2592 -"إن أبي و أباك في النار".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"6 / 177:
أخرجه الطبراني في"الكبير" ( 3552 ) : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا
أبو كريب حدثنا أبو خالد الأحمر عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن
عمران بن الحصين قال: جاء حصين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت
رجلا كان يصل الرحم ، و يقري@ الضيف مات قبلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: فذكره: فما مضت عشرون ليلة حتى مات مشركا . قلت: و هذا إسناد رجاله
كلهم ثقات غير العباس بن عبد الرحمن ، و هو مولى بني هاشم ، لا يعرف إلا برواية
داود عنه كما في"تاريخ البخاري" ( 4 / 1 / 5 ) و"الجرح و التعديل" ( 3 /211 ) و لم يذكرا فيه جرحا و لا تعديلا ، فهو مجهول ، و قول الحافظ في""
التقريب":"مستور"سهو منه لأنه بمعنى:"مجهول الحال"، و ذلك لأنه نص"
في المقدمة أن هذه المرتبة إنما هي في"من روى عنه أكثر من واحد و لم يوثق".
قلت: و ذهل عنه الهيثمي ، فقال في"المجمع" ( 1 / 117 ) :"رواه الطبراني"
في"الكبير"، و رجاله رجال ( الصحيح ) "! و ذلك لأن العباس هذا لم يخرج له"
الشيخان ، و لا بقية الستة ، و إنما أخرج له أبو داود في"المراسيل"و""
القدر " ، و حديثه في"المراسيل"يشبه هذا في المعنى ، فقد أخرجه فيه( برقم"
508 )من طريق داود أيضا عنه قال: جاء رجل إلى العباس فقال: أرأيت الغيطلة -
كاهنة بني سهم - في النار مع عبد المطلب ؟ فسكت: ثم قال: أرأيت الغيطلة .. ،
فوجأ العباس أنفه ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:"ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الأمر و إن كان حقا ؟!"و كذا
رواه ابن سعد في"الطبقات" ( 4 / 24 - 25 ) بأتم منه . و الحديث أخرجه
الجورقاني في"الأباطيل و المناكير" ( 1 / 235 ) من@ طريق أخرى عن داود بن
أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا - على أن من مات في الجاهلية
مشركا فهو في النار ، و ليس من أهل الفترة كما يظن كثير من الناس ، و بخاصة
الشيعة منهم ، و من تأثر بهم من السنة ! و من تلك الأحاديث ، ما رواه حماد بن
سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي ؟ قال: في النار .
فلما قفى دعاه ، فقال: فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف . أخرجه مسلم( 1 / 132 -
133 )و أبو عوانة ( 1 / 99 ) و أبو داود ( 4718 ) و الجورقاني ( 1 / 233 ) و
صححه ، و أحمد ( 3 / 268 ) و أبو يعلى ( 6 / 229 / 3516 ) و ابن حبان( 578 -
الإحسان )و البيهقي ( 7 / 190 ) من طرق عن حماد بن سلمة به . و منها سعد بن
أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم ( 18 ) بلفظ:"حيثما مررت بقبر كافر"
فبشره بالنار". فراجع سببه هناك ، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله . و إن"
مما يتصل بهذا الموضوع قوله صلى الله عليه وسلم لما زار قبر أمه:"استأذنت"
ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي ، و استأذنته في أن أزور قبرها ، فأذن لي ..
"الحديث . رواه مسلم و غيره ، و هو مخرج في"أحكام الجنائز" ( ص 187 - 188 ) "
من حديث أبي هريرة و بريدة ، فليراجعهما من شاء . و الأحاديث في هذا الباب
كثيرة ، و فيما ذكرنا خير كبير و بركة . @و اعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس
اليوم و قبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة ، و تبني ما
فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل إن فيهم من يظن
أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث و
دلالتها الصريحة ! و في اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي صلى
الله عليه وسلم الذي قالها إن صدقوا بها . و هذا - كما هو ظاهر - كفر بواح ، أو
على الأقل: على الأئمة الذين رووها و صححوها ، و هذا فسق أو كفر صراح ، لأنه
يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم ، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته و الإيمان به ،
إلا من طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه ،
فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم و أذواقهم و أهوائهم - و الناس في
ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد الأحاديث الصحيحة
، و هذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم
كالغزالي و الهويدي و بليق و ابن عبد المنان و أمثالهم ممن لا ميزان عندهم
لتصحيح الأحاديث و تضعيفها إلا أهواؤهم ! و اعلم أيها المسلم - المشفق على دينه
أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه - أن هذه الأحاديث و نحوها مما فيه الإخبار
بكفر أشخاص أو إيمانهم ، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها و
تلقيها بالقبول ، لقوله تعالى: *( ألم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين .
