633 -"كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات و اليسرى مرتين".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"2 / 214:
أخرجه ابن سعد في"الطبقات" ( 1 / 484 ) عن عبد الحميد ابن جعفر عن عمران بن أبي أنس قال: فذكره مرفوعا .
قلت: و هذا إسناد مرسل قوي ، عمران تابعي ، مات سنة ( 117 ) .
ثم أوقفني الأستاذ شعيب الأرناؤط على وصله في"أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الشيخ ( ص 183 ) من هذا الوجه عن عمران عن أنس مرفوعا به . و رجاله ثقات ، فثبت موصولا و الحمد لله ."
و قد روي له شاهد من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري أنبأنا عقبة بن علي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بلفظ:"كان إذا اكتحل جعل في العين اليمنى ثلاثا و في اليسرى مرودين ، فجعلها وترا". أخرجه الطبراني في"المعجم الكبير" ( 3 / 199 / 1 ) .
قلت: و هذا إسناد ضعيف ، عبد الله بن عمر و هو العمري المكبر ضعيف . و عقبة بن علي ليس بالمشهور ، قال العقيلي في"الضعفاء": @"لا يتابع على حديثه و ربما حدث بالمنكر عن الثقات". و عتيق بن يعقوب فيه ضعف يسير كما بينه في"اللسان"، فالعلة ممن فوقه عبد الله أو عقبة . و من طريقه أخرجه الطبراني في"الأوسط"أيضا و البزار كما في"مجمع الزوائد" ( 5 / 96 ) و قال:"و هو ضعيف".
قلت: و لم أره في"الطب"من"زوائد البزار". و الله أعلم .
و إنما فيه ( ص 166 ) من طريق الوضاح بن يحيى حدثنا أبو الأحوص عن عاصم عن أنس مرفوعا بلفظ:"كان يكتحل وترا". و قال الهيثمي:"و الوضاح بن يحيى ضعيف".
قلت: و لفظه مجمل ، يحتمل أنه عنى وترا في عين واحدة دون الأخرى ، أي فهو وتر بالنسبة إليهما معا و هو الأظهر . و يحتمل أنه عنى وترا بالنسبة لكل واحدة منهما ، يعني ثلاثا في كل عين ، و هذا روي صريحا في حديث ابن عباس ، من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عنه . لكنه إسناد لا تقوم به حجة ، لأن عباد بن منصور كان تغير في آخره ، مع كونه مدلسا ، كما كنت بينته في تخريج حديثه هذا في"إرواء الغليل"رقم ( 75 ) ، و أن بينه و بين عكرمة رجلين أسقطهما هو ، أحدهما و هو إبراهيم ابن أبي يحيى الأسلمي كذاب ، و الآخر ضعيف .
و أشرت هناك إلى تخطئة العلامة الشيخ أحمد شاكر لتصحيحه إسناد هذا @الحديث في تعليقه على"المسند" ( 3318 ) . و الآن قد بدا لي أنه لابد من توضيح ما أشرنا إليه هناك لأن بعض الأساتذة المشتغلين بالتحقيق لما اطلع عليه أشكل عليه الأمر ، فأقول: إن العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى بنى تصحيحه المذكور على أمور هامة: الأول: أن عباد بن منصور ثقة ( ج 4 / 6 ، 5 / 108 ) . الثاني: أنه لم يكن مدلسا أصلا .
الثالث: شكه في ثبوته الكلمات التي وردت عن بعض أئمة الحديث الدالة على أن عبادا كان مدلسا ، و شكه في دلالتها إن صحت !
