1967 -"يقتص الخلق بعضهم من بعض ، حتى الجماء من القرناء ، و حتى الذرة من الذرة".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"4 / 608:
أخرجه أحمد ( 2 / 363 ) : حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد عن واصل عن يحيى بن عقيل
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره .
قلت: و هذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم . و واصل هو مولى أبي
عيينة . و حماد هو ابن سلمة البصري . و عبد الصمد هو ابن عبد الوارث البصري .
و الحديث قال الهيثمي في"مجمع الزوائد" ( 10 / 352 ) تبعا للمنذري في
"الترغيب" ( 4 / 201 ) :"رواه أحمد ، و رجاله رجال الصحيح".
قلت: و أصله في"الصحيح"من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة
بلفظ:"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة"
القرناء". أخرجه مسلم ( 7 / 18 - 19 ) . و الترمذي ( 4 / 292 بشرح التحفة ) "
و أحمد ( 2 / 235 و 301 و 411 ) من طرق عنه به . و قال الترمذي:"حديث حسن"
صحيح".@ و في لفظ لأحمد:"حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها""
.و إسناده صحيح أيضا على شرط مسلم . و له طريق أخرى ، فقال ابن لهيعة: عن
دراج أبي السمح عن أي حجيرة عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ:"ألا و الذي نفسي بيده"
ليختصمن كل شيء يوم القيامة ، حتى الشاتان فيما انتطحتا". أخرجه أحمد( 2 /"
290 )بإسناد قال المنذري:"حسن".
قلت: و لعله يعني لغيره ، فإن ابن لهيعة سيء الحفظ و كذلك دراج أبو السمح .
و رواه الطبراني في"الأوسط"بنحوه ، قال الهيثمي:"و فيه جابر بن يزيد"
الجعفي ، و هو ضعيف". و أخرجه عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي"
حاتم و البيهقي في"البعث"عن أبي هريرة أيضا قال:"يحشر الخلائق كلهم يوم"
القيامة و البهائم و الدواب و الطير و كل شيء ، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ
للجماء من القرناء ، ثم يقول: كوني ترابا فذلك حين يقول الكافر: *( يا ليتني
كنت ترابا )*": أورده السيوطي في"الدر المنثور" ( 6 / 310 ) و لم يتكلم"
على إسناده كما هي عادته و هو عند ابن جرير ( 30 / 17 ) قوي كما سبق قريبا
و موضع الشاهد منه صحيح قطعا عنه مرفوعا للطرق السابقة ، و لشواهده الآتية:@
الأول: عن أبي سعيد الخدري مرفوعا مثل حديث أبي هريرة من الطريق الأخرى .
أخرجه أحمد أيضا ( 3 / 29 ) عن ابن لهيعة أيضا حدثنا دراج عن أبي الهيثم عنه .
و قد عرفت حال ابن لهيعة و شيخه آنفا .
الثاني: عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا ، و شاتان
تقترنان ، فنطحت إحدهما الأخرى فأجهضتها ، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقيل له: ما يضحكك يا رسول الله ! قال:"عجبت لها ، و الذي نفسي بيده"
ليقادن لها يوم القيامة". أخرجه أحمد ( 5 / 173 ) عن ليث عن عبد الرحمن بن"
ثروان عن الهزيل بن شرحبيل عنه . و هذا إسناد جيد في الشواهد و المتابعات ،
رجاله ثقات رجال"الصحيح"غير ليث و هو ابن أبي سليم ، ضعيف لاختلاطه و لكنه
قد توبع ، فرواه منذر الثوري عن أشياخ له ( و في رواية لهم ) عن أبي ذر مختصرا
و فيه:"يا أبا ذر ! هل تدري فيم تنطحان ؟ قال: لا ، قال: لكن الله يدري ،"
و سيقضي بينهما". أخرجه أحمد أيضا ( 5 / 162 ) ."
قلت: و هذا إسناد صحيح عندي ، فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الأشياخ
الذين لم يسموا و هم جمع من التابعين ، يغتفر الجهل بحالهم لاجتماعهم على رواية
هذا الحديث ، و لا يخدج في ذلك قوله في الرواية الأولى:"أشياخ له"فإنه لا
منافاة بين الروايتين لأن الأقل يدخل في الأكثر ، و زيادة الثقة مقبولة ، و قد
خفيت هذه الرواية الأخرى على الهيثمي ، فقال عقب الرواية المطولة و المختصرة:@
"رواه كله أحمد و البزار بالرواية الأولى و كذلك الطبراني في"المعجم الأوسط
"و فيه ليث بن أبي سليم ، و هو مدلس ( ! ) و بقية رجال أحمد رجال الصحيح غير"
شيخه ابن أبي عائشة و هو ثقة ، و رجال الرواية الثانية رجال الصحيح ، و فيها
راو لم يسم"!"
الثالث: عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الجماء"
لتقتص من القرناء يوم القيامة". أخرجه أحمد ( 1 / 72 ) عن حجاج بن نصير حدثنا"
شعبة عن العوام بن مراجم - من بني قيس بن ثعلبة - عن أبي عثمان النهدي عنه .
قلت: و هذا إسناد رجاله ثقات غير حجاج بن نصير و هو ضعيف كما في"التقريب".
الرابع: عن عبد الله بن أبي أوفى مرفوعا بلفظ:"إنه ليبلغ من عدل الله يوم"
القيامة حتى يقتص للجماء من ذات القرن"."
أخرجه الطبراني في"الأوسط" ( 9582 ) عن علي بن سنان أخبرنا بشر بن محمد
الواسطي حدثنا عبد الله بن عمران الواسطي عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن أبي
أوفى ، و قال:"لم يروه عن عطاء إلا عبد الله بن عمران ، و لا عنه إلا بشر بن"
محمد ، تفرد به علي بن سنان". قال الهيثمي:"رواه الطبراني في"الأوسط"
و فيه من لم أعرفهم و عطاء بن السائب اختلط"."
الخامس: عن ثوبان مرفوعا نحو الحديث الذي قبله . أخرجه الطبراني في"الكبير"
( 1421 ) و فيه زيد بن ربيعة و قد ضعفه جماعة ، و قال ابن عدي: أرجو أن لا بأس
به و بقية رجاله ثقات .@
( فائدة ) قال النووي في"شرح مسلم"تحت حديث الترجمة:"هذا تصريح بحشر"
البهائم يوم القيامة و إعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين
و كما يعاد الأطفال و المجانين ، و من لم تبلغه دعوة . و على هذا تظاهرت دلائل
القرآن و السنة ، قال الله تعالى: * ( و إذا الوحوش حشرت ) * و إذا ورد لفظ
الشرع و لم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل و لا شرع ، وجب حمله على ظاهره . قال
العلماء: و ليس من شرط الحشر و الإعادة في القيامة المجازاة و العقاب و الثواب
.و أما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف ، إذ لا تكليف
عليها بل هو قصاص مقابلة ، و ( الجلحاء ) بالمد هي الجماء التي لا قرن لها .
و الله أعلم". و ذكر نحوه ابن الملك في"مبارق الأزهار" ( 2 / 293 ) مختصرا"
.و نقل عنه العلامة الشيخ علي القاريء في"المرقاة" ( 4 / 761 ) أنه قال:
"فإن قيل: الشاة غير مكلفة ، فكيف يقتص منها ؟ قلنا: إن الله تعالى فعال لما"
يريد و لا يسأل عما يفعل و الغرض منه إعلام العباد أن الحقوق لا تضيع بل يقتص
حق المظلوم من الظالم". قال القاريء:"و هو وجه حسن ، و توجيه مستحسن ، إلا
أن التعبير عن الحكمة بـ ( الغرض ) وقع في غير موضعه . و جملة الأمر أن القضية
دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين ، فإنه إذا كان هذا
حال الحيوانات الخارجة عن التكليف ، فكيف بذوي العقول من الوضيع و الشريف ،
و القوي و الضعيف ؟"."
