3076- (غَطُّوا الإناء، وأوكُوا السِّقاء؛ فإن في السّنَةِ ليلة ينزل فيها وباء لا يَمُرُّ بإناءٍ لم يُغَطَّ ولا سقاءٍ لم يُوكَ ؛ إلا وقع فيه من ذلك الوباء) .
أخرجه الإمام أحمد (3/355) : ثنا يونس: ثنا ليث عن يزيد- يعني: ابن الهاد- عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن عبد الله بن الحكم عن القعقاع بن حكيم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول... فذكره
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ إلا أن البخاري لم يرو لجعفر ابن عبد الله وشيخه القعقاع إلا في"الأدب المفرد". وقد أخرج مسلم حديثهما كما يأتي.
وليث هو ابن سعد الإمام المصري.
ويونس هو ابن محمد، أبو محمد المؤدب، وهو ثقة ثبت.
والحديث أخرجه البيهقي في"شعب الإيمان" (5/127/6059- بيروت) من طريق يونس هذا.
وتابع يونس: هاشم بن القاسم أبو النضر، وهو ثقة ثبت أيضًا.
أخرجه مسلم (6/107) ، ومن طريقه: البغوي في"شرح السنة" (11/392/3061) ، وأبو عوانة (5/ 334) .@
وقال البغوي:
"هذا حديث صحيح".
وتابعه موسى بن داود- وهو صدوق له أوهام-، وعلي بن عياش- وهو ثقة ثبت- عند أبي عوانة.
وسعيد بن سليمان- وهو الضبي الواسطي، ثقة حافظ- عند البيهقي.
قلت: وكلهم قالوا في الحديث:"ليلة".
وخالفهم علي بن نصر الجهضمي: حدثنا ليث بن سعد به؛ إلا أنه قال:
"يومًا"مكان:"ليلة"
أخرجه مسلم وحده، وزاد في آخره:
"قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول".
وجمع النووي بين الروايتين:"ليلة"و"يومًا"بقوله:
"لا منافاة بينهما؛ إذ ليس في أحدهما نفي الآخر".
فأقول: كان ينبغي أن يكون الأمر كذلك؛ لولا أن تتبعنا للرواة عن الليث بن سعد قد دلنا على شذوذ رواية:"يوما"؛ لتفرد الجهضمي بها مخالفًا الثقات الخمسة الذين رووه باللفظ الأول، فاتفاق هؤلاء عليه يدل على وهم الجهضمي وشذوذ روايته، والشذوذ يثبت بأقل من هذا؛ كما يعرف ذلك من له ممارسة في هذا العلم الشريف.
ويشبه هذا الشذوذ ما وقع في حديث عمر؛ أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف @ليلة.. الحديث، وفي رواية لمسلم:"يومًا"، فحكم الحافظ عليها بالشذوذ؛ مع أن الذي خالف فيها شعبة.انظر"الفتح" (4/274) ؛ و"صحيح أبي داود" (2137)
وإن مما يؤيد الشذوذ: ما أخرجه مسلم في الباب من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني أبو حميد الساعدي قال:
أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن من النقيع ليس مخمرًا، فقال:
"ألا خمَّرته؟! ولو تَعْرُض عليه عودًا".
قال أبو حميد: إنما أُمِر بالأسقية أن توكأ ليلًا، وبالأبواب أن تغلق ليلًا.
قلت: فقول أبي حميد هذا صريح في تخصيص ذلك بالليل؛ لكن رده النووي بقوله في"شرح مسلم":
"ما قاله أبو حميد من تخصيصهما بالليل ليس في اللفظ ما يدل عليه ، والمختار عند الأكثرين من الأصوليين- وهو مذهب الشافعي وغيره- أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة، ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، وأما إذا لم يكن في ظاهر الحديث ما يخالفه- بأن كان مجملًا- فيرجع إلى تأويله، ويجب الحمل عليه؛ لأنه إذا كان مجملًا لا يحل له حمله على شيء إلا بتوقيف، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عند الشافعي والأكثرين، والأمر بتغطية الإناء عام ؛ فلا يقبل تخصيصه بمذهب الراوي؛ بل يتمسك بالعموم".
وأقول: ليس هذا من باب التخصيص بمذهب الراوي؛ وإنما هو من باب التخصيص بالنص؛ فإن قول أبي حميد:"أُمِر"بالبناء للمجهول في حكم المرفوع كما هو مقرر في علم المصطلح؛ كما في"الإرشاد"للنووي نفسه (1/161- 163-@ تحقيق الأخ الفاضل عبد الباري السلفي) ، وضربوا لذلك مثلًا بحديث أنس:"أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". متفق عليه، وهو مخرج في"صحيح أبي داود" (525) . بل قال النووي في شرحه على"صحيح مسلم":
"وقوله:"أُمر"هو بضم الهمزة وكسر الميم؛ أي: أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الأصول وجميع المحدثين، وشذ بعضهم فقال: هذا اللفظ وشبهه موقوف ؛ لاحتمال أن يكون الآمر غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وهذا خطأ، والصواب أنه مرفوع ؛ لأن إطلاق ذلك إنما ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي ، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
قلت: فقول أبي حميد:"أمر"كقول أنس ولا فرق، فهو- إذن- في حكم المرفوع. وأصرح منه رواية ابن حبان (1267) بلفظ:
"إنما كنا نؤمر..".*