224 -"الصوم يوم تصومون ، و الفطر يوم تفطرون ، و الأضحى يوم تضحون".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 389:
أخرجه الترمذي ( 2 / 37 - تحفة ) عن إسحاق بن جعفر بن محمد قال:
حدثني عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: فذكره .
و قال الترمذي:"هذا حديث غريب حسن".
قلت: و إسناده جيد ، رجاله كلهم ثقات ، و في عثمان بن محمد و هو ابن المغيرة
ابن الأخنس كلام يسير .
و قال الحافظ في"التقريب":"صدوق له أوهام".
و عبد الله بن جعفر هو ابن عبد الرحمن بن المسور المخرمي المدني و هو ثقة روى
له مسلم .
و إسحاق بن جعفر بن محمد هو الهاشمي الجعفري ، و هو صدوق كما في"التقريب"@
و قد تابعه أبو سعيد مولى بني هاشم و هو ثقة من رجال البخاري قال: حدثنا
عبد الله بن جعفر المخرمي به ، دون الجملة الوسطى:"و الفطر يوم تفطرون".
أخرجه البيهقي في"سننه" ( 4 / 252 ) .
و للحديث طريق أخرى عن أبي هريرة ، فقال ابن ماجه ( 1 / 509 ) :
"حدثنا محمد بن عمر المقرىء حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن"
محمد بن سيرين عن أبي هريرة به دون الجملة الأولى .
و هذا سند رجاله كلهم ثقات غير محمد بن عمر المقرىء و لا يعرف كما في
"التقريب"و أرى أنه وهم في قوله"محمد بن سيرين"و إنما هو"محمد بن"
المنكدر"هكذا رواه العباس بن محمد بن هارون و علي بن سهل قالا: أنبأنا إسحاق"
بن عيسى الطباع عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة به .
أخرجه الدارقطني في"سننه" ( 257 - 258 ) .
و هكذا رواه محمد بن عبيد و هو ابن حساب ثقة من رجال مسلم عن حماد ابن زيد به .
أخرجه أبو داود ( 1 / 366 ) : حدثنا محمد بن عبيد به .
و هكذا رواه روح بن القاسم و عبد الوارث و معمر عن محمد بن المنكدر به .
أخرجه الدارقطني و أبو علي الهروي في"الأول من الثاني من الفوائد"
( ق 20 / 1 ) عن روح .
و أخرجه البيهقي عن عبد الوارث .
و أخرجه الهروي عن معمر قرنه مع روح ، رواه عنهما يزيد بن زريع ، و قد خالفه في
روايته عن معمر يحيى بن اليمان فقال: عن معمر عن محمد بن المنكدر عن عائشة
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره دون الجملة الأولى أيضا .
أخرجه الترمذي ( 2 / 71 ) و الدارقطني ( 258 ) .
و قال الترمذي:@
"سألت محمدا - يعني البخاري - قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة ؟ قال:"
نعم ، يقول في حديثه سمعت عائشة . قال الترمذي: و هذا حديث حسن غريب من هذا
الوجه"."
قلت: كذا قال الترمذي ، و هو عندي ضعيف من هذا الوجه ، لأن يحيى ابن اليمان
ضعيف من قبل حفظه ، و في"التقريب":"صدوق عابد ، يخطىء كثيرا و قد تغير"
قلت: و مع ذلك فقد خالفه يزيد بن زريع و هو ثقة ثبت فقال عن معمر عن محمد
بن المنكدر عن أبي هريرة ، و هذا هو الصواب بلا ريب ، أنه من مسند أبي هريرة ،
ليس من مسند عائشة ، و إذا كان كذلك فهو منقطع لأن ابن المنكدر لم يسمع من
أبي هريرة كما قال البزار و غيره ، و إذا كان كذلك فلم يسمع من عائشة أيضا
لأنها ماتت قبل أبي هريرة و بذلك جزم الحافظ في"التهذيب"، فهو منقطع على كل
حال . و قد روى حديث عائشة موقوفا عليها ، أخرجه البيهقي من طريق أبي حنيفة
قال . حدثني علي بن الأقمر عن مسروق قال:
"دخلت على عائشة يوم عرفة فقالت: اسقوا مسروقا سويقا ، و أكثروا حلواه ،"
قال: فقلت: إني لم يمنعني أن أصوم اليوم إلا أني خفت أن يكون يوم النحر ،
فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس ، و الفطر يوم يفطر الناس"."
