2920 -"كان لا يدع ركعتين قبل الفجر ، و ركعتين بعد العصر".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"6 / 1010:
أخرجه ابن أبي شيبة في"المصنف" ( 2 / 352 ) : حدثنا عفان قال: أخبرنا أبو
عوانة قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه: أنه كان يصلي بعد
العصر ركعتين ، فقيل له ؟ فقال: لو لم أصلهما إلا أني رأيت مسروقا يصليهما
لكان ثقة ، و لكني سألت عائشة ؟ فقالت: فذكره . @قلت: و هذا إسناد صحيح
غاية على شرط الشيخين ، و أبو عوانة اسمه الوضاح اليشكري ، و هو ثقة ثبت كما
قال الحافظ في"التقريب". و قد خالفه شعبة في متنه فرواه عن إبراهيم به ،
إلا أنه قال:".. أربعا قبل الظهر"، مكان الركعتين بعد العصر . أخرجه
البخاري و غيره ، و هو مخرج في"صحيح أبي داود"رقم ( 1139 ) . و يظهر لي - و
الله أعلم - أن كلا من الروايتين محفوظ لثقة رواتهما و حفظهما ، و لأن للركعتين
طرقا كثيرة عن عائشة يأتي ذكر بعضها بإذن الله تعالى . و قد أخرجه الطحاوي في""
شرح المعاني" ( 1 / 177 ) من طريق هلال بن يحيى قال: حدثنا أبو عوانة به ،"
إلا أنه أدخل بين محمد بن المنتشر و عائشة - مسروقا . و هلال هذا ضعيف . قال
ابن حبان في"الضعفاء" ( 3 / 88 ) :"كان يخطىء كثيرا على قلة روايته".
نعم لحديث مسروق أصل صحيح برواية أخرى ، فكأنها اختلطت عليه بهذه ، فقال الإمام
أحمد ( 6 / 241 ) : حدثنا إسحاق بن يوسف قال: حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن
أبي الضحى عن مسروق قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين بعد العصر . و هذا إسناد صحيح
أيضا على شرط الشيخين ، و قد أخرجاه من طريق أخرى عن مسروق مقرونا مع الأسود
بلفظ:"ما من يوم يأتي علي النبي صلى الله عليه وسلم إلا صلى بعد العصر"
ركعتين". و في رواية بلفظ: @"ركعتان لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
يدعهما سرا و لا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح ، و ركعتان بعد العصر". و هو"
مخرج في"الإرواء" ( 2 / 188 - 189 ) و الذي قبله في"صحيح أبي داود"(
1160 )و قد تابع إسحاق بن يوسف - و هو الأزرق - جعفر بن عون ، إلا أنه خالفه
في إسناده فقال: عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الضحى به . أخرجه ابن أبي
شيبة ( 2 / 353 ) و أبو العباس السراج في"مسنده" ( ق 132 / 1 ) و جعفر بن
عون صدوق من رجال الشيخين ، فإن كان حفظه فيكون لمسعر فيه شيخان ، و إلا فرواية
الأزرق أصح . هذا و قد روى ابن أبي شيبة عن جماعة من السلف أنهم كانوا يصلون
هاتين الركعتين بعد العصر ، منهم أبو بردة بن أبي موسى و أبو الشعثاء و عمرو بن
ميمون و الأسود ابن يزيد و أبو وائل ، رواه بالسند الصحيح عنهم ، و منهم محمد
بن المنتشر و مسروق كما تقدم آنفا . و أما ضرب عمر من يصليهما ، فهو من
اجتهاداته القائمة على باب سد الذريعة ، كما يشعر بذلك روايتان ذكرهما الحافظ
في"الفتح" ( 2 / 65 ) : إحداهما في"مصنف عبد الرزاق" ( 2 / 431 - 432 ) و
"مسند أحمد" ( 4 / 155 ) و الطبراني ( 5 / 260 ) و حسنه الهيثمي ( 2 / 223 )
.و الأخرى عند أحمد ( 4 / 102 ) أيضا ، و الطبراني في"المعجم الكبير"( 2 /
58 -59 )، و"الأوسط" ( 8848 - بترقيمي ) . @و قد وقفت على رواية ثالثة تشد
من عضدهما ، و هي من رواية إسرائيل عن المقدام ابن شريح عن أبيه قال: سألت
عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يصلي ؟ [ قالت: ] "كان"
يصلي الهجير ثم يصلي بعدها ركعتين ، ثم يصلي العصر ثم يصلي بعدها ركعتين . فقلت
: فقد كان [ عمر ] يضرب عليهما و ينهى عنهما ؟ فقالت: قد كان عمر يصليهما ، و
قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ كان ] يصليهما ، و لكن قومك أهل
الدين قوم طغام ، يصلون الظهر ، ثم يصلون ما بين الظهر و العصر ، و يصلون العصر
ثم يصلون ما بين العصر و المغرب ، فضربهم عمر ، و قد أحسن". أخرجه أبو العباس"
السراج في"مسنده" ( ق 132 / 1 ) . قلت: و إسناده صحيح ، و هو شاهد قوي
للأثرين المشار إليهما آنفا ، و هو نص صريح أن نهي عمر رضي الله عنه عن
الركعتين ليس لذاتهما كما يتوهم الكثيرون ، و إنما هو خشية الاستمرار في الصلاة
بعدهما ، أو تأخيرهما إلى وقت الكراهة و هو اصفرار الشمس ، و هذا الوقت هو
المراد بالنهي عن الصلاة بعد العصر الذي صح في أحاديث كما سبق بيانه تحت
الحديثين المتقدمين برقم ( 200 و 314 ) . و يتلخص مما سبق أن الركعتين بعد
العصر سنة إذا صليت العصر معها قبل اصفرار الشمس ، و أن ضرب عمر عليها إنما هو
اجتهاد منه وافقه عليه بعض الصحابة ، و خالفه آخرون ، و على رأسهم أم المؤمنين
رضي الله عنها ، و لكل من الفريقين موافقون ، فوجب الرجوع إلى السنة ، و هي
ثابتة صحيحة برواية أم المؤمنين ، دون دليل يعارضه إلا العموم المخصص بحديث علي
و أنس المشار إلى أرقامهما آنفا . و يبدو أن هذا هو مذهب ابن عمر أيضا ، فقد
روى البخاري ( 589 ) عنه قال: @"أصلي كما رأيت أصحابي يصلون ، لا أنهى أحدا"
يصلي بليل و لا نهار ما شاء ، غير أن لا تحروا طلوع الشمس و لا غروبها". و"
هذا مذهب أبي أيوب الأنصاري أيضا ، فقد روى عبد الرزاق عنه ( 2 / 433 ) بسند
صحيح عن ابن طاووس عن أبيه: أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر
ركعتين بعد العصر ، فلما استخلف عمر تركهما ، فلما توفي ركعهما ، فقيل له: ما
هذا ؟ فقال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما . قال ابن طاووس: و كان أبي لا
يدعهما . و هنا ينبغي أن نذكر أهل السنة الحريصين على إحياء السنن و إماتة
البدع أن يصلوا هاتين الركعتين كلما صلوا العصر في وقتها المشروع ، لقوله صلى
الله عليه وسلم:"من سن في الإسلام سنة حسنة ..". و بالله التوفيق .