3124- ( لا تُشَدِّدوا على أنفسكم ؛ فإنّما هلك من قبلَكم بتشدِيدِهم على أنفسهم ، وستَجِدُونَ بقاياهُم في الصوامع والدِّياراتِ ) !.
أخرجه البخاري في"التاريخ" (2/2/97) : وقال لنا عبد الله بن صالح: حدثني أبو شُريح: سمع سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيفٍ عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال... فذكره.@
ومن هذا الوجه: أخرجه ابن قانع في ترجمة سهل من"المعجم"، والطبراني في"المعجم الكبير" (6/88/5551) و"الأوسط" (1/174/2/3230) ، والبيهقي في"شعب الإيمان" (3/401/3884) .
قلت: وهذا إسناد جيد بما بعده، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عبد الله بن صالح، فهو من شيوخ البخاري كما ترى، وذكر غير واحد أنه روى عنه في"صحيحه"، كالمنذري في آخر"الترغيب" (4/286) ، والذهبي في"الكاشف"، وقال في"المغني":
"والصحيح أن البخاري روى عنه في الصحيح".
وقال تبعًا للمنذري:
"صالح الحديث، له مناكير".
وقال الحافظ في"التقريب".
"صدوق كثير الغلط ، ثبت في كتابه ، وكانت فيه غفلة".
ورمز له بأن البخاري روى له تعليقًا، وذكر في"تهذيبه"تبعًا لأصله، أن البخاري استشهد به في"الصحيح"؛ لكنه في"مقدمة الفتح" (ص 414- 415) تتبع الأحاديث التي رواها البخاري عنه بصيغة: حدثنا، أو: قال لي، أو قال- المجردة- من تسعة مواضع من"الصحيح"، فتبين أن أكثرها متابعة أو استشهادًا، والقليل منها احتجاجًا. والله أعلم.
ولكنه قال بعد أن ساق أقوال الأئمة فيه ما بين جارح وموثِّق:
"قلت: ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثه في الأول كان مستقيمًا، ثم طرأ@"
عليه فيه تخليط، فمقتضى ذلك؛ أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق كيحيى ابن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم-؛ فهو من صحيح حديثه، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه؛ فيتوقف فيه"؛ والله أعلم."
وأبو شريح: اسمه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، ثقة محتج به في"الصحيحين"، وقد خالفه إسنادًا ومتنًا: سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء؛ فقال: عن سهل بن أبي أمامة أنه حدثه عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول... فذكر الحديث نحوه، وزاد:
" (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) ، ثم غَدَوْا من الغد، فقالوا: نركب فننظر ونعتبر..."الحديث بطوله، وقد أوردته في الكتاب الآخر (3468) من أجل هذه الزيادة وتفرَّد سعيد بها؛ ولم يوثقه غير ابن حبان.
والحديث أورده الهيثمي في"المجمع"، وقال (1/62) :
"رواه الطبراني في"الأوسط"، و"الكبير"، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وثقه جماعة وضعفه آخرون".
قلت: وله شاهدان مرسلان:
أحدهما: عن أبي قلابة مرفوعًا بلفظ:
"إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدِّدوا على أنفسهم؛ فشدِّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع".
أخرجه ابن جرير في"التفسير" (7/7) ، والمروزي في"زوائد الزهد" (365/1031) وغيرهما من طريقين عن أيوب عنه.@
قلت: فهو مرسل صحيح الإسناد، وفيه قصة، وهو في"غاية المرام" (140/207) .
والآخر: عن قتادة مرفوعًا نحوه.
أخرجه ابن جرير قال: حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا جامع بن حماد قال: ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عنه.
وهذا إسناد رجاله ثقات من رجال"التهذيب"؛ غير جامع بن حماد، فلم أعرفه، وانظر ما قاله العلامة شاكر في تعليقه عليه في حاشية"التفسير" (10/516) .
واعلم أنني كنت قد أخرجت الحديث في الكتاب الآخر من رواية سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء المطوَّلة، وفيها تلك الزيادة التي أشرت إليها آنفًا من رواية أبي داود وأبي يعلى، وبيّنت الفرق بين متنيهما وتفرَّد ابن أبي العمياء بها، وضعفت إسناده في"تخريج المشكاة" (1/64) بابن أبي العمياء هذا، وذكرت أن الحافظ أشار إلى أنه ليّن.
