2668 -"كان آدم نبيا مكلما ، كان بينه و بين نوح عشرة قرون ، و كانت الرسل ثلاثمائة"
و خمسة عشر"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"6 / 358:
أخرجه أبو جعفر الرزاز في"مجلس من الأمالي" ( ق 178 / 1 ) : حدثنا @عبد الكريم ابن الهيثم الديرعاقولي: حدثنا أبو توبة - يعني الربيع بن نافع -:
حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني أبو
أمامة:"أن رجلا قال: يا رسول الله ! أنبيا كان آدم ؟ قال: نعم ، مكلم ."
قال: كم كان بينه و بين نوح ؟ قال: عشرة قرون . قال: يا رسول الله ! كم كانت
الرسل ؟ قال: ثلاثمائة و خمسة عشر". قلت: و هذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم"
ثقات رجال مسلم غير الديرعاقولي ، و هو ثقة ثبت كما قال الخطيب في"تاريخه"(
11 / 78 )و كذلك قال ابن حبان في"الثقات" ( 8 / 423 ) و اعتمده السمعاني في
"الأنساب"، و الذهبي في"السير" ( 13 / 335 - 336 ) . و الحديث أخرجه ابن
حبان أيضا في"صحيحه" ( 2085 - موارد ) و ابن منده في"التوحيد"( ق 104 /
2 )و من طريقه ابن عساكر في"تاريخ دمشق" ( 2 / 325 / 2 ) و الطبراني في""
الأوسط" ( 1 / 24 / 2 / 398 - بترقيمي ) و كذا في"الكبير"( 8 / 139 - 140"
)و الحاكم ( 2 / 262 ) و قال:"صحيح على شرط مسلم". و وافقه الذهبي . و
كذا قال ابن عروة الحنبلي في"الكواكب الدراري" ( 6 / 212 / 1 ) و قد عزاه
لابن حبان فقط ، و قال ابن منده عقبه:"هذا إسناد صحيح على رسم مسلم و"
الجماعة إلا البخاري . و روي من حديث القاسم أبي عبد الرحمن و غيره عن أبي
أمامة و أبي ذر بأسانيد فيها مقال". قلت: حديث القاسم ، يرويه معان بن رفاعة"
: حدثني علي بن يزيد عنه عن أبي أمامة مطولا ، و فيه:"قال: قلت: يا نبي"
الله ! فأي الأنبياء كان أول ؟ قال: آدم عليه السلام . قال:@ قلت: يا نبي
الله ! أو نبي كان آدم ؟ قال: نعم ، نبي مكلم ، خلقه الله بيده ، ثم نفخ فيه
من روحه ، ثم قال له: يا آدم قبلا . قال: قلت: يا رسول الله ! كم وفى عدد
الأنبياء ؟ قال: مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا ، الرسل من ذلك ثلاثمائة و
خمسة عشر ، جما غفيرا". أخرجه أحمد ( 5 / 265 ) . و علي بن يزيد و هو"
الألهاني ضعيف . و معان بن رفاعة لين الحديث كما في"التقريب"، لكن يبدو أنه
لم يتفرد به ، فقد قال الهيثمي في"المجمع" ( 1 / 159 ) :"رواه أحمد و"
الطبراني في"الكبير"، و مداره على علي بن يزيد و هو ضعيف". هذا و زاد"
الطبراني في حديث الترجمة كما تقدم:"قال: كم كان بين نوح و إبراهيم ؟ قال:"
عشرة قرون". و قال الهيثمي ( 8 / 210 ) :"رواه الطبراني ، و رجاله رجال
الصحيح غير أحمد بن خليد ، و هو ثقة". و لهذه الزيادة شاهد من حديث أبي هريرة"
مرفوعا بلفظ:"كان بين آدم و نوح عليهما السلام عشرة قرون ، و بين نوح و"
إبراهيم عشرة قرون ، صلى الله عليهما". أخرجه العقيلي في"الضعفاء" ( ص 437) : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي قال: حدثنا"
الوليد بن مسلم قال:@ حدثنا أبو عمرو عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي
هريرة مرفوعا به . أورده في ترجمة نصر هذا ، و قال:"لا يتابع عليه ، و لا"
يعرف إلا به". و قال الذهبي في"الميزان"."محدث رحال ، ذكره ابن حبان في
( الثقات ) " . و قال الحافظ في"التقريب": " لين الحديث". ( تنبيه ) :("
رحال ) بالراء ، و وقع في المطبوعتين من"الميزان" ( دجال ) بالدال . و هو