الذين يؤمنون بالغيب )* ( البقرة: 1 - 3 ) و قوله: *( و ما كان لمؤمن و لا
مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم .. )*( الأحزاب
: 36 )، فالإعراض عنها و عدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما - و
أحلاهما مر -: إما تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ، و إما تكذيب رواتها
الثقات كما تقدم .@ و أنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث
أو يتأولونها تأويلا باطلا كما فعل السيوطي - عفا الله عنا و عنه - في بعض
رسائله ، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ، و
حبهم إياه ، فينكرون أن يكون أبواه صلى الله عليه وسلم كما أخبر هو نفسه عنهما
، فكأنهم أشفق عليهما منه صلى الله عليه وسلم !! و قد لا يتورع بعضهم أن يركن
في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس الذي فيه أن النبي صلى الله
عليه وسلم أحيا الله له أمه ، و في رواية: أبويه ، و هو حديث موضوع باطل عند
أهل العلم كالدارقطني و الجورقاني ، و ابن عساكر و الذهبي و العسقلاني ، و
غيرهم كما هو مبين في موضعه ، و راجع له إن شئت كتاب"الأباطيل و المناكير"
للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي ( 1 / 222 - 229 ) و قال ابن
الجوزي في"الموضوعات" ( 1 / 284 ) :"هذا حديث موضوع بلا شك ، و الذي وضعه"
قليل الفهم ، عديم العلم ، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافرا لا ينفعه أن
يؤمن بعد الرجعة ، لا بل لو آمن عند المعاينة ، و يكفي في رد هذا الحديث قوله
تعالى: * ( فيمت و هو كافر ) * ، و قوله صلى الله عليه وسلم في ( الصحيح ) :""
استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي". و لقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة"
ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني رحمه الله في تعليقه على"الفوائد"
المجموعة في الأحاديث الموضوعة"للإمام الشوكاني ، فقال ( ص 322 ) :"كثيرا
ما تجمح المحبة ببعض الناس ، فيتخطى الحجة و يحاربها ، و من وفق علم أن ذلك
مناف للمحبة الشرعية . و الله المستعان". قلت: و ممن جمحت به المحبة السيوطي"
عفا الله عنه ، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما
تقدم ، و حاول في كتابه"اللآلىء"@ ( 1 / 265 - 268 ) التوفيق بينه و بين حديث
الاستئذان و ما في معناه ، بأنه منسوخ ، و هو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا
يقع في الأخبار و إنما في الأحكام ! و ذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق
عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة ! كما هو ظاهر معروف لدى
العلماء . و من جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث
الترجمة إعراضا مطلقا ، و لم يشر إليه أدنى إشارة ، بل إنه قد اشتط به القلم و
غلا ، فحكم عليه بالضعف متعلقا بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة ! و هو يعلم
أنه من أئمة المسلمين و ثقاتهم ، و أن روايته عن ثابت صحيحة ، بل قال ابن
المديني و أحمد و غيرهما: أثبت أصحاب ثابت حماد ، ثم سليمان ، ثم حماد بن زيد
، و هي صحاح . و تضعيفه المذكور كنت قرأته قديما جدا في رسالة له في حديث
الإحياء - طبع الهند - و لا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه ، و أتتبع عواره ،
فليراجعها من شاء التثبت . و لقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض
عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب و دب ، مثل"الجامع الصغير"و
"زيادته"و"الجامع الكبير"! و لذلك خلا منه"كنز العمال"و الله
المستعان ، و لا حول و لا قوة إلا بالله . و تأمل الفرق بينه و بين الحافظ
البيهقي الذي قدم الإيمان و التصديق على العاطفة و الهوى ، فإنه لما ذكر حديث:
"خرجت من نكاح غير سفاح"، قال عقبه:"و أبواه كانا مشركين ، بدليل ما"
أخبرنا .."، ثم ساق حديث أنس هذا و حديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه صلى الله عليه وسلم .@"
[1] اختلفوا في ضبطه اختلافا كثيرا ، هل هو بالراء أم بالزاي ؟ و هل هو بفتح
الجيم أم بالضم . انظر الحاشية على"السير" ( 20 / 178 ) . اهـ .