3147- ( والذي نفسي بيدِه ! لوتتابعتُم حتَّى لا يبقى منكم أحدٌ ؛ لسال بكُمُ الوادي نارًا ) .
أخرجه أبو يعلى في"مسنده" (3/468/ 1979) - ومن طريقه: ابن حبان (6877- ط: المؤسسة) : حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا هُشَيم عن حُصَين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبدالله قال:
بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة؛ وقدمت عِيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:.. ! فذكره، فنزلت هذه الآية: (وإذا رَأوْا تجارة أو لهوًا انفضُّوا إليها وتركوك قائمًا ) [ الجمعة: 11] ، وقال: في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر و عمر.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات؛ لولا أن هشيمًا مدلس وقد عنعنه، لكنه قد صرح بالتحديث عند مسلم (3/10) : حدثنا إسماعيل بن سالم: أخبرنا هشيم: أخبرنا حصين به، إلا أنه لم يذكر حديث الترجمة.@
وكذلك أخرجه الترمذي (3308) : حدثنا أحمد بن منيع: حدثنا هشيم: حدثنا حصين به، وقال:
"حديث حسن صحيح".
وكذا أخرجه أبن حبان (6837) من طريق آخر عن هشيم.
وتابع هشيمًا جمعٌ من الثقات عن حصين به دون حديث الترجمة.
أخرجه البخاري (936 و 4899) ، ومسلم أيضًا، وابن خزيمة (3/161- 162)
وأبو يعلى (1888) أيضًا، وأحمد (3/313 و370) ، وابن أبي شيبة (2/113) ، وابن جرير في"التفسير" (28/67- 68) ، والبيهقي (3/ 181- 182) من طرق عدة عن حصين به، منهم من لا يذكر أبا سفيان، وجميعهم لم يذكروا حديث الترجمة، فيكون شاذًا لتفرد زكريا بن يحيى به؛ وهو الواسطي الملقب (زَحْمَوَيهِ) ؛ وهو ثقة، كما قال الحافظ في"اللسان" (2/484) ، وذكره ابن حبان في"الثقات" (8/253) ، وقال:
"كان من المتقنين"!
ولعل مخالفته لهؤلاء الثقات بهذه الزيادة عليهم لا يؤيد قول ابن حبان هذا فيه، فليُتأمَّل !
ولذلك؛ فقد غفل عن هذه المخالفة: المعلِّق على"مسند أبي يعلى"حين قال
في تعليقه على الحديث:
"إسناده صحيح، وقد تقدم برقم (1888) ".
ومثله المعلق على"الإحسان" (15/300) فقال:
"إسناده صحيح، زكريا بن يحيى زحمويه، روى عنه جمع، وذكره المؤلف في@"
"الثقات".. وهو في"مسند أبي يعلى" (1979) ، وانظر ما قبله"!"
وغفلتهما من ناحيتين:
الأولى: أن عنعنة هشيم تمنع من إطلاق الصحة على إسناده كما تقدم.
هذا أولًا.
وثانيًا: اتفاق إسماعيل بن سالم، وأحمد بن مَنيع، وسُرَيج بن يونس عند
ابن حبان على روايتهم عن هشيم مصرحًا بالتحديث دون حديث الترجمة يجعل رواية زحمويه بهذه الزيادة شاذة.
وثالثًا: متابعة الجمع الثقات لهشيم على رواية الحديث عن حصين دون الزيادة تؤكد شذوذها، ولذلك اقتصر الشيخان على إخراج الحديث دونها.
والأخرى: أن كُلًا من المعلقين أشار إلى رواية أبي يعلى الموافقة لرواية الشيخين المتقدمة، وذلك من تمام الغفلة!
ثم إن زيادة:"وقال: في الإثني عشر..."ثابتة من بعض الطرق الأخرى عن هشيم عند ابن حبان ومسلم أيضًا وغيرهما.
