابن عبدالله بن المطلب.. تابعي، وقد أخطأ من ظنه المطلب بن أبي وداعة الصحابي.."؟!
فأقول: نعم لقد أخطأ من ظن ما ذكرت، ولكن ما بالك تبصر القذاة في عين@
أخيك ؛ ولا ترى الجذع في عينيك ؟! فها أنت تتابع الذهبي في وهمه , بدل أن تنبه عليه ، وأنت لا عذر لك ؛ لأنك تشير إلى الحديث برقمه في"السنن"؛ مشعرًا بذلك أنك رجعت إلى الحديث فيه مباشرة! ومع ذلك لم تر قول المطلب فيه:"قال الذي يخبرني.."! فلا عذر لك والحالة هذه ! اللهم ! إلا إذا كان الواقع خلاف ما أشعرت به القارىء ! وكان ذكرك للرقم تزيينًا منك للتخريج ! كما تفعل أنت وغيرك من المتشبعين الموهمين للقراء بطول الباع في التحقيق! ولا تحقيق سوى التحويش والتقميش!! وحينئذ فلك عذر كالذهبي! ولكن شتان ما بين عذريكما ؛ فإن عذره عذر العارفين بالتأليف- وبخاصة إذا كان مثل"السير"- يكون مقبولًا عندهم، وأما عذرك ؛ فهو مثل ما يقال:"عذر أقبح من ذنب"!!
والرجل الآخر: البوصيري ؛ فإنه قال في"زوائد ابن ماجه" (2/ 40) تحت حديث أنس المشار إليه آنفًا:
"هذا إسناد حسن ، كثير بن زيد مختلف فيه ، وله شاهد من حديث المطلب ابن أبي وداعة ، رواه أبو داود في (سننه) ".
قلت: ووجه الخطأ ظاهر جدًا لمن عرف أن حديث المطلب وحديث أنس حديثٌ واحدٌ ، رواهما راوٍ واحد هو كثير بن زيد ، وأنه أخطأ حين قال مرة:"عن أنس"فكيف يصح أن يجعل خطؤه شاهدًا لصوابه؟! هذا مما لا يعقل !
ومن الغريب حقًا أن يخفى هذا الخطأ على المعلق المشار إليه آنفًا ، فينقل عن البوصيري تحسينه لسند ابن ماجه ؛ وهو يرى في السطور التي كتبها بيده- فيما أظن- أن سنده وسند أبي داود مدارهما على الراوي الواحد، الذي اضطرب هو فيه ! فلو أنه كان يعي ما يكتب ، ويعرف الفرق بين الحديث المعلول وغير المعلول ؛ لما وقع في هذا الخطأ المجسد المجسم !!@
وأما قول البوصيري:".. حديث المطلب بن أبي وداعة"؛ فهو خطأ تقدم التنبيه
عليه في كلام المعلق المذكور، وقد كنت وقعت أنا أيضًا فيه حين ألفت كتابي"أحكام الجنائز وبدعها"منذ نحو خمس وعشرين سنة، ثم نبهني عليه الدكتور الفاضل عبدالعليم عبدالعظيم جزاه الله خيرًا، بناء على ما في"تحفة الأشراف"للحافظ المزي. ثم لما أعدت النظر في السند وفي ترجمة (كثير بن زيد) تبين لي الخطأ، وازددت تبصرًا حين رأيت ابن سعد قد أخرج الحديث (3/399) مختصرًا من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبدالله بن حَنْطَب.. وإن كان رواه عن شيخه محمد بن عمر، وهو الواقدي، وهو متروك، فإنه في مثل ما نحن فيه إن كان لا ينفع؛ فإنه لا يضر.
وقد أشار غير واحد إلى ثبوت الحديث في الجملة ؛ فقال ابن عبدالبر في ترجمة (عثمان بن مظعون) من"الاستيعاب":
"وأَعْلَمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قبرَه بحجر، وكان يزوره".
وكذا قال ابن الأثير في"أسد الغابة".
ووجدت له شاهدًا مختصرًا أيضًا من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم قال:
رأيت قبر عثمان بن مظعون وعنده شيء مرتفع . يعني: كأنه علم .
أخرجه ابن سعد (3/397) بسند حسن عنه.
وفيه إشارة إلى أن الحجر الذي وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده كان باقيًا على قبر ابن مظعون رضي الله عنه إلى القرن الثاني الهجري ؛ فإن أبا بكر بن محمد بن حزم هذا مات سنة عشرين ومئة، ويظهر من قوله:"شيء"أن الحجر لم يكن ظاهرًا، فلعل ذلك من تراكم الأتربة عليه. والله أعلم .@
ثم إنه قد ذكر غير واحد: أن عثمان بن مظعون كان أول من دفن في البقيع ،
ولم أر ذلك متصلًا من وجه يحتج به، وأعلى ما وقفت عليه ما أخرجه ابن سعد (3/397) من طريق الواقدي نفسه قال: أخبرنا محمد بن عبدالله عن الزهري عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال:
"أول من دفن بالبقيع من المسلمين عثمان بن مظعون..".
وابن ربيعة هذا ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لكن السند إليه هالك ؛ لأن الواقدي متروك كما تقدم، وشيخه محمد بن عبدالله- هو ابن أبي سبرة أبو بكر المدني- قال الذهبي في"الميزان":
"قال أحمد: كان يضع الحديث".
وذكر ابن عبدالبر من طريق الواقدي عن [ابن] أبي سبرة عن عاصم بن عبيدالله عن عبيدالله بن أبي رافع قال... فذكره.
وابن أبي رافع هذا تابعي ثقة .
ثم أخرج ابن سعد (3/612) من طريق الواقدي أيضًا قال: أخبرنا عبدالجبار ابن عمارة عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال:
أول من دفن بالبقيع أسعد بن زرارة.
قال الواقدي: هذا قول الأنصار. والمهاجرون يقولون: أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون .
وعلقه ابن شبة في"تاريخه" (1/96) على الواقدي بإسناد آخر له نحوه مختصرًا لم يذكر دفن عثمان .@
ثم روى (1/101) بسند فيه متروكان عن شيخ مخزومي يقال له: عمر قال:
كان عثمان بن مظعون رضي الله عنه من أول من مات من المهاجرين، فقالوا: يارسول الله! أين ندفنه؟ قال:"بالبقيع". قال: فَلَحَدَ له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفضل حجر من حجارة لحده ، فحمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضعه عند رجليه ، فلما ولي مروان ابن الحكم المدينة مر على ذلك الحجر؛ فأمر به فرمي.. إلخ.
وبالجملة؛ فلا يدرى من هو الصحابي الذي دفن في البقيع أولًا؛ أهو عثمان ابن مظعون؛ أم أسعد بن زرارة ؟ على أن ذلك كله مدار روايته على الواقدي المتروك وبأسانيده المختلفة الواهية.
وقد استدل الشافعية وغيرهم بهذا الحديث على أنه يستحب أن يجعل عند رأسه علامة من حجر أو غيره ؛ قالوا: ولأنه يعرف به فَيُزار.
وأقول: ولأنه إذا عرف لم يجلس عليه ولم يدس بالنعال . وقد ترجم له أبو داود بقوله:
"باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يُعَلَّمُ".
والبيهقي فقال:
"باب إعلام القبر بصخرة أو علامة ما كانت".