39 -"إن أحد جناحي الذباب سم و الآخر شفاء ، فإذا وقع في الطعام فامقلوه ، فإنه يقدم السم و يؤخر الشفاء".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 59:
رواه أحمد ( 3 / 67 ) : حدثنا يزيد قال: حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن خالد
قال: دخلت على أبي سلمة فأتانا بزبد و كتلة ، فأسقط ذباب في الطعام ، فجعل
أبو سلمة يمقله بأصبعه فيه ، فقلت: يا خال ! ما تصنع ؟ فقال:
إن أبا سعيد الخدري حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره .
و رواه ابن ماجه ( 3504 ) :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون به مرفوعا دون القصة .
و رواه الطيالسي في"مسنده" ( 2188 ) :
حدثنا ابن أبي ذئب به ، و عنه رواه النسائي ( 2 / 193 ) ، و أبو يعلى في
"مسنده" ( ق 65 / 2 ) و ابن حبان في"الثقات" ( 2 / 102 ) .
قلت: و هذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن خالد و هو القارظي
و هو صدوق كما قال الذهبي و العسقلاني .@
3 -و أما حديث أنس:
فرواه البزار و رجاله رجال الصحيح .
رواه الطبراني في"الأوسط"كما في"مجمع الزوائد" ( 5 / 38 ) ،
و ابن أبي خيثمة في"تاريخه الكبير".
قال الحافظ: و إسناده صحيح ، كما في"نيل الأوطار" ( 1 / 55 ) .
أما بعد ، فقد ثبت الحديث بهذه الأسانيد الصحيحة ، عن هؤلاء الصحابة الثلاثة
أبي هريرة و أبي سعيد و أنس ، ثبوتا لا مجال لرده و لا للتشكيك فيه ، كما ثبت
صدق أبي هريرة رضي الله عنه في روايته إياه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
خلافا لبعض غلاة الشيعة من المعاصرين ، و من تبعه من الزائغين ، حيث طعنوا فيه
رضي الله عنه لروايته إياه ، و اتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، و حاشاه من ذلك ، فهذا هو التحقيق العلمي يثبت أنه بريء من كل ذلك
و أن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه ، لأنهم رموا صحابيا بالبهت ، و ردوا
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة !
و قد رواه عنه جماعة من الصحابة كما علمت ، و ليت شعري هل علم هؤلاء بعدم تفرد
أبي هريرة بالحديث ، و هو حجة و لو تفرد ، أم جهلوا ذلك ، فإن كان الأول فلماذا
يتعللون برواية أبي هريرة إياه ، و يوهمون الناس أنه لم يتابعه أحد من الأصحاب
الكرام ؟ ! و إن كان الآخر فهلا سألوا أهل الاختصاص و العلم بالحديث الشريف ؟@
و ما أحسن ما قيل:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ثم إن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء و هو أن
الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم ، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك
الجراثيم ، و الحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك ، بل هو يؤيدهم إذ
يخبر أن في أحد جناحيه داء ، و لكنه يزيد عليهم فيقول:"و في الآخر شفاء"
فهذا مما لم يحيطوا بعلمه ، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين ، و إلا
فالتوقف إذا كانوا من غيرهم إن كانوا عقلاء علماء ! ذلك لأن العلم الصحيح يشهد
أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه .
نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة ، و قد اختلفت
آراء الأطباء حوله ، و قرأت مقالات كثيرة في مجلات مختلفة كل يؤيد ما ذهب إليه
تأييدا أو ردا ، و نحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث و أن النبي صلى الله عليه
وسلم ( ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) ، لا يهمنا كثيرا ثبوت الحديث
من وجهة نظر الطب ، لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي
و مع ذلك فإن النفس تزداد إيمانا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح ،
و لذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقل إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء
في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث قال:
"يقع الذباب على المواد القذرة المملؤة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض"
المختلفة ، فينقل بعضها بأطرافه ، و يأكل بعضا ، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامة @ يسميها علماء الطب بـ"مبعد البيكتريا"، و هي تقتل كثيرا من جراثيم
الأمراض ، و لا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم
الإنسان في حال وجود مبعد البكتريا . و أن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب ،
هي أنه يحول البكتريا إلى ناحيته ، و على هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام
و ألقي الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب ، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم
و أول واق منها هو مبعد البكتريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبا من أحد
جناحيه ، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه ، و غمس الذباب كله و طرحه كاف
لقتل الجراثيم التي كانت عالقة ، و كاف في إبطال عملها"."
و قد قرأت قديما في هذه المجلة بحثا ضافيا في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد
السيوطي ( مجلد العام الأول ) و قرأت كلمة في مجلد العام الفائت ( ص 503 ) كلمة
للطبيبين محمود كمال و محمد عبد المنعم حسين نقلا عن مجلة الأزهر .
ثم وقفت على العدد ( 82 ) من"مجلة العربي"الكويتية ص 144 تحت عنوان:
"أنت تسأل ، و نحن نجيب"بقلم المدعو عبد الوارث كبير ، جوابا له على سؤال
عما لهذا الحديث من الصحة و الضعف ؟ فقال:
"أما حديث الذباب ، و ما في جناحيه من داء و شفاء ، فحديث ضعيف ، بل هو عقلا"
حديث مفترى ، فمن المسلم به أن الذباب يحمل من الجراثيم و الأقذار ...