نعم؛ لحديث الترجمة شاهد مرسل قوي، فقال الطبري في"تفسيره" (28/67- 68) : حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة:
بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس يوم الجمعة، فجعلوا يتسللون ويقومون، حتى بقيت منهم عصابة، فقال:"كم أنتم؟"فعدوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة، ثم قام في الجمعة الثانية فجعل يخطبهم- قال سعيد: ولا أعلم إلا أن في حديثه: ويعظهم ويذكرهم، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت عصابة، فقال:"كم أنتم؟"فعدوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة، ثم قام في الجمعة الثالثة،@
فجعلوا يتسللون ويقومون، حتى بقيت منهم عصابة، فقال:"كم أنتم؟"فعدوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة، فقال:
"والذي نفسي بيده؛ لو اتبع آخرُكم أولَكم؛ لالتهب عليكم الوادي نارًا"، وأنزل الله عز وجل: (وإذا رأوا تجارة.. ) الآية.
قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير بشر
-وهو ابن معاذ العقدي الضرير-؛ قال عنه أبو حاتم (2/368/1417) :
"صالح الحديث صدوق".
وذكره ابن حبان في"الثقات" (8/ 144) ، وقال:
"ثنا عنه ابن خزيمة وشيوخنا، مات سنة (245) أو قبلها أو بعدها بقليل". (تنبيه) : جاء في"فتح الباري" (2/424) ما نصه:
"ووقع في"تفسير الطبري"و"ابن أبي حاتم"بإسناد صحيح إلى أبي قتادة قال..."فذكر الحديث.
فأقول: هكذا وقع فيه"أبي قتادة"! وهكذا نقله عن"الفتح"مؤلف"تحرير المرأة في عصر الرسالة" (2/182) ، وهو خطأ مطبعي، والصواب:"قتادة"دون أداة الكنية:"أبي"، ويؤيد ذلك أنه وقع على الصواب في موضعين آخرين من"الفتح": أحد هما: في"التفسير"قال (8/ 644) :
"ووقع عند الطبري من طريق قتادة...".
والآخر: في"الجمعة"قبل الموضع الأول بصفحة (2/423) قال:
"وفي مرسل قتادة عند الطبراني"!@
كذا وقع فيه، وهو خطأ مطبعي أيضًا ؛ بدليل أن محققه علق عليه بقوله:
"وفي ا لمخطوطة: (الطبري) ".
قلت: وهذا هو الصواب الذي يدل عليه ويؤكده تحقيقنا هذا.
فلا أدري لِمَ لَمْ يثبته محققه كما في الأصل؟!
وكذلك أورده السيوطي في"الدر المنثور" (6/ 221) من رواية عبد بن حُميد
عن قتادة، ومن روايته عن الحسن- وهو البصري- قال:
"بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة إذ قدمت عير المدينة فانفضوا..."الحديث نحو حديث الترجمة، ليس فيه ذكر الجمعة الثانية والثالثة ، وهو الصواب - إن شاء الله تعالى-.
ثم رأيت البيهقي قد أخرج الحديث في"شعب الإيمان" (5/235- 236) بسند ضعيف عن مقاتل بن حَيَّان ، معضلًا مثل حديث قتادة عند ابن جرير ، والله أعلم.
وأخرجه أبو داود في"المراسيل" (105/62) بسند صحيح عن مقاتل بن حيان قال:
"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي يخطب وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل فقال: إن دِحْيَة بن خليفة قدم بتجارته، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدِّفاف، فخرج الناس، فأنزل الله عز وجل: (وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها ) ، فقدَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الخطبة يوم الجمعة وأخَّر الصلاة..."الحديث.
قلت: وهذا منكر بهذا السياق مع إعضاله.@
ثم رأيت حديث الحسن البصري قد أخرجه البيهقي في"الشعب" (3/107/3019) من طريق الأوزاعي: حدثني داود بن علي: أنه سمع الحسن بن أبي الحسن يقوله:
بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس يوم الجمعة؛ أقبل شاءٌ وشيء من سمن، فجعل الناس يقومون إليه، حتى لم يبق إلا قليل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لو تتابعتم لتأجج الوادي نارًا".
قلت: وهذا إسناد حسن مرسل، وداود بن علي: هو ابن عبد الله بن عباس، قال ابن حبان في"الثقات":
"يخطىء". وقال الحافظ:
"مقبول".
قلت: فهو حسن الحديث في الشواهد كما هنا . *