وكذلك فعلت في"غاية المرام" (140/207) ، لكني ذكرت له فيه شاهدًا من مرسل أبي قلابة، ثم قلت:
"فلعله حسن بهذا الشاهد. والله أعلم".
فتعقبني الشيخ عبد الله الدويش- رحمه الله- في"تنبيه القاري" (27/29) بقوله:
"قلت: وهذا هو الصواب". ولم يزد!@
ولست أدري- والله - ما الذي حمله على الجزم بذلك ؟! وهو لم يأت بما يؤكده إلا المعارضة! ولكني- والحمد لله- قد وفقني الله عز وجل، فجئت بهذه المتابعة القوية من عبد الرحمن بن شُريح الإسكندراني لابن أبي العمياء على الطرف الأول من الحديث، مع مخالفته إياه في إسناده، وبذلك اطمئنت النفس لتقوية هذا القدر من الحديث، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ويشبه صنيعَ الدويش هذا: ما فعله الشيخ نسيب الرفاعي في"مختصر تفسير ابن كثير"، والدكتور إسماعيل منصور مؤلف الكتاب العجيب الذي أسماه:"تذكير الأصحاب بتحريم النقاب"!! الذي خالف فيه سبيل المؤمنين، وادعى فيه ادعاءات باطلة نسبها إلى الصحابة وغيرهم، وجهالات عجيبة حديثية وفقهية وغيرها، مما لا مجال لذكر شيء منها هنا إلا ما يتعلق بهذا الحديث؛ فإن ابن كثير - رحمه الله- عزا الحديث لأبي يعلى بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء بسنده المتقدم عن أنس، وفيه تلك الزيادة: (رهبانية ابتدعوها) ، كما تقدم، وسكت ابن كثير عنه اكتفاءً منه بذكره بإسناده؛ لينظر فيه من أراد التثبت من صحته أو ضعفه، ولجهل الدكتور بذلك توهم أن الحديث صحيح! ولذلك؛ استجاز ذكره دون تخريج أو بيان لحال إسناده؛ بل عقب عليه بقوله:
"وهو مما نقله الحافظ ابن كثير بسنده (كذا) إلى عبد الرحمن بن أبي العمياء"!
كذا قال- هداه الله-! وكل من كان له ولو أدنى مشاركة في هذا العلم يعلم أن هذا التعقيب لا يفيد شيئًا، وفيه عديد من الأوهام:
أولًا: أن نقل الحافظ ابن كثير أو غيره للحديث لا يفيد شيئًا من تصحيح أو تضعيف .@
ثانيًا: قوله:"بسنده"كذب وجهل بالغ؛ فإن هذا إنما يصح فيما لو أن ابن كثير ساق إسناده بالحديث قائلًا: حدثني فلان قال: حدثني فلان إلخ! وهو لم يصنع ذلك، ولا هو من عادته، وإنما عزاه لأبي يعلى قائلًا:"وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا... إلخ"، فكان عليه أن يقول- لو كان عنده علم-:"عزاه الحافظ ابن كثير لأبي يعلى بسنده.."أو نحوه.
ثالثًا: عبد الرحمن بن أبي العمياء ليس له علاقة برواية الحديث، وإنما هو ابنه سعيد كما تقدم.
رابعًا: سعيد هذا لين الحديث كما سبق، فما هي الحكمة من ذكر الدكتور إياه دون أن يبين لقرائه أهو صحابي الحديث؟! كما هي العادة المتبعة عند العلماء؛ فإنهم إذا ذكروا الحديث نسبوه إلى صحابيه وليس إلى أحد رواته الذين دونه! وإن ذكروا مثله؛ فإنما يفعلون ذلك لبيان حاله في الرواية، والدكتور لم يفعل ذلك فما هو السر إذن في ذكره إياه دون الصحابي؟!!
خامسًا: جهله بأن الحديث في "سنن أبي داود"، و"تاريخ البخاري " تقليدًا منه لابن كثير، وهذا إنما عزاه لأبي يعلى؛ لأنه عنده مطوَّل دون أبي داود والبخاري.
وأما الشيخ الرفاعي؛ فاغتر- كعادته- بسكوت ابن كثير عليه لما سبق ذكره، فظن أنه صحيح، فأورده في"مختصره" (3/315) زاعمًا صحته- هدانا الله وإياه- ! ثم توفي الشيخ، فنسأل الله أن يرحمه ويغفر له. *