قلت: و من المؤسف أن ترد كل هذه الأحاديث من بعض علماء الكلام بمجرد الرأي ،
و أعجب منه أن يجنح إليه العلامة الألوسي ! فقال بعد أن ساق الحديث عن أبي
هريرة من رواية مسلم و من رواية أحمد بلفظ الترجمة عند تفسيره آية *( و إذا
الوحوش حشرت )* في تفسيره"روح المعاني" ( 9 / 306 ) :"و مال حجة الإسلام"
الغزالي و جماعة إلى أنه لا يحشر غير الثقلين لعدم كونه @مكلفا و لا أهلا لكرامة
بوجه ، و ليس في هذا الباب نص من كتاب أو سنة معول عليها يدل على حشر غيرهما من
الوحوش ، و خبر مسلم و الترمذي و إن كان صحيحا لكنه لم يخرج مخرج التفسير للآية
و يجوز أن يكون كناية عن العدل التام . و إلى هذا القول أميل و لا أجزم بخطأ
القائلين بالأول لأن لهم ما يصلح مستندا في الجملة . و الله تعالى أعلم"."
قلت: كذا قال - عفا الله عنا و عنه - و هو منه غريب جدا لأنه على خلاف ما
نعرفه عنه في كتابه المذكور ، من سلوك الجادة في تفسير آيات الكتاب على نهج
السلف ، دون تأويل أو تعطيل ، فما الذي حمله هنا على أن يفسر الحديث على خلاف
ما يدل عليه ظاهره ، و أن يحمله على كناية عن العدل التام ، أليس هذا تكذيبا
للحديث المصرح بأنه يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء ، فيقول هو تبعا لعلماء
الكلام: إنه كناية ! ... أي لا يقاد للشاة الجماء . و هذا كله يقال لو وقفنا
بالنظر عند رواية مسلم المذكورة ، أما إذا انتقلنا به إلى الروايات الأخرى
كحديث الترجمة و حديث أبي ذر و غيره ، فإنها قاطعة في أن القصاص المذكور هو
حقيقة و ليس كناية ، و رحم الله الإمام النووي ، فقد أشار بقوله السابق:
"و إذا ورد لفظ الشرع و لم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل و لا شرع وجب حمله"
على ظاهره"."
قلت: أشار بهذا إلى رد التأويل المذكور و بمثل هذا التأويل أنكر الفلاسفة و
كثير من علماء الكلام كالمعتزلة و غيرهم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة و
علوه على عرشه و نزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة و مجيئه تعالى يوم القيامة .
و غير ذلك من آيات الصفات و أحاديثها . و بالجملة ، فالقول بحشر البهائم
و الاقتصاص لبعضها من بعض هو الصواب الذي لا يجوز غيره ، فلا جرم أن ذهب إليه
الجمهور كما ذكر الألوسي نفسه في مكان آخر من"تفسيره" ( 9 / 281 ) ، و به
جزم الشوكاني في تفسير آية"التكوير"من تفسيره"فتح القدير"، فقال ( 5 /377 ) :@"الوحوش ما توحش من دواب البر ، و معنى ( حشرت ) بعثت ، حتى يقتص"
بعضها من بعض ، فيقتص للجماء من القرناء". و قد اغتر بكلمة الألوسي المتقدمة"
النافية لحشر الوحوش محرر"باب الفتاوي"في مجلة الوعي الإسلامي السنة
الثانية ، العدد 89 ص 107 ، فنقلها عنه ، مرتضيا لها معتمدا عليها ، و ذلك من
شؤم التقليد و قلة التحقيق . و الله المستعان و هو ولي التوفيق .