3489 ـ ( لَتَنهكُنَّ الأصابعَ بالطَّهور ؛ أو لَتَنْهَكَنَّها النّارُ) .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (3/122 /2674) : حدثنا إبراهيم
قال: نا شيبان بن فَرُّوخ قال: نا أبو عوانة عن أبي مسكين عن هُزَيل بن شُرَحْبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: ... فذكره . وقال:@
«لم يروه عن أبي عوانة إلا شيبان» .
قلت: وهما ثقتان ، أبو عوانة: هو الوضاح اليشكري ؛ ثقة ثبت من رجال
الشيخين .
و شيبان بن فروخ ؛ من رجال مسلم ، وفيه كلام لا ينزل حديثه عن مرتبة
الحسن ، ولذلك قال الحافظ:
«صدوق يهم» .
و سائر الرواة ثقات: أما هزيل بن شرحبيل ؛ فثقة من رجال البخاري . وأما أبو
مسكين ؛ فهو حُرّ بن مسكين ؛ فقال ابن معين:
«ثقة»
وقال أبو حاتم:
«لا بأس به» .
وذكره ابن حبان في «الثقات» (6/239) .
وخفي حاله على الحافظ ، فلم يذكر في ترجمته من «التهذيب» إلا ما ذكره
ابن حبان ، ففاته أنه روى عنه جماعة من الثقات ، وتوثيق ابن معين وأبي حاتم
إياه ! ولذلك قال في «التقريب» :
«مقبول» !
فتنبه .
وأما إبراهيم شيخ الطبراني ؛ فهو: إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي ، وثقه
الدار قطني ؛ كما في «تاريخ بغداد» .@
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/236) :
«رواه الطبراني في «الأوسط» ، ووقفه في «الكبير» على ا بن مسعود ؛ وإسناده
حسن» !
فأقول: إسناد «الكبير» صحيح ؛ فإنه أخرجه (9/ 282/ 1 921 و 2 921) من طريق الثوري وزائدة عن أبي مسكين به موقوفًا ؛ ولكنه في معنى المرفوع فلا يعل
به المرفوع ، كما هو ظاهر .
ثم رأيت ما تقدم عن الهيثمي قد ذكره المنذري في «الترغيب» (1/103/4) ،
بل ظننت أنه تابع له ، إلا أنه زاد عليه ؛ فقال:
«وفي رواية له في «الكبير» موقوفة: قال:
خللوا الأصابع الخمس ؛ لا يحشوها الله نارًا» .
قلت: أخرجه الطبراني (9213) من طريق طلحة بن مُصَرِّف قال: حُدِّثتُ
عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ... فذكره .
ورجاله ثقات ؛ غير الرجل الذي لم يسم . ثم قال المنذري:
«قوله: «لتنتهكنها» ؛ أي: لتبالغن في غسلها ، أو لتبالغن النار في إحراقها .
و (النهك) : المبالغة في كل شيء» .
وتفسير (النهك) بما ذكر معروف ، لكنه لا يتناسب مع اللفظ الذي وقع عنده
في الحديث ، ولذلك تعقبه الحافظ الناجي بقوله في «عجالته» (ص 42) :
«قوله: «لتنتهكن الأصابع بالطهور ، أو لتنتهكنها النار» ، وتفسيره لذلك -
بزيادة تاء وكسر الهاء - من (الانتهاك) ليس مرادًا هنا قطعًا .@
ثم قوله: «و النهك: المبالغة في كل شيء» تناقض عجيب وتصحيف ! وقد
رأيته في الحديث المذكور كذلك في «مجمع الزوائد» للهيثمي! ولعله قلده أو وقع
كذلك في نسختهما بالأصل ، وليس كذلك بلا إشكال . وإنما هو: «لتنهكن» ،
أو: «لَتَنهَكَنَّها» بلا تاء أخرى وبفتح الهاء ، مأخوذة من (النَّهك) الذي ذكره بعد .
وهكذا ذكره أهل اللغة والغريب بلا نزاع بينهم . وقد أعاد المصنف في «الجهاد
والترغيب في الشهادة» تفسير (النهك) ، ووقع له وهم في ضبط قوله: «انهكوا» ،
أشبعنا الكلام عليه هناك ؛ والله المستعان ».