الرابع: أن ابن أبي يحيى الذي دلسه عباد ليس هو إبراهيم ابن أبي يحيى الكذاب ، و إنما هو محمد بن أبي يحيى الثقة ! هذه هي الدعائم التي بنى عليها الشيخ المومى إليه صحة الحديث . و جوابا على ذلك أقول ، و بالله التوفيق:
أولا: لا نعلم أحدا من الأئمة المتقدمين ، و لا من الحفاظ المتأخرين أطلق
التوثيق على عباد بن منصور كما فعل الشيخ رحمه الله تعالى ، اللهم إلا رواية عن يحيى بن سعيد هي معارضة بأقوى منها . و قبل الشروع في بيان ذلك أسرد لك أقوال الأئمة التي ذكرها الحافظ في"التهذيب"في ترجمة عباد هذا:
1 -قال علي بن المديني: قلت: ليحيى بن سعيد: عباد بن منصور كان قد تغير ؟ قال: لا أدري ، إلا أنا حين رأيناه نحن كان لا يحفظ ، و لم أر يحيى يرضاه .
( الجرح و التعديل 3 / 1 / 86 ) ، ابن عدي ( ق 238 / 1 ) .
2 -و قال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد: قال جدي: عباد ثقة ، لا ينبغي أن@ يترك حديثه لرأي أخطأ فيه . يعني القدر .
3 -و قال الدوري: عن ابن معين: ليس بشيء ، و كان يرمى بالقدر .
4 -و قال أبو زرعة: لين . ( الجرح 3 / 1 / 86 ) .
5 -و قال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث ، يكتب حديثه و نرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن عكرمة . ( الجرح 3 / 1 / 86 ) دون التصريح باسم"إبراهيم".
6 -و قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد: قلت: لعباد بن منصور: سمعت حديث ."مررت بملأ من الملائكة ..."و"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل ..."يعني من عكرمة ؟ فقال: حدثهن ابن أبي يحيى عن داود عن عكرمة .
7 -و قال أبو داود: ليس بذاك .
8 -و قال النسائي: ليس بحجة ، و في موضع آخر: ليس بالقوي .
9 -و قال ابن عدي كما تقدم في الحديث الذي قبله: هو في جملة من يكتب حديثه .
10 -و قال ابن حبان: كل ما روي عن عكرمة سمعه من إبراهيم ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عنه ، فدلسها عن عكرمة .
11 -و قال الدارقطني: ليس بالقوي .
12 -و قال أحمد: كانت أحاديثه منكرة ، و كان قدريا ، و كان يدلس .@
13 -و قال ابن أبي شيبة: روى عن أيوب و عكرمة أحاديث مناكير .
14 -و قال أبو بكر البزار: روى عن عكرمة أحاديث ، و لم يسمع منه .
15 -و قال العجلي: لا بأس به يكتب حديثه ، و قال مرة: جائز الحديث .
16 -و قال ابن سعد: و هو ضعيف عندهم ، و له أحاديث منكرة .
17 -و قال الجوزجاني: كان يرمى برأيهم ، و كان سييء الحفظ ، و تغير أخيرا .
قلت: بعد هذا السرد لما قيل في عباد ، يتبين لك أن كل هؤلاء الأئمة اتفقت أقوالهم على تضعيفه ، إلا ما في الرواية رقم ( 2 ) عن يحيى بن سعيد ، فسيأتي بيان ما يعارضها ، و إلا قول العجلي ( 15 ) :"لا بأس به يكتب حديثه . و قال مرة: جائز الحديث". و هذا كما ترى ليس صريحا في التوثيق ، بل إن كل من كان على علم بأقوال الأئمة في الرجال و تعابيرهم في التعديل و التجريح ليشعر معي أن هذا القول من العجلي ليشير إلى أن في الرجل ضعفا و لو يسيرا ، و حينئذ فلا يجوز الاعتماد عليه في توثيق عباد توثيقا مطلقا لأمرين: الأول: أنه ليس صريحا في ذلك كما ذكرنا .
و الآخر: أنه لو كان صريحا ، فالعجلي معروف بالتساهل في التوثيق كابن حبان تماما ، فتوثيقه مردود إذا خالف أقوال الأئمة الموثوق بنقدهم و جرحهم . على أنه يمكن بشيء من التسامح أن يحمل كلامه على موافقة كلماتهم ، لأنه ليس صريحا في التوثيق كما ذكرنا .