قلت: و هذا سند جيد بما قبله .@
فقه الحديث
قال الترمذي عقب الحديث:
"و فسر بعض أهل العلم هذا الحديث ، فقال: إنما معنى هذا الصوم و الفطر مع"
الجماعة و عظم الناس". و قال الصنعاني في"سبل السلام" ( 2 / 72 ) :"
"فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس ، و أن المتفرد بمعرفة"
يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ، و يلزمه حكمهم في الصلاة و الإفطار
و الأضحية"."
و ذكر معنى هذا ابن القيم رحمه الله في"تهذيب السنن" ( 3 / 214 ) ، و قال:
"و قيل: فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز"
له أن يصوم و يفطر ، دون من لم يعلم ، و قيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال
و لم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا له صوما ، كما لم يكن للناس"."
و قال أبو الحسن السندي في"حاشيته على ابن ماجه"بعد أن ذكر حديث أبي هريرة
عند الترمذي:
"و الظاهر أن معناه أن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل ، و ليس لهم التفرد"
فيها ، بل الأمر فيها إلى الإمام و الجماعة ، و يجب على الآحاد اتباعهم للإمام
و الجماعة ، و على هذا ، فإذا رأى أحد الهلال ، و رد الإمام شهادته ينبغي أن لا
يثبت في حقه شيء من هذه الأمور ، و يجب عليه أن يتبع الجماعة في ذلك"."
قلت: و هذا المعنى هو المتبادر من الحديث ، و يؤيده احتجاج عائشة به على مسروق
حين امتنع من صيام يوم عرفة خشية أن يكون يوم النحر ، فبينت له أنه لا عبرة
برأيه و أن عليه اتباع الجماعة فقالت:@
"النحر يوم ينحر الناس ، و الفطر يوم يفطر الناس".
قلت: و هذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس و توحيد
صفوفهم ، و إبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الآراء الفردية ، فلا تعتبر الشريعة
رأي الفرد - و لو كان صوابا في وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم و التعبيد
و صلاة الجماعة ، ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي بعضهم وراء بعض
و فيهم من يرى أن مس المرأة و العضو و خروج الدم من نواقض الوضوء ، و منهم من
لا يرى ذلك ، و منهم من يتم في السفر ، و منهم من يقصر ، فلم يكن اختلافهم هذا
و غيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد ، و الاعتداد بها ،
و ذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين شر من الاختلاف في بعض الآراء ، و لقد بلغ
الأمر ببعضهم في عدم الإعتداد بالرأي المخالف لرأى الإمام الأعظم في المجتمع
الأكبر كمنى ، إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقا في ذلك المجتمع فرارا مما قد ينتج
من الشر بسبب العمل برأيه ، فروى أبو داود ( 1 / 307 ) أن عثمان رضي الله عنه
صلى بمنى أربعا ، فقال عبد الله بن مسعود منكرا عليه: صليت مع النبي صلى الله
عليه وسلم ركعتين ، و مع أبي بكر ركعتين ، و مع عمر ركعتين ، و مع عثمان صدرا
من إمارته ثم أتمها ، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين
متقبلتين ، ثم إن ابن مسعود صلى أربعا ! فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت
أربعا ؟ ! قال: الخلاف شر . و سنده صحيح . و روى أحمد ( 5 / 155 ) نحو هذا عن
أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين .
فليتأمل في هذا الحديث و في الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرقون في
صلواتهم ، و لا يقتدون ببعض أئمة المساجد ، و خاصة في صلاة الوتر في رمضان ،
بحجة كونهم على خلاف مذهبهم ! و بعض أولئك الذين يدعون العلم بالفلك ، ممن يصوم
و يفطر وحده متقدما أو متأخرا عن جماعة المسلمين ، معتدا برأيه و علمه ، غير
مبال بالخروج عنهم ، @فليتأمل هؤلاء جميعا فيما ذكرناه من العلم ، لعلهم يجدون
شفاء لما في نفوسهم من جهل و غرور ، فيكونوا صفا واحدا مع إخوانهم المسلمين فإن
يد الله مع الجماعة .