تصحيف فاحش ، و التصحيح من مخطوطة الظاهرية . و أما حديث أبي ذر الذي أشار إليه
ابن منده فله عنه طرق: الأولى: عن عبيد بن الخشخاش عنه قال: أتيت النبي صلى
الله عليه وسلم و هو في المسجد ... الحديث بطوله ، و فيه حديث الترجمة ، و فيه
أن الرجل السائل هو أبو ذر نفسه . أخرجه الطيالسي في"مسنده" ( 478 ) : حدثنا
المسعودي عن أبي عمرو الشامي عن عبيد بن الخشخاش . و من هذا الوجه أخرجه أحمد(
5 / 178 و 179 )و ابن سعد في"الطبقات" ( 1 / 1 / 10 و 26 ) من طرق أخرى عن
المسعودي به . و قال الهيثمي ( 1 / 160 ) :"رواه أحمد و البزار و الطبراني في"
"الأوسط"، و فيه المسعودي و هو ثقة ، و لكنه اختلط". قلت: و عبيد بن"
الخشخاش ضعفه الدارقطني ، و أما ابن حبان فأورده في"الثقات" ( 3 / 170 ) وقال: @"روى عنه الكوفيون". قلت: و الراوي عنه هذا أبو عمرو الشامي كما ترى
.الثانية: عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر به مطولا جدا ، و فيه حديث
الترجمة و زيادة عدد الأنبياء المتقدم في حديث علي بن يزيد . أخرجه ابن حبان في
"صحيحه" ( 94 - الموارد ) و أبو نعيم في"الحلية" ( 1 / 166 - 168 ) من
طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني: حدثنا أبي عن جدي عن أبي إدريس
الخولاني به . قلت: و إبراهيم هذا متروك متهم بالكذب ، لكنه لم يتفرد به ، فقد
قال أبو نعيم عقبه:"و رواه المختار بن غسان عن إسماعيل بن سلمة عن أبي إدريس"
". قلت: و المختار هذا من رجال ابن ماجه ، روى عنه جمع ، و لم يذكروا توثيقه"
عن أحد ، و قال الحافظ:"مقبول". و شيخه إسماعيل بن سلمة لم أجد له ترجمة ،
و غالب الظن أنه محرف و الصواب ( إسماعيل بن مسلم ) فقد ذكروه في شيوخه ، و هو
العبدي الثقة ، و كذلك المختار هو عبدي ، فإذا صح الإسناد إليه ، فهو حسن لغيره
.و الله أعلم . و تابعه الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن
أبي إدريس الخولاني به . و فيه عدد الأنبياء أيضا . أخرجه ابن جرير في""
التاريخ" ( 1 / 150 ) . قلت: و هذا إسناد ضعيف ، لضعف الماضي بن محمد . و"
شيخه أبو سليمان اسمه علي بن سليمان ، مجهول .@ و مثله القاسم بن محمد ، و ليس
هو المدني الثقة . فقد قال الحافظ ابن حجر:"أظن أنه شامي". الثالثة: قال
أبو نعيم: و رواه معاوية بن صالح عن أبي عبد الملك محمد بن أيوب عن ابن عائذ
عن أبي ذر بطوله . قلت: و ابن أيوب هذا ذكره ابن أبي حاتم( 3 / 2 / 196 - 197
)بهذه الرواية ، و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا . و ابن عائذ لم أعرف اسمه
الآن . الرابعة: عن يحيى بن سعيد العبشمي - من بني سعد بن تميم -: حدثنا ابن
جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي ذر به . أخرجه أبو نعيم ، و البيهقي( 9 /
4 )، لكن رواه من طريقه الحاكم ( 2 / 597 ) فسماه يحيى بن سعيد السعدي البصري
، و سكت عنه ، و قال الذهبي:"قلت: السعدي ليس بثقة". قلت: الذي ليس بثقة
إنما هو يحيى بن سعيد المدني ، و هذا بصري فهو غيره ، و إليه يميل الحافظ في""
اللسان"، فراجعه . قلت: و العبشمي هذا لم أعرفه ، و لم يورده السمعاني في"
هذه النسبة . و جملة القول: إن عدد الرسل المذكورين في حديث الترجمة صحيح
لذاته ، و أن عدد الأنبياء المذكورين في أحد طرقه ، و في حديث أبي ذر من ثلاث
طرق ، فهو صحيح لغيره ، و لعله لذلك لما ذكره ابن كثير في"تاريخه"( 1 / 97
