فهرس الكتاب

الصفحة 3418 من 3700

3412- (لا صلاةَ بعدَ العصر حتّى تغربَ الشمسُ، ولا بعْدَ الفجْرِ حتّى تطلعَ الشمسُ إلا بمكةَ، إلا بمكةَ، [إلا بمكةَ] ) .

أخرجه أحمد (5/165) : ثنا يزيد، والدارقطني في"سننه" (1/424/6) ، والبيهقي (2/461) من طريق محمد بن إدريس الشافعي، والبيهقي أيضًا@

والطبراني في"المعجم الأوسط" (1/468/851) عن سنيد بن سليمان؛ ثلاثتهم عن عبدالله بن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد عن أبي ذر:

أنه أخذ بحلقة باب الكعبة، فقال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول:... فذكره. وقال الطبراني:

"لم يروه عن قيس بن سعد إلا حميد بن قيس الأعرج، تفرد به عبدالله بن المؤمل المخزومي"!

كذا قال! وقد توبع كما يأتي؛ فانتظر.

وخالف هؤلاء الثلاثة سعيد بن سالم القدََّاح، فقال: عن عبدالله بن مؤمل عن حميد مولى عفراء عن مجاهد به؛ لم يذكر: قيس بن سعد.

أخرجه ابن خزيمة في"صحيحه" (4/226/2748) ، وابن عدي في"الكامل" (4/137) . وقال ابن خزيمة:

"أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر".

قلت: لعل مستند هذا الشك ما أخرجه ابن عدي (7/289) ، ومن طريقه البيهقي قال: حدثنا محمد بن يونس العُصفُرِي: حدثنا محمد بن موسى الحَرَشِيُّ: حدثني اليَسَعُ بن طلحة القرشي- من أهل مكة-: سمعت مجاهدًا يقول: بلغنا أن أبا ذر قال... فذكر الحديث مختصرًا جدًا بلفظ:

"لا صلاة بعد العصر إلا بمكة".

لكن اليسع بن طلحة هذا ضعيف جدًا، قال البخاري وأبو زرعة:

"منكر الحديث".@

وقال البيهقي عقبه:

"اليسع بن طلحة ضعفوه، والحديث منقطع؛ مجاهد لم يدرك أبا ذر، والله أعلم".

قلت: نفيه الإدراك قد سبق إليه من غير ما واحد من الحفاظ. وقد جاء في"نصب الراية"للزيلعي (1/254) عقب النفي المذكور:

"قال الشيخ (يعني: ابن دقيق العيد) في"الإمام": وحديث أبي ذر هذا معلول بأربعة أشياء:"

أحدها: انقطاع ما بين مجاهد وأبي ذر.. (ثم ذكر كلام البيهقي) .

والثاني: اختلاف في إسناده ؛ فرواه سعيد بن سالم عن ابن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن مجاهد عن أبي ذر، لم يذكر فيه قيس بن سعد. أخرجه كذلك ابن عدي في"الكامل". قال البيهقي:

"وكذلك رواه عبدالله بن محمد الشامي عن ابن المؤمل عن حميد الأعرج عن مجاهد".

والثالث: ضعف ابن المؤمل، قال النسائي وابن معين:"ضعيف". وقال أحمد:"أحاديثه مناكير". وقال ابن عدي:"عامة حديثه الضعف عليه بيِّن".

الرابع: ضعف حميد مولى عفراء، قال البيهقي:"ليس بالقوي". وقال أبو عمر بن عبدالبر:"هو ضعيف". انتهى"!"

قلت: هذه العلل عندي واهية جدًا؛ باستثناء الأولى والثالثة ففيهما نظر يأتي بيانه، وأوهاها رابعها ؛ فإن حميدًا هذا- وهو ابن قيس الأعرج المكي القاري-@

قد وثقه جمهور الأئمة المتقدمين، ومنهم البخاري، ولم يضعفه أحد منهم إلا أحمد في رواية؛ فإنه قال ما قاله البيهقي، وهذا وإن كان لا يعني أنه"ضعيف"كما أطلق ابن عبدالبر، لما هو معلوم من الفرق بين هذا وبين ما لو قال:"ليس بقوي"، ولا سيما وقد قال أحمد في رواية أخرى عنه:

"ثقة". وقال ابن معين فيه:

ولذلك أخرج له الشيخان في"الصحيحين"؛ فقد جاوز القنطرة يقينًا.