و أما قول يحيى بن سعيد في الرواية الثانية عنه: ثقة . فالجواب من وجهين: الأول: معارضته بما في الرواية الأولى عنه و ترجيحها عليه بأمرين:
1 -أنها أصح ، لأنها من رواية علي بن المديني الإمام الثبت ، و تلك من رواية@أحمد بن يحيى بن سعيد الذي لم يزد الحافظ في ترجمته على قوله فيه"صدوق"!
2 -أنها تضمنت جرحا مفسرا ، و الجرح المفسر مقدم على التعديل عند التعارض كما هو معلوم في"المصطلح".
و ثمة وجه آخر: معارضته بأقوال الأئمة الآخرين ، فإنها متفقة على تضعيف الرجل مع بيان سبب التضعيف في كثير منها مثل قول ابن سعيد نفسه إنه لا يحفظ و مثله و أصرح منه قول الجوزجاني أنه كان سيء الحفظ ، و أنه تغير أخيرا . و مثل قول أبي داود أن عنده أحاديث فيها نكارة .
و كأنه تلقى ذلك من قول شيخه أحمد: أحاديثه منكرة . و نحوه قول ابن سعد: له أحاديث منكرة . و بعضهم رماه بالتدليس ، و عبارة أحمد أعم و أشمل من عبارة ابن حبان التي توحي بأن تدليسه خاص بما رواه عن عكرمة .
قلت: فالأخذ بأقوال هؤلاء الأئمة الجارحة لعباد خير من الأخذ بقول يحيى بن سعيد الموثق له ، لاسيما و قوله الأول موافقه لهم ، كما هو بين ظاهر ، و الحمد لله تعالى .
قلت: فإذا عرفت هذا فانظر إلى ما صنع العلامة أحمد شاكر ، لقد ذكر قول النسائي و ابن سعد المضعفين له ثم قال عقبه مباشرة ( 4 / 6 ) :"و كلامهم فيه يرجع إلى رأيه في القدر ، و إلى أنه يدلس ، فيروي أحاديث عن عكرمة لم يسمعها منه ، و لم يطعن أحد في صدقه".
قلت: كذا قال ، و هو من الغرائب ، إذ كيف يسوغ أن يوجه كلامهم المضعف له بخلاف ما نص جمهورهم على سبب التضعيف . فهذا النسائي نفسه أطلق التضعيف ، و لم يرمه بالقدر ، بل أضاف إلى ذلك أنه كان تغير ! و كذلك نسبه إلى التغير الجوزجاني كما في الفقرة ( 17 ) ، و زاد على ذلك أنه كان سيء الحفظ . و نحوه قول يحيى بن سعيد رقم ( 1 ) : كان لا يحفظ . @و هذا ابن سعد بعد أن عزا تضعيفه إلى أئمة الحديث
أتبعه بقوله:"و له أحاديث منكرة". و مثله قول ابن أبي شيبة رقم ( 13 ) و أعم منه قول أحمد ( رقم 12 ) :"كانت أحاديثه منكرة".
فهذه الأقوال علاوة على أنها جرح واضح فهي تضمن في نفس الوقت بيان سبب الجرح و هو أنه يتفرد بأحاديث لا يتابعه عليها الثقات .
و ذلك يلتقى مع أقوال الذين وصفوه بسوء الحفظ و بالتغير ، و ذلك جرح مفسر فكيف يصح مع هذا كله أن يقال:"و كلامهم فيه يرجع إلى رأيه في القدر"! ؟
و الحقيقة أنه لو ثبتت ثقة عباد و حفظه و عدم تدليسه ، لم يضر في روايته رأيه في القدر لأن العمدة فيها إنما هو العدالة و الضبط و السلامة من العلة القادحة كالتدليس ، و هذا مفقود هنا ، أما الضبط فلما سبق بيانه من أقوال الأئمة أنه كان لا يحفظ . و منه تعلم أنه لا ينافي ذلك قول الشيخ أحمد:"و لم يطعن أحد في صدقه". لأنه ليكون ثقة لابد مع ذلك أن لا يطعن أحد في حفظه أيضا ، و هذا غير متحقق هنا كما سلف .
