2980 -"هكذا الوضوء ، فمن زاد على هذا ، فقد أساء و تعدى و ظلم . يعني الوضوء ثلاثا"
ثلاثا"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"6 / 1196:
أخرجه النسائي ( 1 / 33 ) و ابن ماجه ( 1 / 163 - 164 ) من طريق يعلى قال:
حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء ؟ فأراه الوضوء ثلاثا
ثلاثا ، ثم قال: فذكره . قلت: و هذا إسناد حسن على الخلاف المعروف في
الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، و الذي استقر عليه عمل الحفاظ
المتقدمين و المتأخرين الاحتجاج بها ، و حسب القارىء أن يعلم قول الحافظ الذهبي
فيه في كتابه"المغني":"مختلف فيه ، و حديثه حسن ، و فوق الحسن ، قال يحيى"
القطان: إذا روى عنه ثقة فهو حجة ، و قال أحمد: ربما احتججنا به . و قال
البخاري: رأيت أحمد و إسحاق و أبا عبيد ، و عامة أصحابنا يحتجون به ، فمن
الناس بعدهم ؟!". و قد بسط الكلام في الخلاف المشار إليه الحافظ ابن حجر ، و"
ذكر أقوال الأئمة فيه ، و هي جد متعارضة تعارضا لا يستطيع الخروج منه بخلاصة
صحيحة إلا من كان مثله في المعرفة بهذا العلم الشريف و التحقيق فيه ، ثم ختم
ذلك بقوله ( 8 / 48 - 55 ) :"فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه"
لم يسمعها ، أو صح سماعه لبعضها ، فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة ، و هو أحد
وجوه التحمل . و الله أعلم". @و قد كنت ذكرت شيئا من هذا الخلاف و الترجيح في"
تخريجي لهذا الحديث في"صحيح أبي داود" ( رقم 124 ) و نقلت عن ابن القيم أنه
قال:"و قد احتج الأئمة الأربعة الفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه"
عن جده ، و لا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها و احتج بها ، و إنما طعن
فيها من لم يتحمل أعباء الفقه كأبي حاتم البستي و ابن حزم و غيرهما". و على"
ذلك حسنت الحديث هناك ، و صححته بشاهد له من حديث ابن عباس ، مرجحا به رواية
سفيان لحديث الترجمة على رواية أبي عوانة التي فيها زيادة بلفظ:"فمن زاد أو"
نقص"، فزاد على سفيان:"أو نقص"، و سفيان - و هو الثوري - أحفظ من أبي"
عوانة . ثم وقفت بعد سنين على رواية أخرى لسفيان ، فيها الزيادة المذكورة ،
فكان هذا من البواعث على إعادة النظر في الترجيح المذكور ، و النظر فيها ، فقال
ابن أبي شيبة في"المصنف" ( 1 / 8 - 9 ) : حدثنا أبو أسامة عن سفيان به . قلت
: و هذا إسناد ظاهره الصحة ، و لكن له علة ، و هي عنعنة أبي أسامة - و هو حماد
بن أسامة - فإنه مع ثقته قال الحافظ فيه:"ربما دلس ، و كان بأخرة يحدث من"
كتب غيره". و إذا كان الأمر كذلك ، فلا تترجح روايته على رواية ( يعلى ) "
لحديث الترجمة ، و إن كان يعلى ( و هو ابن عبيد الطنافسي ) تكلم فيه بعضهم في
روايته عن سفيان خاصة ، إلا أنه قد توبع من ثقة لا خلاف فيه ، فقال ابن خزيمة
في"صحيحه" ( 1 / 89 / 174 ) و ابن الجارود في"المنتقى" ( 35 / 75 ) :
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي: حدثنا الأشجعي عن سفيان به . و هذا إسناد
صحيح غاية ، فإن الدورقي ثقة حافظ . @و الأشجعي - و اسمه عبيد الله بن عبيد
الرحمن - ثقة مأمون ، أثبت الناس كتابا في الثوري كما في"التقريب"، و قال
الذهبي في"الكاشف":"إمام ثبت كتب عن الثوري ثلاثين ألفا". و على هذا
فرواية ( يعلى ) أرجح من رواية أبي أسامة كما هو ظاهر . و قد يخدج على هذا
الترجيح ، ما رواه أبو عبيد في كتابه"الطهور"عن الحكم بن بشير بن سليمان عن
موسى بن أبي موسى بلفظ:"الوضوء ثلاث ، فمن زاد أو نقص .."الحديث . فأقول:
لا ، و إن سكت عنه ابن الملقن في"البدر المنير" ( 3 / 336 ) و ما ينبغي له ،
فإن الحكم هذا لا يقاوم الثوري في الثقة و الحفظ ، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان
، و قال أبو حاتم:"صدوق". ثم هو إلى ذلك قد خالفه في موضع آخر كما خالف
فيه أبا عوانة أيضا ، و هو جعله وضوءه صلى الله عليه وسلم ثلاثا من قوله صلى
الله عليه وسلم ، فدل على أنه لم يحفظ ، فروايته مرجوحة أيضا ، فبقي حديث
الترجمة هو المحفوظ دون الزيادة ، و هو الذي جزم بصحته ابن القيم في"إغاثة"
اللهفان". هذا ، و ثمة باعث آخر على تخريج الحديث هنا ، و هو الرد على عدو"
السنة و مضعف الأحاديث الصحيحة ، فقد رأيته شرع في توجيه ضربات تخريبية أخرى ،
متظاهرا بتعليق و تحقيق بعض الكتب لأئمة مشهورين ، و تضعيف أحاديثهم التي
أقاموا عليها بحوثهم ، فقد خرب من قبل كتاب النووي"رياض الصالحين"كما هو
معروف ، و الآن طلع على الناس بطبعة جديدة لكتاب"الإغاثة"المذكور ، فعلق
عليه بتعليقات سيئة جدا ، أفسد بها كثيرا من بحوثه القيمة بتضعيفه - بجهله أو
تجاهله البالغ - لأحاديثها الصحيحة ، منها هذا الحديث ، فإن ابن القيم ساقه ردا@على الموسوسين في الطهارة ، المخالفين لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه توضأ
مرة مرة ، و لم يزد على ثلاث ، و قال ابن القيم:"بل أخبر أن من زاد عليها"
فقد أساء و تعدى و ظلم". فعلق المأفون عليه بعد تخريجه بقوله ( 1 / 180 ) :"
و لفظ أبي داود:"فمن زاد على هذا أو نقص ..". قلت: و قد اختلف في رواية
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، و أميل إلى تضعيفها ، و لم يرها من باب الصحيح
البخاري و مسلم و ابن حبان"! . قلت: هكذا يضلل الرجل قراءه بمثل هذا الكلام"
الواهي الذي يعرف جوابه المبتدئون في هذا العلم ، و هو أنه لا يلزم من عدم
إخراج هؤلاء أو أحدهم للحديث أن يكون ضعيفا ، فكم من حديث صحيح لم يخرجه هؤلاء
البتة ، و كم من حديث أخرجه الشيخان و لم يخرجه ابن حبان ، فضلا عن أحاديث
أخرجها هو دون الشيخين ، بل كم من حديث رواه البخاري لم يروه مسلم ، و على
العكس ، هذا أولا . و ثانيا: لقد ذكر هو اختلاف العلماء في رواية عمرو هذه ،
فما فائدة تعقيبه عليه بذكر الذين لم يصححوها - و هم طرف في الخلاف - سوى
التضليل ؟! هذا مع أن نفي الصحة لا يستلزم نفي الحسن كما هو معروف عند أهل
العلم . و ثالثا: لقد غش القراء بذكر البخاري معهم ، فإنه لابد أنه رأى بعينه
في ترجمة ( عمرو ) من"التهذيب"قول البخاري:"رأيت أحمد بن حنبل ، و علي"
بن المديني ، و إسحاق بن راهويه ، و أبا عبيد ، و عامة أصحابنا يحتجون بحديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ما تركه أحد من المسلمين . قال البخاري: من
الناس بعدهم ؟!".@ و هذا مما يؤكد لكل قارىء لبيب منصف أن الرجل من أهل"
الأهواء ، فإن من علاماتهم أنهم يذكرون ما لهم ، و يكتمون ما عليهم . و رابعا:
مما يؤكد أنه منهم ، أنه إذا كان الحديث لا يخالف هواه قواه و لو كان من هذه
الرواية ، فقد خرج حديثا آخر من هذا الوجه ، ثم قال: ( 1 / 93 ) :"و قال"
الترمذي:"حسن غريب". و هو كما قال"! و لقد كان الأولى به - لو كان عنده"
شيء من هذا العلم بعيدا عن الغرضية و المخالفة و الهوى - أن يبادر إلى بيان
شذوذ زيادة:"أو نقص"لمباينتها لرواية سفيان المحفوظة ، و لشاهدها من حديث
ابن عباس ، و للسنة العملية التي جرى عليها النبي صلى الله عليه وسلم من
الاقتصار أحيانا على دون الثلاث كما تقدم ، و لكن أنى له ذلك و قد أوقف نفسه
لهدم السنة و تضعيفها ؟! و الله المستعان .