و لم يقل أحد قط أن في جناحي الذبابة داء و في الآخر شفاء ، إلا من وضع هذا
الحديث أو افتراه ، و لو صح ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضار الذباب
و يحض على مكافحته"."
و في الكلام على اختصاره من الدس و الجهل ما لابد من الكشف عنه دفاعا عن حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و صيانة له أن يكفر به من قد يغتر بزخرف القول ! @فأقول:
أولا: لقد زعم أن الحديث ضعيف ، يعني من الناحية العلمية الحديثية بدليل
قوله:"بل هو عقلا حديث مفترى".
و هذا الزعم واضح البطلان ، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و كلها صحيحة . و حسبك دليلا على ذلك أن أحدا
من أهل العلم لم يقل بضعف الحديث كما فعل هذا الكاتب الجريء !
ثانيا: لقد زعم أنه حديث مفترى عقلا .
و هذا الزعم ليس وضوح بطلانه بأقل من سابقه ، لأنه مجرد دعوى لم يسق دليلا
يؤيده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكن الإحاطة به ، ألست تراه يقول:
"و لم يقل أحد ... ، و لو صح لكشف عنه العلم الحديث ...".
فهل العلم الحديث - أيها المسكين - قد أحاط بكل شيء علما ، أم أن أهله الذين لم
يصابوا بالغرور - كما أصيب من يقلدهم منا - يقولون: إننا كلما ازددنا علما بما
في الكون و أسراره ، ازددنا معرفة بجهلنا ! و أن الأمر بحق كما قال الله تبارك
و تعالى: ( و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) .
و أما قوله:"إن العلم يقطع بمضار الذباب و يحض على مكافحته"!
فمغالطة مكشوفة ، لأننا نقول: إن الحديث لم يقل نقيض هذا ، و إنما تحدث عن
قضية أخرى لم يكن العلم يعرف معالجتها ، فإذا قال الحديث:
"إذا وقع الذباب .."فلا أحد يفهم ، لا من العرب و لا من العجم ، اللهم إلا
العجم في عقولهم و إفهامهم أن الشرع يبارك في الذباب و لا يكافحه ؟
ثالثا: قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطب اليوم ، من أن الذباب يحمل في جوفه ما سموه بـ"مبعد البكتريا"القاتل للجراثيم . و هذا و إن لم يكن موافقا لما في @الحديث على وجه التفصيل ، فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المشار
إليه و أمثاله من اجتماع الداء و الدواء في الذباب ، و لا يبعد أن يأتي يوم
تنجلي فيه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثبوت التفاصيل المشار إليها
علميا ، ( و لتعلمن نبأه ، بعد حين ) .
و إن من عجيب أمر هذا الكاتب و تناقضه ، أنه في الوقت الذي ذهب فيه إلى تضعيف
هذا الحديث ، ذهب إلى تصحيح حديث"طهور الإناء الذي يلغ فيه الكلب أن يغسل سبع"
مرات: إحداهن بالتراب"فقال:"
"حديث صحيح متفق عليه"فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء أو الشيخين
على صحته ، فالحديث الأول أيضا صحيح عند العلماء بدون خلاف بينهم ، فكيف جاز له
تضعيف هذا و تصحيح ذاك ؟ ! ثم تأويله تأويلا باطلا يؤدي إلى أن الحديث غير صحيح
عنده في معناه ، لأنه ذكر أن المقصود من العدد مجرد الكثرة ، و أن المقصود من
التراب هو استعمال مادة مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر !
و هذا تأويل باطل ، بين البطلان و إن كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا الله عنه
فلا أدري أي خطأيه أعظم ، أهو تضعيفه للحديث الأول و هو صحيح ، أم تأويله
للحديث الآخر و هو تأويل باطل ! .
و بهذه المناسبة ، فإني أنصح القراء الكرام بأن لا يثقوا بكل ما يكتب اليوم في
بعض المجلات السائرة ، أو الكتب الذائعة ، من البحوث الإسلامية ، و خصوصا ما
كان منها في علم الحديث ، إلا إذا كانت بقلم من يوثق بدينه أولا ، ثم بعلمه
و اختصاصه فيه ثانيا ، فقد غلب الغرور على كثير من كتاب العصر الحاضر ، و خصوصًا@من يحمل منهم لقب"الدكتور"! . فإنهم يكتبون فيما ليس من اختصاصهم ، و ما لا
علم لهم به ، و إني لأعرف واحدا من هؤلاء ، أخرج حديثا إلى الناس كتابا جله في
الحديث و السيرة ، و زعم فيه أنه اعتمد فيه على ما صح من الأحاديث و الأخبار في
كتب السنة و السيرة ! ثم هو أورد فيه من الروايات و الأحاديث ما تفرد به
الضعفاء و المتروكون و المتهمون بالكذب من الرواة كالواقدي و غيره ، بل أورد
فيه حديث:"نحن نحكم بالظاهر ، و الله يتولى السرائر"، و جزم بنسبته إلى
النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنه مما لا أصل له عنه بهذا اللفظ ، كما نبه
عليه حفاظ الحديث كالسخاوي و غيره ، فاحذروا أيها القراء أمثال هؤلاء .
و الله المستعان