و أما التدليس ، فهذا قد جزم بنفيه الشيخ أحمد ، و الرد عليه فيما يأتي ، و هنا ينتهي الكلام عليه في قوله: إنه ثقة ، و يتبين أنه ضعيف سيء الحفظ . الثاني: قوله: أنه لم يكن مدلسا أصلا .
و يكفي في الرد على هذا قول الإمام أحمد ( فقرة 12 ) : @و كان يدلس . و قول ابن حبان ( فقرة 10 ) :"كل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين عنه ، فدلسها عن عكرمة".
و لذلك جزم الحافظ في"التقريب"بأنه كان يدلس فقال:"صدوق ، رمي بالقدر و كان يدلس ، و تغير بآخره".
قلت: فهذه نصوص صريحة في أن عبادا كان مدلسا . فبماذا رد ذلك الشيخ أحمد ؟ لقد قال ( 5 / 109 ) :"هي تهمة نسبت إليه لكلمات نقلت ، لا نراها تصح أو تستقيم"! ثم ساق قول أبي حاتم المتقدم في ( الفقرة 5 ) :"نرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبي يحيى ...". ثم قول يحيى بن سعيد: قلت لعباد: سمعت حديث ... فقال
عباد: حدثهن ابن أبي يحيى عن داود عن عكرمة . قال الشيخ أحمد:
"فهذه كلمات توهم التدليس ( ! ) و قد أوقعت في وهم كثير من المحدثين أنه أخذ هذه الأحاديث من إبراهيم بن أبي يحيى ، حتى أن بعضهم حين نقل شيئا من هذه الكلمات كالميزان و التهذيب لم يقل:"ابن أبي يحيى"بل قال:"إبراهيم بن أبي يحيى"و إبراهيم ضعيف جدا عندهم . فأخطؤوا خطأ فاحشا ، و نسبوا الرجل إلى تدليس عن راو ضعيف هو منه براء ، و هو تدليس بعيد أن يكون ، إن لم يكن غير معقول ، فإنهم زعموا أنه يدلس اسم راو متأخر مات سنة 184 فكيف يدلس عباد راويا"
لا يزال حيا و هو أصغر من بعض تلاميذه ! !".@"
قلت: الجواب عن هذا سهل جدا - و لا أدرى كيف خفي ذلك على الشيخ الفاضل ؟ - فإن من المعلوم في الأسباب التي تحمل المدلس على التدليس أن تكون روايته عمن هو أصغر سنا - من باب رواية الأكابر عن الأصاغر - فيسقطه حبا في العلو بالإسناد أو لعلمه بأنه غير مقبول الرواية عند المحدثين ، و هذان الأمران متحققان في ابن أبي يحيى فما وجه استغراب بل استنكار الشيخ لتدليس عباد إياه ، ثم لشيخه داود و هو ضعيف أيضا ؟ ! أفمثل هذا يرد اتهام الأئمة إياه بالتدليس ، بل و ينسبون
إلى الخطأ الفاحش ، و يتلقى ذلك الخلف عن السلف ، حتى جاء الشيخ يتهمهم بذلك بدون حجة ؟ ! بل باستنكار ما هو واقع في عديد من الروايات من رواية الأكابر عن الأصاغر ، و من إسقاط الشيخ تلميذه الذي هو شيخه في حديث ما كما هو الواقع هنا على ما بينا .
و أما قوله:"فهذه كلمات توهم التدليس". فالجواب: من وجهين:
الأولى: أن من كلمات التدليس كلمة الإمام أحمد:"و كان يدلس".
فهي كما ترى صريحة في التدليس ، فلا جرم أن الشيخ لم يتعرض لذكرها ، فضلا للجواب عنها !
و الآخر: أن ما ذكره الشيخ عن أبي حاتم ظاهر في اتهامه لعباد بالتدليس و هو قوله:"نرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبي يحى ...". فإن كان الشيخ يرد لذلك من قبل أن أبا حاتم لم يجزم بذلك لقوله"نرى"فالجواب: أنه لا فرق بين قوله هذا ، و بين قوله الشيخ أحمد نفسه قبله بكلمات:"لا نراها تصح"! كما تقدم نقله عنه ! و جوابنا القاطع أن رأي العالم المختص في علمه حجة على غير المختص ، لا يجوز رده إلا بحجة أقوى فأين هي ؟ !
و نحو قول أبي حاتم قول يحيى بن سعيد: قلت لعباد: سمعت حديث ... من @عكرمة ؟ فقال: حدثهن ابن أبي يحيى عن داود عن عكرمة . فإنه ظاهر في أن يحيى كان عنده
شك - على الأقل في سماع عباد للأحاديث المذكورة من عكرمة ، و لذلك سأله هل سمعها منه ؟ فلم يجبه عباد بجواب يزيل الشك ، بل أجاب بما يؤكده ، و هو قوله: حدثهن إبراهيم ... ، فلم يقل حدثنيهن و بهذا يثبت أن عبادا مدلس ، و إلا فما الذي منعه من التصريح بأنه سمع ، و لو بلفظ"نعم"إلى القول بما يشبه كلام السياسيين الذي لا يكون صريحا في الجواب ، و يحتمل وجوها من المعاني ؟ ! و هذا مما تورط به - في نقدي - العلامة أحمد شاكر نفسه فقال في آخر كلامه:
"فلو صحت هذه الأسئلة ( يعني من يحيى لعباد ) و هذه الجوابات من عباد لكان الأقرب إلى الصواب أن يكون قال: حدثهن ابن أبي يحيى و داود بن الحصين عن عكرمة ، يريد تقوية روايته بأن داود بن الحصين و محمد بن أبي يحيى رويا هذه الأحاديث أيضا عن عكرمة كما رواها ، لا أنه يريد أن يثبت على نفسه تدليسا لا حاجة له به"!
قلت: نعم لو كان له اختيار في ذلك يسعه أن لا يثبت على نفسه التدليس لما فعل . أما و قد سئل من الإمام يحيى بن سعيد هل سمع ؟ و المفروض أنه سمع كما يزعم الشيخ فما الذي منعه من التصريح بذلك جوابا على سؤال الإمام ؟ إلى القول بأنه تابعه على روايته عن عكرمة ابن أبي يحيى و داود ! فيا عجبا كيف يرضى الشيخ تفسيره ذاك و هو أبعد ما يكون عن إجابة السؤال ، لاسيما و هو به قد خرج عن نص الرواية فإنها تقول:"حدثهن ابن أبي يحيى عن داود"، و الشيخ يقول:"ابن"
أبي يحيى و داود"؟ ! نعم ، قد يقال إن الشيخ استجاز مثل هذا القول المخالف للرواية لأنه في شك من صحتها كما أشار إلى ذلك بقوله السابق"فلو صحت هذه الأسئلة ... " و مثله قوله السابق أيضا"لا نراها تصح"! و سيأتي الجواب عنه في الفقرة التالية ."
و هذا كله على فرض أن الرواية بلفظ"حدثهن"كما رجحه الشيخ ، و أما على الرواية الأخرى:"حدثني"فهي نص لا يحتمل المعنى الذي ذكره الشيخ إطلاقا .