قلت: ومن الغرائب تتابع كثير من المصادر على هذا التصحيف ؛ غير «الترغيب» و «المجمع» ؛ فإنه كذلك وقع في مصدر الحديث «المعجم الأوسط» في الموضع المشار إليه
آنفًا ، وأعني طبعة الحرمين ، وكذلك هو في طبعة المعارف (2695) ، وفي النسخة
المصورة التي عندي منه (1/1150/2832) بترقيمي لكن بالمثناة من تحت:
«لينتهكن» أو: «لينتهكنها» ، وهكذا هو في الرواية الموقوفة في «المعجم الكبير» .
لكنه على الصواب وقع في «مجمع البحرين» (1/340 - تحقيق عبد القدوس
نذير)، وكذلك في نسخة مخطوطة من «الترغيب» أشار إليها في الهامش المعلقون
الثلاثة ، ورمزوا إليها بحرف (ب) ، ولكنهم- لجهلهم- لم يتبنوها ، فأثبتوا اللفظ
المحرف ؛ تقليدًا لما في «مجمع الزوائد» !
(تنبيه) : كنت منذ نحو أربعين سنة- وقبل تحصيلي على كتاب ابن أبي حاتم
«الجرح والتعديل» - ذهبت إلى تضعيف حديث الترجمة ، مستندًا على ما جاء في
كتاب «تهذيب الحافظ» و «التقريب» مما تقدمت الإشارة إليه ، ولذلك ؛ لم أودعه
في الطبعات السابقة من كتابي «صحيح الترغيب والترهيب» . والآن ونحن في
صدد إعادة النظر في بعض كراريس قسيمه «ضعيف الترغيب» ، والتحقيق في@
ضبط الكلمة التي وقع فيها التصحيف من الحديث ؛ وجدت في «التعليق
الرغيب» ما حفزني إلى إعادة النظر في سنده ، فانكشف لي تقصير الحافظ في
ترجمة (أبي مسكين) الراوي له ، وأنه ليس مجهولًا ؛ كما كنت استلزمت ذلك
عنه ، بل هو ثقة ؛ كما قدمت .
وكان قد انضم إلى التقصير المذكور ما كنت نقلته في «التعليق الرغيب» عن
ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: «حديث منكر» ؛ فربطت يومئذ بين هذا ، وبين
مستندي المذكور ، فظننت أن النكارة سببها الجهالة ، الأمر الذي دعمت به التضعيف .
والآن ؛ فقد تبين لي شيء جديد يدعم صحة الحديث ، ويخالف النكارة
المدعاة ، ذلك أن ابن أبي حاتم قد ساق إسناد الحديث من طريق آخر غير طريق
شيبان المتقدم ، فذكر في «العلل» (1/ 70/176) أنه سأل أباه عن حديث رواه يزيد
ابن أبي الزرقاء عن سفيان الثوري عن أبي مسكين ... به مرفوعًا ؟ فقال:
«سمعت أبي يقول: رفعه منكر» .
فتبين لي بهذا التخريج ، ومقابلة هذا الطريق بما تقدم: أن علة النكارة عنده
ليست الجهالة ؛ كما ظننت يومئذٍ ، وإنما المخالفة . وكأن أبا حاتم يشير إلى ما قدمته
من طريقي الثوري وزائدة عن أبي مسكين ... موقوفًا ، وأتبعتهما بقولي: «إنه لا
مخالفة بين المرفوع والموقوف» .
والآن - وبعد وقوفي علي هذا الطريق الآخر - قد ازددت ثقة بصحة المرفوع ،
وأنه لا وجه لإعلاله بالنكارة ؛ لهذه المتابعة القوية من الثوري لأبي عوانة ؛ فإن
الذي رفعه عن الثوري - زيد بن أبي الزرقاء- ثقة بلا خلاف ، بل إن له خصوصية
قلما تذكر في غيره من الرواة عن سفيان ؛ وقد كان عنده «جامع سفيان» ، فهو من
أعرف الناس به ، وأحفظ الناس لحديثه ، يضاف إلى ذلك قول أحمد بن أبي رافع:@
«كان زيد يُلقي ما في الحديث من غلط وشك ، ويحدث بما لا شك فيه» ؛
كما في ترجمته من «التهذيبين» .
(فائدة) : (الطُّهور) بالضم: التطهر، وبالفتح: الماء الذي يتطهر به كـ (الوُضوء)
و (الوَضوء) ، و (السُّحور) و (السَّحور) : «نهاية» .*