)من رواية ابن حبان في"صحيحه"سكت عنه ، و لم يتعقبه بشيء ، فدل على ثبوته
عنده . و كذلك فعل الحافظ ابن حجر في"الفتح" ( 6 / 257 ) @و العيني في""
العمدة" ( 7 / 307 ) ، و غيرهم ، و قال المحقق الآلوسي في"تفسيره"( 5 /"
449 ):"و زعم ابن الجوزي أنه موضوع ، و ليس كذلك . نعم ، قيل: في سنده ضعف"
جبر بالمتابعة". و سبقه إلى ذلك و الرد على ابن الجوزي الحافظ ابن حجر في"
تخريج الكشاف" ( 4 / 114 ) ، و هو الذي لا يسع الباحث المحقق غيره كما تراه"
مبينا في تخريجنا هذا و الحمد لله . و في عدد الأنبياء أحاديث أخرى ، هي في
الجملة متفقة مع الأحاديث المتقدمة على أن عددهم أكثر من عدد الرسل ، رويت من
حديث أبي سعيد الخدري ، و من حديث أنس بن مالك من طرق عنه ، عند أبي يعلى و
الطبراني و الحاكم ، لعلنا نتفرغ لتتبعها ، و تخريجها في المكان المناسب لها في
فرصة أخرى إن شاء الله تعالى . ثم خرجتها في"الضعيفة"برقم ( 6090 ) . و
اعلم أن الحديث و ما ذكرنا من الأحاديث الأخرى ، مما يدل على المغايرة بين
الرسول و النبي ، و ذلك مما دل عليه القرآن أيضا في قوله عز وجل: *( و ما
أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته )* الآية
.و على ذلك جرى عامة المفسرين ، من ابن جرير الطبري الإمام ، إلى خاتمة
المحققين الآلوسي ، و هو ما جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من
فتاويه ( المجموع 10 / 290 و 18 / 7 ) أن كل رسول نبي ، و ليس كل نبي رسولا . و
قال القرطبي في"تفسيره" ( 12 / 80 ) : @"قال المهدوي: و هذا هو الصحيح"
أن كل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا . و كذا ذكر القاضي عياض في كتاب"الشفا"
، قال: و الصحيح الذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا و
احتج بحديث أبي ذر ..". قلت: و يؤكد المغايرة في الآية ما رواه أبو بكر"
الأنباري في كتاب"الرد"له بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ:(
و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث ). و قال أبو بكر: فهذا حديث
لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن ، و المحدث هو الذي يوحى إليه في نومه ، لأن رؤيا
الأنبياء وحي . قلت: فإن صح ذلك عن ابن عباس فهو مما يؤكد ما ذكرنا من
المغايرة ، و إن كان لا يثبت به قرآن ، و يؤيده أن المغايرة هذه رويت عن تلميذه
مجاهد رحمه الله ، فقد ذكر السيوطي في"الدر" ( 4 / 366 ) برواية ابن المنذر
و ابن أبي حاتم عن مجاهد قال:"النبي وحده الذي يكلم و ينزل عليه ، و لا يرسل"
". فهذا نص من هذا الإمام في التفسير ، يؤيد ما تتابع عليه العلماء من القول"
بالمغايرة ، الموافق لظاهر القرآن و صريح السنة . و كان الدافع على تحرير هذا
أنني رأيت مجموعة رسائل لأحد فضلاء العصر الحاضر ، فيها رسالة بعنوان:"إتحاف"
الأحفياء برسالة الأنبياء"ذهب فيها إلى عدم التفريق بين الرسول و النبي . و"
بحثه فيها يدل المحقق المطلع على بحوث العلماء و أقوالهم ، على أن المؤلف لها
حفظه الله ارتجلها ارتجالا دون أن يتعب نفسه بالبحث عن أقوال العلماء في
المسألة ، و إلا فكيف جاز له أن يقول ( ج 1 / 429 ) : 1 -"و أسبق من رأينا"
تكلم بهذا التفريق هو العلامة ابن كثير ..."!@ و قد سبقه إلى ذلك مجاهد ،"
التابعي الجليل ( ت 104 ) و شيخ المفسرين ابن جرير ( ت 310 ) و البغوي( ت 516
)و القرطبي ( ت 671 ) و الزمخشري ( ت 538 ) ، و غيرهم ممن أشرت إليهم آنفا .
2 -كيف يقول ( ص 431 ) :"إن ابن تيمية لم يذكر التفريق المشار إليه في كتابه"
( النبوات ) "! و ليس من اللازم أن يذكر المؤلف كل ما يعلمه في الموضوع في"
كتاب واحد ، فقد ذكر ذلك ابن تيمية في غير ما موضع من فتاواه ، فلو أنه راجع""
مجموع الفتاوى"له لوجد ذلك في ( 10 / 290 و 18 / 7 ) . و من ذلك تعلم بطلان"
قوله عقب ذلك:"فهذه الغلطة في التفريق بين الرسول و النبي يظهر أنها إنما"
دخلت على الناس من طريق حديث موضوع رواه ابن مردويه عن أبي ذر ، و هو حديث طويل
جدا لا يحتمل أبو ذر حفظه مع طوله .."! أقول: ليس العمدة في التفريق المذكور"
على هذا الحديث الطويل الذي زعم أن أبا ذر لا يتحمل حفظه كما شرحت ذلك في هذا
التخريج الفريد في بابه فيما أظن ، و تالله إن هذا الزعم لبدعة في علم الجرح و
التعديل ما سبق - و الحمد لله - من أحد إلى مثلها ! و إلا لزمه رد أحاديث كثيرة
طويلة صحيحة ثابتة في الصحيحين و غيرهما ، كحديث صلح الحديبية ، و حديث الدجال
و الجساسة ، و حديث عائشة:"كنت لك كأبي زرع لأم زرع"، و غيرها . و لعله لا
يلتزم ذلك إن شاء الله تعالى و تقليده لابن الجوزي في حكمه على الحديث بالوضع
مردود ، لأن التقليد ليس بعلم ، كما لا يخفى على مثله ، ثم لماذا آثر تقليده
على تقليد الذين ردوا عليه حكمه عليه بالوضع ؟ كالحافظ العسقلاني و المحقق
الآلوسي و غيرهما ممن @سبقت الإشارة إلى كلامهم ، لاسيما و هو يعلم تشدد ابن
الجوزي في نقده للأحاديث ، كما يعلم إن شاء الله أن نقده لو سلم به ، خاص في
بعض طرق الحديث التي خرجتها هنا . و من غرائبه أنه ذكر آية الأمنية: *( و ما
أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى .. )* و أن الواو تفيد المغايرة
، ثم رد ذلك بقوله:"و الجواب أن مثل هذا يقع كثيرا في القرآن و في السنة"
يعطف بالشيء على الشيء ، و يراد @بالتالي نفس الأول كما في قوله: *( إن
المسلمين و المسلمات ، و المؤمنين و المؤمنات )* ، فغاير بينهما بحرف العطف ، و
معلوم أن المسلمين هم المؤمنون ، و المؤمنين هم المسلمون". فأقول: هذا غير"
معلوم ، بل العكس هو الصواب ، كما شرح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه ، و
بخاصة منها كتابه"الإيمان"، و لذلك قال في"مختصر الفتاوى المصرية"( ص
586 ):"الذي عليه جمهور سلف المسلمين: أن كل مؤمن مسلم ، و ليس كل مسلم"
مؤمنا ، فالمؤمن أفضل من المسلم ، قال تعالى 49: 14: *( قالت الأعراب آمنا قل
لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا )*". فالآية كما ترى حجة عليه ، و يؤيد ذلك"
تمامها: * ( القانتين و القانتات ... ) * الآية: فإن من الظاهر بداهة أنه ليس
كل مسلم قانتا ! ثم ذكر آية أخرى لا تصلح أيضا دليلا له ، و هي قوله تعالى: *(
قل من كان عدوا لله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال .. )* ، قال: فعطف
بجبريل و ميكال على الملائكة و هما منهم". أقول: نعم ، و لكن هذا ليس من باب"
عطف الشيء على الشيء و يراد بالتالي نفس الأول كما هو دعواه ، و إنما هذا من
باب عطف الخاص على العام . و هذا مما لا خلاف فيه ، و لكنه ليس موضع البحث كما
هو ظاهر للفقيه . نعم إن ما ذهب إليه المومى إليه في الرسالة السابقة من إنكار
ما جاء في بعض كتب الكلام في تعريف النبي أنه من أوحي إليه بشرع و لم يؤمر
بتبليغه ، فهو مما أصاب فيه كبد الحقيقة ، و لطالما أنكرناه في مجالسنا و
دروسنا ، لأن ذلك يستلزم جواز كتمان العلم مما لا يليق بالعلماء ، بله الأنبياء
، قال تعالى: *( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما
بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون )* . و لعل المشار
إليه توهم أن هذا المنكر إنما تفرع من القول بالتفريق بين الرسول و النبي ،
فبادر إلى إنكار الأصل ليسقط معه الفرع ، كما فعل بعض الفرق قديما حين بادروا
إلى إنكار القدر الإلهي إبطالا للجبر ، و بعض العلماء في العصر الحاضر إلى
إنكار عقيدة نزول عيسى و خروج المهدي عليهما السلام ، إنكارا لتواكل جمهور من
المسلمين عليها . و كل ذلك خطأ ، و إن كانوا أرادوا الإصلاح ، فإن ذلك لا يكون
و لن يكون بإنكار الحق الذي قامت عليه الأدلة . و لو أن الكاتب المشار إليه
توسع في دراسة هذه المسألة قبل أن يسود رسالته ، لوجد فيها أقوالا أخرى
استوعبها العلامة الآلوسي ( 5 / 449 ) ، و لكان بإمكانه أن يختار منها ما لا
نكارة فيه كمثل قول الزمخشري ( 3 / 37 ) :"و الفرق بينهما ، أن الرسول من"
الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه . و النبي غير الرسول: من
لم ينزل عليه كتاب ، و إنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله". و مثله"
قول البيضاوي في"تفسيره" ( 4 / 57 ) : @"الرسول: من بعثه الله بشريعة مجددة"
يدعو الناس إليها ، و النبي يعمه ، و من بعثه لتقرير شرع سابق ، كأنبياء بني
إسرائيل الذين كانوا بين موسى و عيسى عليهم السلام ، و لذلك شبه النبي صلى الله
عليه وسلم علماء أمته بهم". يشير إلى حديث"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل
"و لكنه حديث لا أصل له ، كما نص على ذلك الحافظ العسقلاني و السخاوي و غيرهما"
.ثم إنهم قد أوردوا على تعريفه المذكور اعتراضات يتلخص منها أن الصواب حذف
لفظة"مجددة"منه ، و مثله لفظة"الكتاب"في تعريف الزمخشري ، لأن إسماعيل
عليه السلام ، لم يكن له كتاب و لا شريعة مجددة ، بل كان على شريعة إبراهيم
عليهما السلام ، و قد وصفه الله عز وجل في القرآن بقوله: *( إنه كان صادق
الوعد و كان رسولا نبيا )* . و يبقى تعريف النبي بمن بعث لتقرير شرع سابق ، و
الرسول من بعثه الله بشريعة يدعو الناس إليها ، سواء كانت جديدة أو متقدمة . و
الله أعلم .
[1] من علماء المغرب ، و اسمه محمد بن إبراهيم المهدوي . توفي سنة ( 595 ) .