فثبت أن عبادا مدلس ، و أن نفي الشيخ له مما لا وجه له . وان عبادا لم يسمع الحديث من عكرمة وان بينه وبين عكرمة واسطتان هما ابن ابي يحي عن داود !!@
الثالث: شك الشيخ في صحة سؤال يحيى بن سعيد لعباد هل سمع تلك الأحاديث عن عكرمة ؟ و لم يحمله على الشك في صحته ضعف في إسناده وقف عليه ، و إنما هو اضطراب وقع - في زعمه - في متنه ! فقد ذكر أنه وقع في"الميزان"بلفظ:"حدثني ابن أبي يحيى"بدل"حدثهن ابن أبي يحيى"الذي سبق نقله عن"التهذيب".
أقول: و مع أن مثل هذا الاختلاف لا يعتبر اضطرابا قادحا في الصحة - لدي العارفين بهذا العلم ، لإمكان حمل الرواية الأولى - إن قيل إنها مبهمة - على الأولى ، لأنها مفصلة كما هو واضح . و مع ذلك فاللفظ الأول هو الأرجح ، بل الراجح عندي لثبوته في كتاب"الضعفاء"للعقيلي ، و إسناده هكذا ( ص 273 ) : حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا محمد بن سليمان قال: سمعت أحمد بن داود الحداد يقول: سمعت علي بن المديني يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: فذكره ، و رواه الحافظ المزي في"التهذيب"من طريق العقيلي .
قلت: و هذا إسناد جيد ، الحداد هذا ثقة مترجم في"تاريخ بغداد ( 4 / 183 - 140 ) ، مات سنة إحدى أو اثنتين و مائتين ."
و محمد بن سليمان هو أبو جعفر المصيصي المعروف بلوين ، فيما يظهر ، و هو ثقة من رجال"التهذيب"مات سنة ( 240 ) .
و محمد بن موسى هو أبو عبد الله المعروف بالنهرتيري ، و هو ثقة جليل مترجم أيضا في"التاريخ" ( 3 / 241 - 242 ) ، مات سنة ( 289 ) .
قلت: فقد بان بهذا التخريج أن المسألة صحيحة ثابتة عن يحيى بن سعيد القطان و باللفظ الذي يبطل تفسير الشيخ أحمد لها كما تقدم ، و يثبت اعتراف عباد بأنه لم يسمع تلك الأحاديث من عكرمة ، و إنما تلقاها عن إبراهيم - و هو ضعيف جدا كما اعترف الشيخ به - عن داود و هو ضعيف في عكرمة خاصة .
الرابع: و أما زعم الشيخ أن ابن أبي يحيى ليس هو إبراهيم ، و إنما هو محمد بن@ يحيى و هذا ثقة ، فمردود بأنه قول محدث ، لم يقله أحد قبله فيما أعلمه ، بل
هو مخالف لتصريح ابن حبان المتقدم في الفقرة ( 10 ) .
"كل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى ...". و عليه جرى من بعده من الحفاظ المتأخرين ، فقد قال الحافظ المزي في"التهذيب""روى عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي - و هو أكبر منه -".
و لم أر أحدا ذكر أنه روى عن محمد بن أبي يحيى والد إبراهيم .
و أما تصريح عباد بن منصور بسماعه لهذا الحديث عند الترمذي ، فهو إن كان محفوظا عنه غير شاذ - مما لا يفرح به ، لأن تصريح المدلس بالتحديث إنما ينفع إذا كان حافظا ضابطا ، و عباد ليس كذلك ، فلعله وهم فيه بسبب سوء حفظه ، أو تغيره في آخر أمره . و جملة القول أن حديث ابن عباس هذا لا يصلح شاهدا لحديث الترجمة لشدة ضعف
إسناده ، و لأن لفظه مخالف للفظه في العين الأخرى فبقي على ضعفه .
نعم من الممكن أن يقال: إن حديث ابن عمر عند الطبراني يصلح شاهدا له ، لأنه في المعنى مثله ، و إسناده ليس شديد الضعف ، و هذا الذي أنا إليه أميل ، فالحديث صحيح . و الله أعلم .