ونحوه في الضعف الوجه الثاني؛ لأن مثل هذا الاختلاف لا قيمة له؛ بل لا ينبغي أن يذكر؛ لأن سعيد بن سالم- لو كان ثقة- فلا ينبغي أن يلتفت إلى مخالفته للثلاثة الثقات الذين تقدم ذكرهم، وبخاصة منهم الإمام الشافعي، فكيف وهو مضعف من قبل حفظه؟!

ومثله يقال- ومن باب أولى- في متابعة (عبدالله بن محمد الشامي) - وفي"سنن البيهقي": (الشافعي) -؛ فإنه غير معروف في كتب الرجال، مع احتمال أن يكون الذي في"الميزان":

"عبدالله بن محمد بن حجر الشامي، نزيل رأس العين، ضعفه الأزدي".

وزاد عليه الحافظ وفي"اللسان"أنه ذكره ابن حبان في"الثقات"، وأنه قال:

"يغرب وينفرد".

وقد ذكره في الطبقة الرابعة منه (8/349) .

ثم إنه لو سلمنا جدلًا أن لمثل هذه المخالفة قيمة تذكر؛ فيمكن الترجيح من@

جهة أخرى- غير الأكثر والأوثق- بأن يقال: إن هؤلاء معهم زيادة، وزيادة الثقة مقبولة. وفي الجواب التالي ما يؤكد ذلك.

وأما الجواب عن الوجه الثالث؛ فهو عند البيهقي نفسه؛ فإنه بعد أن ساق رواية عبدالله بن المؤمل وضعفه؛ قال معقبًا عليه:

"إلا أن إبراهيم بن طهمان قد تابعه في ذلك عن حميد، وأقام إسناده".

ثم ساقه عنه: ثنا حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد قال:

جاءنا أبو ذر، فأخذ بحلقة الباب، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بأذني هاتين... فذكر حديث الترجمة بالزيادة.

ثم أعله بضعف (حميد) - وسبق الجواب عنه-، وبالانقطاع، وبقوله:

"ومجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله:"جاءنا"يعني: جاء بلدنا. والله أعلم"!

لقد صرح مجاهد بقوله:"جاءنا أبو ذر"؛ فهذا تصريح منه بلقياه إياه وسماعه منه في مكة، ومجاهد مكي كما هو معروف، والسند إليه بذلك صحيح، والتأويل الذي ذكره البيهقي؛ إنما يصح المصير إليه؛ إذا ثبت بإسناد صحيح أيضًا ولا يقبل التأويل، كما لو ثبت أنه ولد بعد وفاة أبي ذر، أو كان صغيرًا، أو نحو ذلك من الأمور التي يصلح الاعتماد عليها بعد ثبوتها؛ ففي هذه الحالة يمكن القول بالتأويل المذكور. والله أعلم.

ومع ذلك ؛ فمن المسلَّم عند العلماء أن مراسيل مجاهد خير من مراسيل غيره من التابعين كعطاء وغيره، فإن لم يثبت سماعه للحديث من أبي ذر؛ فهو مرسل صحيح، يمكن تقويته ببعض الشواهد:@

فمنها: ما رواه عبدالله بن باباه عن أبي الدرداء:

أنه طاف بعد العصر عند مغارب الشمس، فصلى ركعتين قبل غروب الشمس، فقيل له: يا أبا الدرداء! أنتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقولون: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؟! فقال:

إن هذه البلدة بلدة ليست كغيرها.

أخرجه الطحاوي في"شرح المعاني" (1/396) ، والبيهقي أيضًا (2/463) ، وإسناده صحيح، ولذلك لم يسعه إلا أن يقول بصحة الاستثناء المذكور في حديث الترجمة، فقال:

"وهذا القول من أبي الدرداء يوجب تخصيص المكان بذلك. والله أعلم".

وهناك آثار أخرى تشهد لصحة الاستثناء، ولذلك رأيت الحافظ ابن عبد البر - مع تضعيفه لسند الحديث وإعلاله إياه بما تقدم- مع الرد عليه-؛ قال في"التمهيد" (13/45) :

"وهذا حديث وإن لم يكن بالقوي- لضعف حميد مولى عفراء، ولأن مجاهدًا لم يسمع من أبي ذر-؛ ففي حديث جبير بن مطعم ما يقويه، مع قول جمهور علماء المسلمين به، وذلك أن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، والحسن، والحسين، وعطاء، وطاوس، ومجاهدًا، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير"كانوا يطوفون بعد العصر، وبعضهم بعد الصبح أيضًا، ويصلون بإثر فراغهم من طوافهم ركعتين في ذلك الوقت، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود بن علي..."."

ثم ذكر من خالفهم، فمن شاء رجع إليه فإن فيما ذكر من الحجة ما يغني عن حكاية أقوال المخالفين، ولا سيما وقد قال في بعضها:@

"وهذا لا وجه له في النظر؛ لأن الفرق بين ذلك لا دليل عليه من خبر ثابت، ولا قياس صحيح. والله أعلم".

وحديث جبير بن مطعم الذي أشار إليه كاف في إقامة الحجة على المخالفين إذا وقفوا عليه، وأنصفوا ولم يقلدوا، ونصه:

"يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى؛ أية ساعة شاء؛ من ليل أو نهار".

وقد صححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وهو مخرج في"ا لإرواء" (2/238- 239) .

واعلم أن الباعث على تخريج حديث الترجمة في هذه السلسلة: أنني كنت علقت عليه في"المشكاة" (1/331) من رواية أحمد بأن:"إسناده ضعيف، لكن يشهد له الحديث المتقدم (1041) "؛ وفاتني أن أعطف على هذا الرقم رقمًا آخر وهو (1045) ، فرد علي بعض المعاصرين بأدب ولطف في رسالة له أسماها:"الإعلام في إيضاح ما خفي على الإمام"! بأن الحديث المشار إليه (1041) ليس فيه ما يشهد للاستثناء:"إلا بمكة"، ولقد صدق، وقالت (ص30) :

"وهو استثناء ضعيف سندًا ومتنًا، والصحيح القول بالعموم، والله أعلم. وانظر"نصب الراية" (1/254) ، و"البيهقي" (2/461) "!

فعجبت من غضه نظره عن حديث جبير بن مطعم المؤيد للاستثناء الذي عليه جمهور العلماء كما تقدم، ومن أمره بالنظر في المصدرين المذكورين، وفيهما حديث جبير وغيره من الطرق والشواهد.

(تنبيه) : ليس في إسناد حديث الترجمة في"مسند أحمد"ذكر لـ(حميد@

مولى غفرة)، فظننت أنه سقط من الطابع، فرجعت للتأكد إلى"جامع المسانيد"لابن كثير؛ في ترجمة (مجاهد عن أبي ذر) (13/768) ؛ فلم أجده فيه، فكأنه سقط عنه، ثم رجعت إلى"أطراف المسند"لابن حجر العسقلاني (6/185/8071) ، فوجدته كما هو في"المسند"، فترجح عندي أنه سقط قديم ، فيمكن أن يكون من بعض النساخ، أو من عبدالله بن المؤمل نفسه، أثبته تارة، وأسقطه تارة، وذلك مما يؤكد ضعفه. والله أعلم.

لكني رأيت الهيثمي قال في"المجمع" (2/228) :

"رواه أحمد، والطبراني في"الأوسط"، وفيه عبدالله بن المؤمل المخزومي؛ ضعفه أحمد وغيره، ووثقه ابن معين في رواية وابن حبان، وقال:"يخطئ"، وبقية رجال أحمد رجال (الصحيح) "!

قلت: فلم يفرق الهيثمي بين رواية أحمد والطبراني، فإما أن تكون روايتهما واحدة، في الأولى ما في الأخرى من ثبوت ذكر (حميد) في الإسناد، فتكون نسخة الهيثمي من"المسند"على خلاف نسخة الحافظ في"الأطراف"، أو يكون حمل رواية"المسند"على رواية الطبراني، مع ما فيها من السقط، فعل ذلك تسامحًا أو سهوًا! وهذا هو الأقرب. والله أعلم.*

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت