فهرس الكتاب

الصفحة 547 من 3700

545 -"رخص النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب في ثلاث: في الحرب و في الإصلاح بين"

الناس و قول الرجل لامرأته . ( و في رواية ) : و حديث الرجل امرأته و حديث

المرأة زوجها"."

قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"2 / 74:

أخرجه الإمام أحمد ( 6 / 404 ) : حدثنا حجاج قال: حدثنا ابن جريج عن ابن شهاب

عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة أنها قالت: فذكره

.قلت: و هذا إسناد على شرط الشيخين و لم يخرجاه من هذا الوجه و إنما من وجه

آخر عن الزهري كما يأتي . ثم قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا

ليث يعني بن سعد عن يزيد يعني بن الهاد عن عبد الوهاب عن ابن شهاب به .@ و أخرجه

أبو داود ( 2 / 304 ) و الطبراني في"الصغير" ( ص 37 ) من طريقين آخرين عن

ابن الهاد به . و هذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الوهاب و هو

ابن أبي بكر: رفيع المدني وكيل الزهري . قال أبو حاتم: ثقة صحيح الحديث ما به

بأس من قدماء أصحاب الزهري . و قال النسائي: ثقة . و قد توبع ، فقال أحمد:

حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي عن صالح بن كيسان قال: حدثنا محمد بن مسلم بن

عبيد الله بن شهاب به بلفظ: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، فينمي خيرا أو يقول خيرا . و قالت: لم"

أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث ..."فذكره بالرواية الثانية ."

و كذا أخرجه مسلم ( 8 / 28 ) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد به و أخرجه البخاري

( 5 / 328 - 329 فتح ) من طريق عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد به

.دون قوله"و قالت: لم أسمعه ...".

و أخرجه مسلم من طريق يونس عن ابن شهاب بتمامه إلا أنه جعل هذه الزيادة التي من

قولها من قول ابن شهاب فقال:"قال ابن شهاب: و لم أسمع يرخص في شيء ...".

و على هذه الرواية تكون الزيادة غير مرفوعة و إنما من قول الزهري و لهذا قال

الحافظ في"الفتح":"و هذه الزيادة مدرجة بين ذلك مسلم في روايته من طريق"

يونس عن الزهري فذكر الحديث ، قال: و قال الزهري . و كذا أخرجها النسائي مفردة

من رواية يونس@ و قال: يونس أثبت في الزهري من غيره . و جزم موسى بن هارون

و غيره بإدراجها . و رويناه في"فوائد بن أبي ميسرة"من طريق عبد الوهاب بن

رفيع عن ابن شهاب . فساقه بسنده مقتصرا على الزيادة و هو وهم شديد"."

و أقول: لا وهم منه البتة ، فإنه ثقة صحيح الحديث كما تقدم و قد تابعه ثقتان

ابن جريج و صالح بن كيسان و اقتصر الأول منهما على الزيادة أيضا كما سبق بيانه

فهؤلاء ثلاثة من الثقات الأثبات اتفقوا على رفع هذه الزيادة ، فصلها اثنان

منهما عن أول الحديث و وصلها به الآخر و هو صالح ، فاتفاقهم حجة و ذلك يدل على

أنها مرفوعة ثابتة و أنها ليست مدرجة كما زعم الحافظ و يتعجب منه كيف خفيت عليه

رواية ابن جريج فلم يذكرها أصلا و كيف اقتصر في عزوه رواية ابن رفيع على

"فوائد ابن أبي ميسرة"و هي في"السنن"و"المسند"؟ !

و يشهد لها ما أخرجه الحميدي في"مسنده" ( 329 ) حدثنا سفيان قال حدثني صفوان

ابن سليم عن عطاء بن يسار قال:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"

يا رسول الله: هل علي جناح أن أكذب على أهلي ؟ قال: لا ، فلا يحب الله الكذب

قال: يا رسول الله استصلحها و أستطيب نفسها ! قال: لا جناح عليك"."

قلت: و هذا إسناد صحيح و لكنه مرسل و ليس هو على شرط"مسنده"و قد أورده في

"أحاديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها"منه و كأنه أشار بذلك

إلى أن الحديث و إن كان وقع له هكذا مرسلا ، فهو يرجح إلى أنه من مسندها و لذلك

أورده فيه . و الله أعلم .

و يشهد لها أيضا حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه

وسلم قال:"لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل مع امرأته لترضى عنه"

أو كذب في الحرب ، فإن الحرب خدعة أو كذب في إصلاح بين الناس". أخرجه أحمد"

( 6 / 459 ، 461 ) و الترمذي ( 3 / 127 - تحفة ) و قال:"حديث حسن".@

فقه الحديث:

بعد أن فرغنا من تحقيق القول في صحة الحديث و دفع إعلاله بالإدراج أنقل إلى

القارىء الكريم ما ذكره النووي رحمه الله في شرح الحديث:"قال القاضي لا خلاف"

في جواز الكذب في هذه الصور و اختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو ؟

فقالت طائفة: هو على إطلاقه و أجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضيع للمصلحة

و قالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة و احتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه

وسلم: * ( بل فعله كبيرهم ) * و * ( إني سقيم ) * و قوله"إنها أختي"، و قول

منادي يوسف صلى الله عليه وسلم * ( أيتها العير إنكم لسارقون ) * . قالوا: و لا

خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين

هو . و قال آخرون منهم الطبري: لا يجوز الكذب في شيء أصلا ، قالوا: و ما جاء

من الإباحة في هذا المراد به التورية و استعمال المعاريض لا صريح الكذب مثل أن

يعد زوجته أن يحسن إليها و يكسوها كذا و ينوي: إن قدر الله ذلك .

و حاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه و إذا سعى في

الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاما جميلا و من هؤلاء إلى هؤلاء كذلك و ورى ،

و كذا في الحرب بأن يقول لعدوه: مات إمامكم الأعظم و ينوي إمامهم في الأزمان

الماضية أو غدا يأتينا مدد . أي طعام و نحوه ، هذا من المعاريض المباحة ، فكل

هذا جائز . و تأولوا في قصة إبراهيم و يوسف و ما جاء من هذا على المعاريض .

و الله أعلم"."

قلت: و لا يخفى على البصير أن قول الطائفة الأولى هو الأرجح و الأليق بظواهر

هذه الأحاديث و تأويلها بما تأولته الطائفة الأخرى من حملها على المعاريض مما

لا يخفى بعده ، لاسيما في الكذب في الحرب .

فإنه أوضح من أن يحتاج إلى التدليل على جوازه و لذلك قال الحافظ في"الفتح"

( 6 / 119 ) :"قال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن"

التعريض أولى . و قال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص

رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه و ليس للعقل فيه مجال و لو كان تحريم الكذب بالعقل ما@ انقلب حلالا انتهى . و يقويه ما أخرجه أحمد و ابن حبان من حديث أنس في قصة

الحجاج بن علاط الذي أخرجه النسائي و صححه الحاكم في استئذانه النبي صلى الله

عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة و إذن النبي

صلى الله عليه وسلم و إخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين و غير ذلك

مما هو مشهور فيه"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت